ذاكرة التاريخ

بعد الإعلان عن الوصول للاكتفاء الذاتي من السكر.. تاريخ «معاصر القصب» بالصعيد في عهد محمد علي باشا | صور

18-4-2021 | 15:21

أطفال يحملون القصب

محمود الدسوقى

بين جنبات وادي النيل وأرضيه الخصبة، يملك محصول قصب السكر في مصر تاريخًا طويلا، يشهد بذلك أقدم المعاصر البدائية، حيث ارتبطت بصناعات قصب السكر فى الصعيد أكثر من 22 صناعة.


الجذور التاريخية لنبات القصب تضرب بأصولها في أرض الصعيد، والذي زرعه العرب بأرض بداية من العصر الأموي في ولاية قرة بن شريك إبان خلافة الوليد بن عبد الملك، مرورا بالعصور اللاحقة حتى العصر الحديث، ليصبح قصب السكر، والعسل والقنود المصري من سمات أهل مصر، رغم انتقال زراعته من موطنه الأصلي بالهند إلي أرض الصعيد بمصر.

وأعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية منذ أيام تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر بوصفه سلعة إستراتيجية كانت البلاد تعاني من عجز شديد فيها لأول مرة في التاريخ، وقال الدكتور علي المصيلحي، وزير التموين في تصريحات إعلامية ،إن سلعة السكر تعد من السلع الإستراتيجية التي حدثت بها طفرة نوعية في مصر خلال الآونة الأخيرة، فبعد أن كانت مصر تعاني من عجز شديد بهذه السلعة مع حدوث تقلبات سعرية شديدة بها من ناحية ارتفاع الأسعار، أصبحت الآن سلعة تتميز بالاستقرار والثبات ألسعري والوفرة والإتاحة، ليقترب معدل الاكتفاء الذاتي من السكر إلى ما يقرب من 90%، ويرتفع المعدل النسبي للمخزون الاستراتيجي للسكر لما يزيد عن 6 أشهر.

وأضاف الوزير، أن إنتاج السكر في مصر ينقسم إلى 900 ألف طن سكر (من قصب السكر) و1.7 مليون طن سكر (من بنجر السكر)، كذلك إنتاج 250 ألف طن سكر من محليات صناعية (جلوكوز - وهاي فركتوز من الذرة)، ليشكل مجمل الإنتاج المحلي مليونين و850 ألف طن.

ويبدو القصب في التاريخ مصريًا خالصًا، ليس في التربة المصرية التي أعطت له سمات مغايرة لموطنه الأصلي في الهند وحسب، بل لقيام المصريين بصنع أدوات خاصة بهم في صناعته تختلف عن أقطار العالم التي تقوم بزراعته.

أكد ذلك العالم فيجري بك الذي عاين صناعة قصب السكر وزراعته في رحلة علمية في الأقاليم المصرية، في عهد محمد علي باشا.

ويؤكد المؤرخون أن الفاطميين كانوا يجبرون الفلاحين على حمل القصب لدار الفطرة، في قوص بقنا ، والتي كانت تشمل بدورها على سبعمائة قنطار من السكر وخمسة قناطير من العسل الأسود؛ وذلك لتفريقها على الخاصة والعامة في الأعياد والمناسبات.

ولكن السؤال يطرح نفسه .. كيف استطاع قصب السكر أن يكون مصريًا في أرض الصعيد ؟وأن يحوز شهرة عالية أكثر من موطنه الأصلي ؟

يقول فيجري بك الذي تولى شأن منصب مفتش الصيدليات، وألف كتابه الشهير "البراعة في فن الزراعة"، أن قصب السكر كان يًزرع في عهد محمد علي باشا في أكناف القاهرة وجنوب الدلتا، بالإضافة إلي بلاد الصعيد، مؤكدا نجاح زراعة قصب السكر في الصعيد أكثر منها في الدلتا، قائلا:" فلا يتحصل من بلاد الدلتا السكر القابل للتبلور ولا يتزهر فيها أصلا، ويتزهر في بلاد الصعيد فقط".

وأضاف فيجري بك أنه ينبغي أن يزرع قصب السكر في المزارع القريبة من نهر النيل أو الترع التي توجد بها المياه طوال السنة، وأن تكون الأرض طفلية سوداء كالأرض التي يُزرع فيها القمح؛ لأنها تمتص رطوبة المياه وتحفظها ولا ينبغي أن تكون سبخة، ويُزرع القصب بعد حصاد القمح ونحوه من الزراعة الشتوية في مربعات أو خطوط، وإذا زُرع في خطوط فينبغي أن تكون المسافة بين كل خط وآخر من 18 إلي 20 أصبعًا.

ويُقسم فيجري بك أصناف قصب السكر قائلا:"يُزرع صنفان من القصب أحدهما يًسمي بالبلدي، وهو الذي يُزرع بالقطر المصري منذ قرون المنسوب إلي جزيرة بتاويا، وهذا الصنف تحسن بإدخاله مصر، حيث يتحصل منه سكر متبلور جاف ،مع أن الذي يتحصل منه في بلاده الأصلية سكر دسم ".

ويؤكد فيجري أن السكر المتبلور الجاف الذي أعطته تربة الصعيد لقصب السكر الهندي هو الذي جعل شهرته عالية، وتفوق شهرة بلاد الهند موطن قصب الأصلي والصنف الثاني أُدخل في مصر من مدة سنين في أيام محمد علي باشا، وهو المنسوب إلي جزيرة هاوان وجزائر أخري من خليج المكسيك، ويتغير لونه بمرور الوقت في مصر، وصار لونه أحمر ناصعًا ، وتولدت عليه خطوط لونها أصفر مخضر،وأغلبه فقد لونه الأصلي واكتسب لون القصب البلدي وخصوصا في الدلتا، والذي فقد القصب نموه الأصلي فصار أقصر، وأقل غلظة وأكثر خفة بسبب المناخ، خلاف قصب الصعيد في شهر يناير من كل عام، حيث يبدأ حصاد القصب كما هو معروف ويستمر لشهور حتى نهاية إبريل.

ويؤكد فيجري بك أن كل عشرة أشخاص يقطعون في اليوم الواحد فدانًا من القصب ويجردونه من أطرافه العلوية المعروف بـ"الزعزوعة"، وإنما يستعمل قطعه لأجل الفوريقات المتسعة التي يستخرج منها فيها السكر بواسطة آلات بخارية ،أما إذا كان استخراجه بالطريقة القديمة أي بدون آله بخارية فلا يقطع القصب من أرضه إلا شيئا فشيئا بقدر الحاجة، والفدان الواحد يتحصل منه من السكر 30 قنطارا مصريا من السكر الجيد وخمسة في المائة من العسل،

أما أغلب الفوريقات الصغيرة في الصعيد خلال عهد محمد على باشا فكانت موجودة بقبطس " قفط "، وقوص ودندرة، وفرشوط،وأخميم، وملوي، والمنيا والفيوم .

وكانت الآلات التي كان يُصنع فيها السكر البلدي قديما بسيطة جدا، فهي مركبة من معصرة مكونة من أسطوانتين من الخشب الصلب طولها نحو قدمين ونصف، وكل أسطوانة محاطة بحلزون محفور علي جميع طولها يتحركان بعجلتين من خشب، وهذا الاختراع مصري خالص.

ويوجد فوق الأسطوانة منفذ لبرمة عمود من خشب ترتفع وتنخفض علي حسب الأداة لأجل رفعها أو خفضها في عصر القصب، ثم يدخل بين الأسطوانتين 4 عيدان من القصب، وتدار الأسطوانتان في اتجاه مضاد بواسطة شخصين فيخرج منها أغلب العصارة، وتستقبل في حوض من الفخار يوجد أسفل المعصرة، وله فتحة جانبية تسيل منها العصارة في قناة تصب في مستودع من الفخار أيضا، أو من الخشب لترسب المواد النباتية الموجودة فيها، وبعد مكوثها نحو نصف ساعة تؤخذ بمغارف ذات أيد طويلة من خشب وتصب في حلة كبيرة من نحاس محاطة بالبناء علي مساواة سطح الأرض تقريبا.

ويقول فيجري بك:"بعد ذلك تروق العصارة في هذه الحلة باستعمال مقدار مناسب من لبن الجير الذي يتحد بجميع الحوامض النباتية والأملاح الحمضية ،وكذلك تجمد المادة الزلالية، فتأخذ معها جميع الأملاح الجيرية التي تكونت وتطفو علي سطح العصارة علي هيئة رغوة، وتؤخذ بواسطة مغرفة ذات ثقوب، ومتي انقطع تكون الرغوة تركزت في العصارة قليلا، وينقل الشراب بواسطة المغارف في حلة أخري جانبية فيطبخ الشراب فيها بالدرجة اللازمة، ثم يصب بواسطة المغارف في قوالب من فخار، ويكون أسفل القوالب قناة تستقبل العسل المقطر".

وبعد يومين تنزع أقماع السكر من القوالب المذكورة، ثم توضع في تنور صناعي يُسخن بواسطة الحرارة التي تنتشر في أعواد القصب المتخمر، وتٌخمر هذه الأعواد، ويتحصل منها درجة حرارة مرتفعة، وإن لم تلاحظ تكون سببا في إحراق الفوريقة، وكانت المعاصر البدائية في الصعيد في عهد محمد على باشا، تعمل ثلاثة أشهر، وتكفي لاستخراج عصارة قصب فدانين ونصف والفدان الواحد يتحصل منه من قصب السكر حمل 300 بعير، كل حمل يكون بمقدار 100 عود قصب، ويزن 4 قناطير، فيكون متحصل الفدان الواحد 1200 قنطار، والفدان الواحد من قصب السكر يتحصل منه من 35 إلي 40 قنطارا من السكر الخام .


صناعات قصب السكر فى الصعيد


صناعات قصب السكر فى الصعيد


صناعات قصب السكر فى الصعيد


قصب السكر


قصب السكر


قصب السكر

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة