عرب وعالم

رحيل أكبر محتال في التاريخ.. "مادوف" استولى على 65 مليار دولار من 40 ألف مستثمر من 125 دولة

17-4-2021 | 12:33

رحيل أكبر محتال فى التاريخ .. برنى مادوف

عبد الخالق صبحى

حكم عليه بالسجن 150 عاما وأجبر على التنازل عن 170 مليار دولار

سيرته كانت موضوعا لمقالات وكتب وأفلام ومسلسل تليفزيونى
خدع المستثمرين وباع لهم الوهم ولم يستثمر دولارا واحدا


أسدل الموت ستائره السوداء على حياة منفذ أكبر عملية احتيال وغسيل أموال فى التاريخ البشرى الاسبوع الماضي؟

مات المحتال من طراز رفيع «برنارد لورانس مادوف»، الذى كان يقضى عقوبة السجن لمدة 150 عامًا عن إجمالى جرائم نصب واحتيال على مدار 17 عامًا، راح ضحيتها نحو 40 ألف مستثمر من الولايات المتحدة و125 دولة، استولى خلالها على ما يقدر بـ 65 مليار دولار.

فارق الحياة فى المركز الطبى الاتحادى باتنر بولاية نورث كارولينا.
رغم جريمته الكبرى إلا أن ملامحه تبدو غاية فى الطيبة والهدوء، وربما يكون هذا مكمن خطورته، فلا أحد يتوقع من مثل هذه الملامح كل هذا الشر، هذه الملامح الطيبة ربما أوقعت الكثيرين فى شرك طيبته.
لم يكن مجرما عاديا، ولكنه كان حالة فريدة، يمكن وصفه بالذكاء الحاد ـ الشرير بطبيعة الحال ـ فقد كان رائدًا فى التجارة الإلكترونية ورئيسا لمجلس إدارة «ناسداك» فى أوائل تسعينيات القرن العشرين.. فما هى قصته مع الجريمة؟
...
مع التسليم بأنه يكاد لا يمر يوم فى عمر البشرية إلا ويتم فيه القبض على آلاف اللصوص والمجرمين والقتلة والسفاحين فى أنحاء الكرة الأرضية، إلا أن المجرم فى قضايا الاحتيال يبقى له طبيعته الخاصة لا سيما لو كان اسمه مادوف الذى لم يلجأ أبدا للعنف ولا اضطر إلى إراقة دماء، وجريمته كلها تتمثل فى تحايل غير مشروع لسلب أموال الضحايا بمحض إرادتهم.. هذا باختصار ما كان يفعله بيرنى مادوف.


أدرك مادوف أن الطمع يمكن توظيفه فقدم الطعم لضحاياه ـ فى صورة أرباح كبيرة لإيداعاتهم ـ لاستدراجهم على تقديم المزيد منها لرغبة كامنة لديهم فى تحقيق أرباح كبيرة من دون مجهود.


اعتمد «مادوف» على خطة احتيال قديمة ابتكرها «تشارلز بونزي» ‏ أحد أكبر المحتالين فى التاريخ الأمريكى إيطالى المولد والنشأة ـ وكان أول من ابتكر هذه الطريقة التى عرفت بـ»سلسلة بونزى « أو هرمية الوهمية أو حتى دالة «بونزي» وطبقها فى العام 1920وتمكن من الاحتيال على مئات الضحايا لمدة عام كامل قبل أن يقع فى يد الشرطة، والذى يعد طليعة بائعى الوهم من شركات توظيف الأموال.


تقضى هذه الحيلة بجمع أموال لاستثمارها بفائدة كبيرة ومغرية، وتسديد الأموال المستثمرة لأصحابها مع الفوائد من حصيلة أموال المستثمرين الجدد، وهكذا من دون وجود مشروعات على الأرض ولا عمليات استثمار من أى نوع، وهذا ما طبقه «برنارد مادوف» المعروف اختصارا باسم «برنى مادوف»
وضع المستثمرون ثقتهم فى مادوف لأنه خلق واجهة محترمة، وعائداته كانت عالية ولكنها ليست غريبة، وادعى أنه يستخدم استراتيجية مشروعة.


أدين مادوف بحكم قضائى فى العام 2009 بجرائم احتيال على نطاق كبير بلغ إجماليها 65 مليار دولار، وتعد قصته هى الأوسع انتشارا على الإطلاق بين قصص النصب والاحتيال التى وقعت فى أسواق المال الأمريكية «وول ستريت» على كثرتها، بسبب ضخامة المبالغ المالية التى تتجاوز ـ من دون أية مبالغةـ ميزانيات دول كبرى، وطبيعة الضحايا ـ أغلبهم من رجال الأعمال ومشاهير الفن أمثال المخرج العالمى ستيفين سبيلبيرج، والفنان الهوليوودى كيفين باكو ـ إضافة لاستمرار عمليات النصب لسنوات من دون أن تنكشف.


حكم عليه بالسجن لـ 150 عاما وأجبر على التنازل عن 170 مليار دولار، واعتبارًا من ديسمبر 2018، وزع صندوق Madoff Victims Fund أكثر من 2.7 مليار دولار على 37011 مستثمرًا من ضحاياه فى الولايات المتحدة وحول العالم.
 

بداية شريفة

بدأ مادوف حياته فى دنيا المال والأعمال فى العام 1960بتأسيس شركة صغيرة لا يتجاوز رأسمالها حاجز الـ 10 آلاف دولار للاستثمار فى البورصة، وعرف طريقه إلى «وول ستريت» وسرعان ما ذاعت شهرته لابتكاره أسلوبا جديدا حقق من خلاله أعلى العوائد داخل أكبر بورصة أوراق مالية فى العالم، وكانت شركته المتواضعة «برنارد إل مادوف للاستثمار فى الأوراق المالية» بذرة أعماله فى الاحتيال لاحقا.


الطريف فى قصة مادوف أن السلطات القضائية الأمريكية اتهمته ببدء نشاطه فى الاحتيال من سبعينيات القرن العشرين، فيما اعترف هو ببداية نشاطه الاحتيالى مع بداية التسعينات بالتزامن مع حرب الخليج وما ترتب عليها من كساد بالأسواق.

المثير للدهشة أن الرجل اعترف أيضا بأنه لم يكن ينوى الاستمرار فى الاحتيال إلى النهاية، وتصور أن بإمكانه استخدام العائد من أول عملية جسرا يعبر به الأزمة حتى يعاود نشاطه فى المضاربة من جديد وترك مسألة النصب، إلا أنه لم ينجح فى التعافى أبدا!

وبالعودة لأوراق التحقيقات مع مادوف ـ المولود بكوينز نيويورك عام 1938 ـ اعترف الرجل بأنه لم يستثمر دولارا واحدا على كثرة ما جمع من أموال، وبأنه اعتاد وضع الأموال والفوائد وفقا للمتفق عليه مع عملائه فى حساباتهم من الاستثمارات الجديدة للمودعين الجدد، باعتبارها أرباحا ناتجة عن استثمارات حقيقية.
 

خيال خصب


كان لدى برنارد مادوف قدرة مذهلة على الإقناع، وخيال واسع شديد الخصوبة، مكنه من تسويق الوهم وإقناع المودعين بمواصلة الاستثمار معه بزعم تحقيقه لعوائد خيالية قدرها بنحو 60 مليار دولار، اتضح بعد انهيار شركته والقبض عليه أنها لم تكن أكثر من مجرد خيالات أتقن الرجل تسويقها وبيعها لعملائه الطامحين فى تحقيق الثراء السريع بحسن نية، والذين انتابتهم صدمة عنيفة جدا بعد افتضاح أمره الذى تزامن مع الأزمة المالية العالمية.


ارتبط اسم الرجل منذ بداية الألفية الثالثة بتساؤلات كثيرة عقب تحليل قام به محقق فى جهة رقابية أكد فيه أن الأمر برمته لا يتجاوز عملية احتيال كبيرة مع صعوبة تحقيق تلك العوائد الخيالية التى كان مادوف يعطيها للمستثمرين.
ولسنوات طويلة لم يستمع أحد إلى تلك الادعاءات المرتبطة بعمليات احتيال مادوف، حتى الأزمة المالية العالمية إذ بدأت السلطات الأمريكية وقتها تحقيقا موسعا كشف عن تعرض نحو 40 ألف مستثمر فى 125 دولة حول العالم لعمليات الاحتيال التى قام بها مادوف.


وعلى الرغم من الادعاء بتوليد عوائد كبيرة وثابتة من خلال إستراتيجية استثمار تسمى تحويل الإضراب المنفصل، وهى إستراتيجية تداول فعلية، كان مادوف يقوم ببساطة بإيداع أموال العملاء فى حساب بنكى واحد ويستخدمه لدفع أرباح لعملاء آخرين.
وكان يقوم بتمويل عمليات الاسترداد من خلال جذب مستثمرين جدد ورؤوس أموالهم ، لكنه لم يتمكن من الاستمرار فى الاحتيال عندما تحولت السوق بشكل حاد فى أواخر عام 2008، اعترف لأبنائه - الذين عملوا فى شركته ولكنه ادعى أنهم لم يكونوا على علم بمخططاته.


وفى أواخر ديسمبر 2008 سلموه إلى السلطات، وأشارت البيانات الأخيرة للصندوق إلى أن لديه 64.8 مليار دولار من أصول العملاء.
فى عام 2009، فى سن الـ 71، أقر مادوف بأنه مذنب فى 11 تهمة جنائية اتحادية، بما فى ذلك الاحتيال فى الأوراق المالية والاحتيال الإلكترونى والاحتيال عبر البريد والحنث باليمين وغسيل الأموال. أصبح مخطط بونزى رمزًا قويًا لثقافة الجشع والخداع التى انتشرت فى وول ستريت، بالنسبة للنقاد، فى الفترة التى سبقت الأزمة المالية. حُكم على مادوف بالسجن 150 عامًا وتنازل عن 170 مليار دولار من الأصول، لكن لم تواجه أى شخصيات بارزة أخرى فى وول ستريت تداعيات قانونية فى أعقاب الأزمة.


كان مادوف موضوعًا للعديد من المقالات والكتب والأفلام ومسلسل ABC السيرة الذاتية.
مبررات واهية
ويدافع مادوف عن نفسه بالقول إنه كان ضحية لأوضاع السوق، إذ قال فى رسالة بالبريد الإلكترونى من داخل محبسه إلى شبكة CNBC الأمريكية إن الكساد الذى انتاب السوق دفعه للنصب والاحتيال.


فى العام الماضى، قدم محامو مادوف أوراقًا للمحكمة لمحاولة إطلاق سراح الرجل البالغ من العمر 82 عامًا من السجن، بسبب جائحة «كورونا»، قائلين إنه عانى من مرض كلوى فى مراحله الأخيرة وحالات طبية مزمنة أخرى، لكن تم رفض الطلب.


واعترف مادوف بخداع آلاف العملاء من خلال عمليات احتيال طالت استثمارات بمليارات الدولارات على مدى عقود.
واستعاد الوصى المعين من قبل المحكمة أكثر من 13 مليار دولار من 17.5 مليار دولار قام المستثمرون بضخها فى أعمال مادوف.
وفى وقت اعتقال مادوف، كانت بيانات الحساب المزيفة تخبر العملاء أن لديهم ممتلكات بقيمة 60 مليار دولار.


فى خضم أزمة الائتمان العالمية عام 2008 ضجت وول ستريت بخبر اعتقال Bernard Madoff لإدارة أكبر مخطط Ponzi فى العالم ولفقدانه مليارات الدولارات من أموال المستثمرين.


وفيما أكد مادوف أنه عمل لوحده، تمت إدانة خمسة من كبار مساعديه وتوصل بنك J.P. Morgan Chase إلى تسوية مع السلطات شملت تشديد قيود الامتثال ودفع 2.6 مليار دولار مقابل إسقاط التهم ضده.
ولكن أين أصبحت هذه الأموال المختلسة اليوم؟.


نهايات سعيدة للضحايا
يشار إلى أن أغلب ضحايا مادوف استعادوا أموالهم بطريقة غير مسبوقة فى تاريخ عمليات الاحتيال المعروفة باسم ponzi. حيث تم تعويض حوالى 70 %، من المطالبات التى تمت الموافقة عليها حتى الآن والبالغة 19 مليار دولار، أى 13.3 مليار دولار، ويعود الفضل فى ذلك للمحامى إيرفنج بيكارد الذى يشرف على تصفية شركة مادوف فى محكمة الإفلاس، والذى قام بمقاضاة من استفادوا، بدراية أو غير دراية من الأرباح الوهمية التى وزعها مادوف على من استثمر معه منذ سبعينيات القرن الماضى والتى تقدر بخمسة وأربعين مليار دولار!.


ولتوضيح الفكرة يتم مقاضاة المستثمرين الذين سحبوا أموالاً أكثر من رأسمالهم الأصلى، وقد أثارت هذه الإستراتيجية جدلاً واسعا لكن المحاكم قبلت بها فى نهاية المطاف.


ومن الأموال المسترجعة، تمت إعادة 11.3 مليار دولار لضحايا مادوف على أساس تناسبى ويبقى مبلغ مليارى دولار مجمدا بانتظار نتائج المحاكمات.
وقد تم تسديد أموال نحو 1400 من الضحايا الأصغر بالكامل أى من كانوا يطالبون بـ 1.4 مليون دولار او أقل.


ويحاول المحامى الذى يشرف على التصفية تحصيل 4 مليارات دولار إضافية من خلال 80 قضية تشمل صناديق offshore أخذت أموالا من عملائها واستثمرتها مع مادوف.


وفى حال نجاحه فى تحصيل هذه الأموال، ترتفع نسبة استرجاع الأموال المختلسة إلى 91 %، وهى نسبة استثنائية، إذ إنه فى المعتاد لا تتجاوز الأموال المسترجعة فى مخططات البونزى الـ30 %!

وفيما تحقق لضحايا مادوف نهايات سعيدة، لاحقته المآسى منذ إدانته وإيداعه السجن، فقد انتحر ابنه البكر شنقا فى 2010 وتوفى ابنه الآخر بمرض السرطان فى 2014.


أما زوجته فقد احتفظت بـ 2.5 مليون دولار وتعيش فى منزل مستأجر فى كونيتيكت

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة