تحقيقات

جمع الطب والميكانيكا.. طبيب يخترع جهازًا نادرًا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين..وهذه قصته|فيديو

14-4-2021 | 17:21

طبيب يخترع جهازًا نادرًا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

داليا عطية

في سجل التاريخ صفحات مضيئة سطرها مصريون في كل العلوم علمت الدنيا وأثرت البشرية وساهمت في تطور الأمم، ولعل موكب المومياوات الملكية الذي أبهر العالم وأذهل العلماء بالأمس القريب لم يكن سوى احتفالية تم الأعداد لها جيدا لتبرز حضارة عريقة شيدها الأجداد إلا أن الأحفاد أيضا لديهم من النبوغ، ما يبهر ومن الإعجاز ما يُذهل، وكثيرون هم علماء مصر الذين أثروا العلوم في العصر الحديث،حتى إن البعض منهم وصل بمبتكراته وأبحاثه إلى جائزة نوبل مثل عالم مصر الراحل أحمد زويل، وغيره كثيرون مما تذخر بهم المحافل الدولية في شتى العلوم.


عبقرية المصري أنه يستطيع بإمكانيات بسيطة تحقيق منجزات كبيرة بل وعالمية، وربما لا نعلم بهم وبمنجزاتهم إلا بعد أن تهاجر هذه العقول "بحثًا عن الإمكانيات" ويتم اكتشافها بالخارج وتنمية مواهبها وفي سيرة ومسيرة الكثير منهم نماذج مشرفة كانت محل تقدير من دوائر عالمية كثيرة تسعى إلى استقطابهم للعمل بها والاستفادة من خبراتهم وعقولهم.

عقول لا تر النور
وفي محاولة من "بوابة الأهرام" للبحث عن مواهب مصرية لا تر النور، وعقول وطنية تبحث عمن يحتضنها التقينا أحد هؤلاء المبدعين الذين يعملون في الظل انتظارًا للحظة من يفتش عنهم ويكتشفهم ويقدر ما يقومون به.

قصة مثيرة
قصة مثيرة لطبيب تجاوز السبعين عامًا تعكس عبقرية المصري حين يتحدى الصعاب، وحين يواجه العقبات فيصنع من الأزمة فرصة، هكذا كانت رحلة الطبيب المصري عبد الستار صلاح علي الجرواني البالغ من العمر 73 عاما ،الذي بزغ نبوغه وتفجر علمه منذ أن كان طالبا بالجامعة ومن المفارقات أنه التحق بكلية العلوم عام 1969 ثم انتقل بعد عام فقط إلى الطب اعتقادا أن هذا المجال يوفر فرصة العمل الأسرع وقد كان فدخل الطب بجامعة عين شمس تخرج فيها طبيبا عام 1975 إلا أن ميوله العلمية أخذته إلى حيث الإبداع و الابتكار حتى خرج بجهاز لإنتاج غاز الهيدروجين آمن الاستخدام والمخاطر وموفر في الطاقة ليصبح الجهاز الأول من نوعه في مصر والعالم العربي.


حكاية الجهاز
من جملة محاولات بدأت في 2016 خرج الدكتور عبدالستار بجهاز توليد غاز الهيدروجين بواسطة الماء والكهرباء وتقدم بطلب تسجيل له في براءات الاختراع بوزارة الدولة للبحث العلمي حمل رقم 1736 لعام 2017.

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

الفكرة
فكرة الابتكار تقوم على إنتاج غاز الهيدروجين بدون الاستعانة بالأسطوانات "شديدة الخطورة حيث تتعرض للانفجار" واستغلال طاقة المياه حيث يعمل الجهاز بالماء والكهرباء فقط ويتم توليد غاز الهيدروجين عن طريق التفاعل الكيميائي البسيط الحاصل في دورة الجهاز وهي فكرة قديمة وموجودة في صورة أبحاث، ولكن العائق العالمي أمام تحويلها إلي منتج تجاري يتمثل في صعوبة السيطرة علي هذا الغاز الخطر إلا أن الطبيب المصري تمكن من تحطيم العائق وتصنيع جهاز بتقنية فريدة؛ فبحسب حديثه لـ"بوابة الأهرام": "غاز الهيدروجين خطر جدًا إلا أن الابتكار عالج هذه المسألة وقضى على عوامل الخطورة والآن يمكننا لإنتاج الغاز بكل آمان وتحكم عال جدًا".

استخدامات الجهاز
"استغلال طاقة الهيدروجين الحرارية العالية قوي في الصناعات المختلفة".. هكذا وصف الطبيب استخدام الجهاز فقال إنه يدخل في صهر ولحام المعادن المختلفة مثل النحاس والفضة والذهب والألومونيوم والقصدير والحديد والاستنلس الخفيف وهو ما تطلبه صناعات كثيرة مثل الورش والمصانع وصيانة السيارات والردياتير وإصلاح المكيفات ولحام جميع المشغولات الخفيفة.

يؤمّن منطقة الحسين من انفجارات أسطوانات الغاز

يقول الطبيب إن تجار الذهب والفضة في انتظار هذا الجهاز لصهر ولحام المشغولات الذهبية والفضية بجودة وأمان عال؛ حيث يستعينون في ذلك بأسطوانات الغاز والتي تعرض حياتهم للخطر وكثيرًا ما تشهد منطقة "الصاغة" وهي منطقة حيوية وسياحية إذ فيها شارع الأزهر وسوق الغورية ومسجد الحسين وشارع المعز ولكن بسبب قابلية أسطوانات الغاز للانفجار أثناء العمل بها في ورش الذهب والفضة المنتشرة في الحواري والأزقة تصبح هذه المنطقة في خطر.

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

استعنت بمهندس متخصص في الكهرباء

يقول الطبيب المخترع عملت في هذا الابتكار بمفردي ولم استعن سوى بمهندس متخصص في الكهرباء لأنني أثناء تصنيع الجهاز كنت أحتاج إلى قدرات معينة للكهرباء وكان المهندس عبدالعزيز هو المسئول عن ذلك.

5 وسائل أمان واستهلاك يعادل "كاتل" تسخين الماء

يقول المهندس عبدالعزيز يوسف وعمره 34 عامًا في حديثه لـ"بوابة الأهرام" إن نسب الأمان مرتفعة في الجهاز لخلوه من الضغط العالي والكهرباء العالية إضافة لوجود 5 وسائل آمان مختلفة ويضيف وهو متخصص في هندسة كنترول وتحكم آلي أن جهد التغذية للجهاز 220 فولتًا بتيار 3.5 أمبير أما بالنسبة للاستهلاك فهو 770 وات / ساعة ما يعادل استخدام "كاتيل تسخين المياه".

يمكننا إنتاج جهاز بديل للبوتجاز

يقول المهندس لم تقتصر استخدامات الجهاز في قطع وصهر المعادن المختلفة وحسب وإنما تمت تجربته في تسخين المياه كـ بوتاجاز منزلي وتمكن من التسخين في 5 دقائق: "نقدر نستخدمه كبوتاجاز في المنزل يعمل بالكهرباء".

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

230 لتر هيدروجين في الساعة

وينتج الجهاز من 3 إلى 6 لتر غاز هيدروجين في الدقيقة ومن 180 إلى 230 لترًا في الساعة عن طريق ملء تانك الماء بقدرة "كوب صغير" وتوصيل "فيشة" الكهرباء فقط.

يمكننا إنتاج جهاز آخر لتشغيل السيارات

ويلفت المهندس إلي وجود تجربة نجحت بنسبة 30% في إنتاج جهاز لتدوير السيارات كبديل للغاز الطبيعي وهو ما يمثل نقلة في المستقبل إلا أن الأمر بحاجه إلى إمكانيات مكانية ومادية قائلًا: "في إمكاننا تصنيع جهاز يقدر يشغل ماتور العربيات زي الغاز الطبيعي".

بديل آمن تمامًا للأسطوانات

يواصل الدكتور عبد الستار "الطبيب المخترع" حديثه لـ"بوابة الأهرام" فيقول خضع الجهاز لاختبارات خبراء بوزارة الصناعة أكدوا خلالها قيمته وطالبوا بضرورة التوسع في إنتاجه فهو بديل آمن للأسطوانات، كما أنه صديق للبيئة؛ حيث غاز الهيدروجين أنقى أنواع الغاز إذ إنه متواجد في مكونات الهواء الذي نستنشقه فلا هو سام ولا ذو رائحة نفاذة، وبالتالي لا يُنتج عوادم أثناء الاستخدام.

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

صناعة محلية 100% تكلفت "تحويشة العمر"

أما عن الخامات فيقول الطبيب جميعها مصرية 100% لافتًا إلى منطقة "السبتية" التي لطالما تردد عليها بحثًا عن آلة معينة تفيده في تصنيع الجهاز بالتقنية المطلوبة قائلًا: "أثناء تصنيع الجهاز كنت أراعي مرحلة الصيانة وعلشان كده الخامات مصرية 100%" أما عن تكلفة الجهاز خلال سنوات تصنيعه فقال: "صرفت عليه حوالي 400 ألف جنيه.. تقريبًا تحويشة العمر"

لغز شقة البحر الأعظم

الطبيب المخترع يلتقى المرضى في التأمين الصحي نهارًا حيث يعمل به استشاري الباطنة ويعود ليلتقي بهم ليلًا في العيادة الخاصة وبين الليل والنهار كانت ساعات يجدها كثيرة الملل فهو لا يحب الفراغ ما جعله يبحث عن فكرة ليبدأ الانشغال فيها وكانت فكرة إنتاج غاز الهيدروجين بواسطة الماء والكهرباء وليتمكن من مواصلة العمل دون التأثير على وقت المرضى قام باستئجار شقة في منطقة البحر الأعظم قريبة من التأمين الصحي والعيادة وحولها إلى ورشة عمل بها منذ 2016 إلى أن خرج الجهاز للنور فيقول: "هنا في هذه الشقة التي اتخذتها مقرًا لأبحاثي أعيش بالفعل وأجد متعتي وسعادتي بين شغف كلية العلوم الذي صاحبني كل هذه السنين وما قادني إليه من ابتكار بين يدي الآن".

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين

 

اللحظة الفارقة
يقول الطبيب المخترع كانت اللحظة الفارقة في هذه المسيرة يوم أن ذهب إلى وزارة البحث العلمي في 2017 لتسجيل الجهاز كاختراع: "قمت بتشغبله على سبيل التجربة وفي هذه اللحظة شعرت بالقيمة عندما تحول العلم إلى واقع".

قصة دخول مجال الميكانيكا
لم يقتصر دور الطبيب على التفاعل الكيميائي الذي يجري داخل الجهاز لإنتاج غاز الهيدروجين فحسب؛ وإنما امتد ليكون مسئولًا عن الجزء الميكانيكي فيقول: "الجهاز فيه شق كيميائي وشق ميكانيكي كنت أقوم بهم بنفسي عندي وقت فراغ وماليش في السينما ولا القهوة ولا حتي التليفزيون".

لحظات صعبة

طريق النجاح ليس ممهدًا ودائمًا ما يكون مليئًا بالصعوبات وتلك اللحظات تكون قاسية ويقول عنها الطبيب: "كتير مرت عليا لحظات صعبة وأنا بشتغل في الجهاز زي مثلا  عاوز أعمل صمام معين أو تركيبة أو وصلة معينة أو تانك بشكل معين كل ده بيحتاج تفكير كتير وتجارب علشان أوصل للنتيجة" مؤكدًا رغم تجاوزه السبعين إلا أن اليأس لم يزره أبدًا فهو أمام فكرة ناجحة ومعلومات قيمة يرغب بقوة في أن ينفع بها الناس.

عرض مغري

يقول الطبيب إنه تلقى عرضًا من إحدى الشركات الأجنبية بتمويل الجهاز بمبلغ 100 مليون جنيه وإنشاء 3 مصانع في الصعيد والإسكندرية والقاهرة لإنتاج طرز مختلفة منه لكن لم يكتمل المشروع بسبب رغبة الشركة في احتكار إنتاجه في العالم دون حقوق له.
 

أول جهاز في مصر والعالم العربي
هل الجهاز له مثيل في دول أخرى؟ أجاب الدكتور عبد الستار: الجهاز هو اختراع مصري مائة في المائة، وإن كانت هناك أبحاث دولية تعتمد على نفس الفكرة إلا أنها لم تتحول إلى منتج يعتمد عليه ومن هنا تبرز أهمية الجهاز المصري الذي سيكون أول جهاز على مستوى العالم لو توافرت له عوامل النجاح.

جهاز آخر لإنتاج غاز الأوكسجين الطبي
لم تتوقف طموحات الدكتور عبدالستار العلمية عند هذا الحد بل امتدت لاختراع آخر عبارة عن جهاز مماثل لإنتاج غاز الأوكسجين الطبي خصوصا بعد أن زاد الطلب عليه مع جائحة كورونا لاسيما في غرف العناية المركزة وحاجة المرضى الضرورية لأجهزة التنفس مما تسبب في ارتفاع أسعارها حتى أن هناك أجهزة ايطالية وصل سعرها إلى حوالي 35 و40 ألف جنيه، ولكن الدكتور عبدالستار يمكنه إنتاج الأوكسجين بواسطة الجهاز وبتكلفة بسيطة.

طبيب يخترع جهازا نادرا يعمل بالماء لصهر ولحام المعادن وآخر للأوكسجين


مشهد واقعي لآلام جارية
وحول كيفية إنتاج الأوكسجين الطبي قال: سيتم عن طريق الماء والكهرباء في جهاز أصغر من جحم التليفزيون وأذكر هنا مشهدًا توقفت عنده كثيرًا أثناء الموجة الثانية لفيروس كورونا عندما ذهبت لشارع قصر العيني "مجمع المستلزمات الطبية" لإجراء تحقيق حول اختفاء أسطوانات الأكسجين الطبي من الأسواق والتقيت حينها أجهزة لإنتاج الغاز تعمل بواسطة الكهرباء وتساءلت لماذا لا يشتريها المريض بدلا عن الأسطوانات وقد ينتهي عمر الإسطوانة بعد نفاد الكمية على عكس هذا الجهاز الذي يظل ينتج الأكسجين الطبي مادامت الفيشة موصولة بالكهرباء، فكان رد التاجر أن الجهاز فوق طاقة المريض لأن سعره يتجاوز الثلاثين ألف جنيه.

يمكننا وقف نزيف آلام كورونا التنفسية
يستكمل الطبيب المخترع حديثه لبوابة الأهرام فيقول رأيت جهاز إيطالي سعره 35 ألف جنيه، ويمكننا تصنيع هذا الجهاز لإنتاج الأكسجين الطبي بأسعار رخيصة جدًا؛ حيث لن يتجاوز العشرة آلاف جنيه.. وأضاف: لدينا الفكرة والابتكار وتمت تجربتها، ولكن ينقصنا الإمكانات المادية والمكانية للبدء فورًا في الإنتاج.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة