ذاكرة التاريخ

في ذكرى "راهب الجغرافيا".. كيف رسم جمال حمدان معالم العبقرية في "شخصية مصر"؟

17-4-2021 | 19:39

الدكتور جمال حمدان

سها الجوهري

عاشق مصر العبقري كتب عنها يقول:"ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة، مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".


إنه د.جمال محمود صالح حمدان، الذي ولد في مدينة قليوب في 4 فبراير عام 1928م لأسرة كريمة طيبة المنبت، كان ترتيبه الثاني بين خمسة أولاد وبنتان، والده أزهريا يعمل مدرسًا للغة العربية، اهتم الأب بتحفيظ أبنائه القران الكريم وتجويده وتلاوته، ومن هنا ملك جمال ناصية اللغة واستطاع أن يطوعها بين يديه وخرجت كتاباته قوية لغويًا، يغلب عليها الأسلوب الأدبي الإبداعي.

تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة شبرا الابتدائية التي كان يعمل بها والده، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1939م، وسنه لم يتجاوز الحادية عشر، ثم التحق بمدرسة التوفيقية، وحصل على شهادة الثقافة عام 1943م، ثم شهادة التوجيهية عام 1944م من نفس المدرسة، بترتيب السادس على مستوى القطر المصري كله، وفى هذه السن المبكرة برزت بوضوح علامات ذكاء وعبقرية جمال، كما كان لديه العديد من الهوايات والمواهب فأبدع في كتابة الخط العربي والرسم وتفنن في رسم الخرائط الجغرافية وإظهار التضاريس والمعالم الطبيعية، كما كان يعشق الغناء ويجيد كتابة النوتة الموسيقية.

التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة بقسم الجغرافيا، وكان طالبا متفوقًا ومتميزًا واجتماعيًا يكتب مقالات في مجلة الحائط التي يصدرها طلاب القسم، ونظرا لتفوقه كان أول دفعته عند تخرجه عام 1948م، وعُين معيدًا بالقسم ومؤهلاً للسفر في بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة للدراسة والحصول على درجة الدكتوراه في الجغرافيا من جامعة ريدنج التي درس بها لمدة خمس سنوات، وحصل على الدكتوراه عام 1953م وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين، عن رسالة بعنوان (سكان وسط الدلتا ..الماضي والحاضر).

وعاد حمدان إلى مصر بفكر جغرافي جديد ونهج علمي موضوعي آملا في خلق مدرسة جغرافية حديثة تساير في نهجها المدارس الجغرافية الأوروبية والأمريكية التي تحول الجغرافيا من علم يدرس تضاريس الأرض والمناخ إلى جغرافيا تاريخية وبشرية وأنثروبولوجية وجيولوجية واجتماعية واقتصادية وسياسية.

عمل بالجامعة عشر سنوات وتتلمذ على يديه العديد من الطلاب، وعلى الرغم من انشغاله بإلقاء المحاضرات والإشراف على الأبحاث والاشتراك في اللجان الأخرى بقسم الجغرافيا، إلا انه استطاع أن يقدم إنتاج علمي متميز خلال تلك الفترة، متمثلا في صدور العديد من المؤلفات والمقالات التي كانت تنشر في بعض المجلات.

واجه حمدان العديد من المشكلات في الجامعة فقرر الاستقالة ورفض أي مناصب قيادية أو تشريفية والتفرغ لدراساته وأبحاثه عام 1963م، فأعتكف في منزله وقدم لنا العديد من المؤلفات القيمة التي تعد نقلة فكرية تاريخية جغرافية أثرت المكتبة العربية بشكل كبير، ومنها "شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان"، "دراسات في العالم العربي"، "أنماط من البيئات"، "دراسة في جغرافيا المدن"، "المدينة العربية"، "بترول العرب"، "الاستعمار والتحرير في العالم العربي"، "اليهود أنثروبولوجيا"، "إستراتيجية الاستعمار والتحرير، "العالم الإسلامي المعاصر"، "بين أوروبا وآسيا دراسة في النظائر الجغرافية"، "الجمهورية العربية الليبية دراسة في الجغرافيا السياسية"، "6 أكتوبر في الإستراتيجية العالمية"، "قناة السويس"، "إفريقيا الجديدة"، "سيناء في الإستراتيجية والسياسة والجغرافيا"، "نحن و أبعادنا الأربعة"، "القاهرة"، "من خريطة الزراعة المصرية"، "فلسطينيات وإسرائيليات"، "عقود من الخيبات.. كيف وصلنا إلى هنا؟"، "أسرار ثورة 23 يوليو"

حصل جمال حمدان على عدد من الجوائز منها، جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية سنة 1959م، جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية 1986م، ووسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتابه "شخصية مصر" سنة 1988م، وجائزة التقدم العلمي من الكويت سنة 1992م، واختير شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 51 لعام 2020 ؛ تقديرا لمكانته كمفكر وعالم مصري قدير.

توفى جمال حمدان في 17 أبريل 1993 إثر حريق شب في شقته، ورحل مخلفًا وراءه تركة زاخرة بكنوز العلم والمعرفة.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة