عرب وعالم

قصص من البيت الأبيض.. علاقة الحب والكراهية بين الرؤساء والصحفيين

21-4-2021 | 03:37

البيت الأبيض

⢴ عاطف الغمرى

المراسلون يتهمون رؤساء بالكذب على الشعب الأمريكى

أول ما يسترعى انتباه المراسل الصحفى فى البيت الأبيض، هو ما يدور فى القاعة المخصصة للمؤتمر الصحفى اليومي، فهو أول الخيط فى الإلمام بما يجرى فى مقر الرئاسة، ثم تكتمل أمامه خطوط الصورة من خلال علاقات مع مسئولين فى هذا المكان، تكملها اتصالات ولقاءات منتظمة مع من شغلوا سابقا مناصب فى البيت الأبيض، ومنهم مستشارون للأمن القومى.

المؤتمر الصحفى يديره المتحدث الرسمى بالرئاسة، وأحيانا يحضره الرئيس بنفسه، إذا ما كانت لديه قضية مهمة يريد أن يحدث عنها المراسلين، أو لأنهم حريصون على أن يعرفوا من الرئيس مباشرة معلومات قد تكون إدارته تتعمد إخفاءها، ومن الممكن وفى ظروف معينة أن تكون لها دلالات مهمة عن سياسات اتخذت أو سوف تتخذ. وهو ما جعل المؤتمرات الصحفية فى هذه الظروف، نوعا من الدواء المر الذى يضطر الرئيس لتناوله.

والنماذج عديدة منها: المواجهة مع نيكسون حول فضيحة «ووترجيت وكارتر» فى أزمة الرهائن فى إيران وريجان، وفضيحة إيران - كونترا، وكلينتون وعلاقته بمونيكا لوينسكى. ويكون الرئيس هو الهدف الذى تطلق عليه قذائف الأسئلة الجارحة، ويصير الجو فى قاعة المؤتمرات الصحفية شديد التوتر، ومشحونا بالمرارة.

وحدث فى أحد هذه المؤتمرات أن انفعل نيكسون وقال للسائل: أنت دائما تقدم أسئلة قاسية. ليس لأنها ظالمة، لكن لأن طرحها يكون فى إطار معان عامة دون تحديد وهو ما يصعب على الرد بإجابة محددة.

وعن طريق لقاءاته المتكررة مع هيلين توماس، كبيرة مراسلى البيت الأبيض وهى من أصول لبنانية، وكانت تعطينى معلومات عن طبيعة علاقة الرؤساء بالصحفيين من خلال عملها مع ثمانية رؤساء، ابتداء من چون كيندى حتى باراك أوباما، فهى وصفت ما يجمع الرئيس بالصحفيين، بأنه مزيج من الراحة والاحتياج، ومن الريبة والكراهية المكتومة فى ذات الوقت، وإن منهم من أعرب عن هذا الشعور صراحة، وإن كان أغلبهم يعبر عنه بنوع من السخرية كأنها مواجهة، فمثلا كان الرئيس فرانكلين روزفلت يوقع على أوتوجراف لأحد المحررين بكلمة «من ضحيتك المخلص، والرئيس هارى ترومان قال: عندما تتوقف الصحافة عن مهاجمتى، فإننى أشعر أننى على الطريق الخطأ.

چون كيندى، وصف التغطية لنشاطه بقوله: إننى أقرأ لكم الكثير، لكن استمتاعى به قليل.

ليندون چونسون قال: إن ما يكتبونه نابض بالحياة. لكنه غير صالح للنشر.

ريتشارد نيكسون، اعتاد وصف الصحفيين بقائمة الأعداء.

چيمى كارتر قال: ربنا اغفر لهم، لأن ما يعرفونه ليس هو نفس ما يفعلونه.

چورچ بوش الأب قال بعد انتهاء رئاسته: عندما كنت فى البيت الأبيض، كنت أؤمن بحرية الصحافة، والآن فإننى أؤمن بالتحرر من الصحافة.

بيل كلينتون سأله صديق له: لماذا يلاحقك الصحفيون أثناء ممارستك رياضة الجري، فأجابه، لأنهم يريدون أن يرونى أسقط ميتا.

فى مقابل ذلك تروى هيلين توماس، عن مجاملة من الرئيس كلينتون لم تتوقعها تقول: فى مناسبة عيد ميلادى السبعين، طلبت من الرئيس كلينتون إهدائى فرصة خمسة عشر دقيقة لإجراء حوار خاص معه، ووافق الرئيس، وذهبت إلى المكتب البيضاوى فى الوقت المحدد، ووضعت جهاز التسجيل الخاص بى على مكتبه، وبدأت بأول سؤال عن البوسنة، ولم أستطع إكمال السؤال، لأننى فوجئت بنائبه آل چور يقف عند باب غرفة المكتب، ولم يكن وجهه يعبر عن سعادة بوجودى، ووجدته يقول للرئيس: السيد الرئيس.. لقد حان الموعد وإذا بالرئيس ينهض واقفا، ويصطحبنى إلى باب الغرفة، حاولت أن أوضح له أنه لم يجعلنى أجلس معه مدة الخمس عشرة دقيقة التى وعدنى بها، فوجدته هو ونائبه يحيطان بى من الجانبين، ويتجهان بى نحو قاعة المؤتمرات الصحفية، شعرت وقتها بأن شيئا غير طبيعى يحدث، ولمحت جهاز التسجيل الخاص بى فى يد الرئيس الذى كنت قد تركته على مكتبه.

وإذا بالرئيس كلينتون يسألنى: مس توماس، طوال هذه السنوات وأنت تستمعين إلى كل الرؤساء الذين عملت معهم. وتسجلين آراءهم، واعترافاتهم، وأكاذيبهم، فكيف تعاملت مع جميع هؤلاء طوال السنين؟ وأجبته، أننى كنت أقول رأيى، وإذا بالمفاجأة الأكبر من كلينتون، وهو ينظر نحوى ويقول: أنت الآن من تستحق أن نتكلم عنها، وفى الحال أطفئت الشموع، وأنا أسمع التحية بعيد ميلاد سعيد، واكتشفت أن هدية الرئيس لى كانت هذا الجو الذى رتبوه لعيد ميلادى.

أحيانا كان مراسلو البيت الأبيض يقولون، إن الحكومة تكذب عليهم، وإنهم بذلك يكذبون على الشعب الأمريكى، وعلقت هيلين توماس على ذلك بأنها شاهدت رؤساء يكذبون، وهم يفعلون ذلك لافتقادهم القدرة على الإقناع، وتتذكر أكاذيب چونسون عن حرب فيتنام، ونيكسون عن ووترجيت، وكلينتون عن إنكار علاقته بمونيكا.

والقاعدة المتبعة فى البيت الأبيض، أن الرئيس حين يكلف أحد مستشاريه بمهمة خارجية محددة، فهو ملزم بنقل كلام الرئيس حرفيا دون أى تغيير فى مضمونه، لكن هنرى كيسنجر، مستشار الرئيس نيكسون للأمن القومى، تجاوز النص الذى حمله إياه الرئيس، عندما أوفده إلى موسكو عام 1972، لتسليم رسالة مكتوبة منه إلى الزعيم السوفتيى بريچنيف، لكن كيسنجر، وهو يعرض مضمون الرسالة، لجأ إلى تغيير بعض معانيها.

كان غرض نيكسون من هذه الرسالة اختبار نوايا الاتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط، وقد جاء فى الرسالة القول: هل تريدون العمل من أجل السلام، أم إنكم أكثر اهتماما باستغلال الموقف الحالى. وكان اهتمام نيكسون وكيسنجر منصبا على تثبيت الوضع الناتج عن احتلال إسرائيل لسيناء بعد حرب 67، وأدت الرسالة وزيارة كيسنجر إلى توسيع دائرة الحوار مع السوفيت، لتشمل اتفاقيات تعاون. وهو ما أدى إلى إعلان الدولتين اتفاقهما على ما سمى الوفاق الذى تضمن الإعلان عن فرض الاسترخاء العسكرى فى الشرق الأوسط، بمعنى عدم السماح بحرب أخرى من جانب مصر لاسترداد أرضها المحتلة، وهو ما أثار غضب الرئيس السادات، ومهد لحرب 73، وتحرير الأرض المحتلة.

البيت الأبيض وجواسيس الموساد

ظلت الحيرة تشغل عقول الكثيرين أمام أوامر صدرت من البيت الأبيض، بإخراج 60 إسرائيليا من عملاء الموساد، من محبسهم وترحيلهم فى ظلام الليل إلى بلدهم إسرائيل، بعد أن ثبتت عليهم تهمة العلم بنية تنظيم القاعدة نسف البرجين فى سبتمبر 2001.

وبداية الحكاية تتعلق بالغموض الذى أحاط بتفجير البرجين، صحيح أن تنظيم القاعدة أعلن مسئوليته عن الحادث، إلا أن شخصيات أمريكية منهم خبراء ومتخصصون عكفوا على الدراسة والبحث، ليسلطوا مصابيح ضوء على البقعة المظلمة، لعلهم يرون بأعينهم الأمر الذى مازال قابعا فى كهف الغموض.

هذا الغموض الذى استشعره الكاتب والمفكر الأمريكى ذائع الصيت، أرثر ميللر، فجاهر بحيرته أمام لغز الحادى عشر من سبتمبر وقال: «إن ما شهدناه فى هذا اليوم، هو جزء من الحقيقة، لكن بقى هناك جزء آخر لم نشاهده».

التحقيقات غير الرسمية للذين اهتموا بهذا الموضوع تساءلت عن سر وجود شبكة تجسس من الموساد الإسرائيلى فى موقع الإعداد للهجوم، وقبل موعد التنفيذ، وتساءلت أيضا عن الخيط الدقيق غير المرئى بين هؤلاء الإسرائيليين، وبين منفذى الهجوم من تنظيم القاعدة.

وهو ما دفع شبكة تليفزيون «فوكس نيوز» للسعى وراء تغطية هذا الجانب المحاط بالكتمان، وأذاعت أن بعض المحققين الأمريكيين، يعتقدون أن جواسيس إسرائيل قد علموا بأشياء أخفوها عنا قبل الحادى عشر من سبتمبر بأيام.

كلفت «فوكس نيوز» أحد مسئوليها كارل كاميرون، بالتحرى عن هذه الوقائع، وبعد أن استكملها أذاعت على شبكتها حوارا أجراه المذيع بيرت هيوم مع كاميرون.

كان سؤال هيوم هو: كنا قد تحدثنا عن ستين إسرائيليا احتجزوا لصلتهم بالتحقيق فى الهجوم الإرهابى فى الحادى عشر من سبتمبر، وأنت ذكرت أن المحققين الأمريكيين لديهم شكوك فى أن بعض هؤلاء الإسرائيليين كانوا يتجسسون على أشخاص عرب فى الولايات المتحدة، وأنهم ربما تكون قد تجمعت لديهم معلومات عن الهجوم الذى خططوا له، لكنهم لم يبلغوا بما لديهم من معلومات.

وكان رد كاميرون بقوله: إنه طبقا لتحقيق أجرته وكالة فيدرالية أمريكية، فإن هناك اشتباها فى تنظيم سرى إسرائيلى، يوجد فى عدد من المدن الأمريكية، وجاء إضافة إلى هذه المعلومات، من إدارة الهجرة، ومن وكالة مكافحة المخدرات، وكلها ذكرت أن الإسرائيليين كانوا منظمين فى إطار خلايا كل منها من أربعة إلى ستة أشخاص.

ولم يكن مغزى نشاط هؤلاء الإسرائيليين، قد ظهر إلا قبل نسف البرجين، عندما أكد تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالى أن إرهابيين عربا يعيشون فى مدينة فو ينكس بولاية أريزونا، وقى مدينة هوليوود الصغيرة بولاية فلوريدا، ابتداء من ديسمبر 2000، حتى إبريل 2001، وأن خلايا تجسس إسرائيلية تتابعهم وتقيم فى مساكن بالقرب منهم.

ومضى التقرير يقول: إن عملاء الموساد كانوا يتجسسون على محمد عطا، ومروان الشحى، وهما من قادة فريق اختطاف الطائرات، وأن الاثنين كانا يقيمان بمدينة هوليوود الصغيرة، ومعهما ثلاثة آخرون من مختطفى الطائرات فيما بعد، ذلك بعد أن غادروا مدينة هامبورج فى ألمانيا، بينما فريق الموساد يتحرك وراءهم وعلى مسافة قريبة منهم.

وأن قائد خلية الموساد فى فلوريدا استأجر شقة قريبة تماما من شقة محمد عطا ومروان الشحى، وأن أكثر من ثلث الإسرائيليين الذين ادعوا أنهم طلاب جاءوا إلى أمريكا لدراسة الفنون، قد سكنوا فى هذا الوقت فى فلوريدا، وسكن بقيتهم بالقرب من ثمانية من المختطفين، وقام الذين حصلوا على هذه المعلومات بوضعها بجوار بعضها، واستنتجوا منها أن إسرائيل علمت بأن عملا إرهابيا واسع النطاق سيقع على الأرض الأمريكية، لكنها لم تفعل شيئا لتحذير الأمريكيين.

ويشرح كارل كاميرون مراسل «فوكس نيوز» ما حدث بعد ذلك، أن أكثر من 60 إسرائيليا تم احتجازهم بسبب هذه الشكوك، طبقا لقانون مكافحة الإرهاب، وانتهاك قواعد الهجرة، بعدها صدرت التعليمات من البيت الأبيض بالإفراج عن هؤلاء الإسرائيليين وأعادتهم فى صمت إلى بلدهم.

مما أثار لدى المهتمين بالبحث وراء هذه الخفايا، سؤالا ظل يشغلهم وهو: كيف يمكن للسلطات الأمريكية أن تسمح لهؤلاء الجواسيس الإسرائيليين بالرحيل ليلا، والسفر إلى إسرائيل بالرغم من الاشتباه فى التورط بشكل ما، ولو بحجب المعلومات فى أحداث نسف البرجين.

وربما تكون الإجابة فى الجملة التى قالها أرثر ميللر:«إن ما شهدناه فى هذا اليوم من الحادى عشر من سبتمبر، هو جزء من الحقيقة، لكن بقى هناك جزء آخر لم نشهده».

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة