ذاكرة التاريخ

في ذكرى إعدام "طومان باي".. كيف ساهمت الخيانة ومدافع الأتراك في هزيمة السلطان الشجاع؟

13-4-2021 | 15:13

طومان باي من خلال لوحات المستشرقين

أحمد عادل

رغم أنه تحمل وحده عبء سقوط الدولة التي حكمت البلاد والعباد طيلة 275 عاما، ورغم أن سلطنته كانت مغرما عليه لا مغنما، لكن السلطان الأشرف طومان باى كان الوحيد من بين سائر سلاطين المماليك، الذي استطاع أن يكسب ود عامة القاهرة وأهل المحروسة، وحفر اسمه بين الملوك الذين أشدت فيهم السير والحكايات كالظاهر بيبرس، وتنبع عظمته في بساطته وعدله وقربه من الناس خلال فترة سلطنته القصيرة التي بلغت ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوماً.


سلك طومان باى مسلك المماليك، فحمل صغيرا وبيع فى مصر، وقيل بل جلبه عمه قنصوة الغورى وتربى فى كنفه، ثم ترقى كسائر أقرانه من المماليك فتولى إمرة عشرة، (أى يأتمر بأوامره عشره من الجنود)، ثم عُين أمير طبلخانة (وهى الدار التي تُدق فيها طبول الحرب) في الاحتفالات أو عند خروج التجريدات لمحاربة الثوار المارقين على الدولة)، ثم اختصاصه بعدة وظائف هامة جدا في عهد عمه الغوري فقد أصبح أمير جمدار، وهو (المسئول عن زى السلطان)، ثم توليه الإشراف على الشراب خانه، الخاصة بمقتنيات السلطان من كؤوس فضية وذهبية، وما يُقدم فيها من شراب وأدوية، وتلك الوطيفتان كانت من بين أهم الوظائف فى العصر المملوكى، حيث كان الغوري يخشى من أن تمتد إليه يد الغدر فيتم تسميمه عبر الشراب أو الزى، ولذا عهد بهذا الأمر لابن أخيه، ثم تولى طومان باى مسئولية شاد القصور السلطانية، حيث كان يشرف على بناء القصور والأبنية السلطانية، وفى مقدمتها بالطبع مجموعة السلطان الغوري (قبة الغورى ومسجده وقيساريته) بمنطقة الغورية، وهى درة خالدة من درر العمارة الإسلامية، وواحدة من أفخم روائع حضارتنا الإسلامية فيما يتصل بطراز العمائر الدينية والمدنية.

ومن وظائف طومان باى أيضا وظيفة كاشف الكشاف، وهو المسئول عن ملف الري والأراضي الزراعية فى مصر، ومنصب الدوادار، وهو حامل آنية الحبر السلطانية، الذي يكتب للسلطان ويمهر الخطابات بتوقيعاته، وصولا إلى منصب نائب السلطان.

وما أن سقط السلطان قنصوة الغوري صريعا في موقعة مرج دابق في 25 رجب سنة 923هـ/ 24 أغسطس 1516م أمام جيوش العثمانيين بقيادة السلطان العثمانى سليم الأول، حتى بايعه أمراء المماليك وعامة القاهرة، فأبطل المظالم، وحاول أن يطور الأسلحة باقتناء المدافع، لكن حظه العسر أدى إلى غرق عدة مراكب محملة بالسلاح والمدافع قادمة من الهند، كان قد طلبها الغوري قبل توجهه إلى مرج دابق، وبالتالى فإن إمكاناته في الدفاع عن القاهرة كانت محدودة، لكنه نجح في إشعال المقاومة الشعبية، حتى أنه كان يخطب بإسمه على منابرها رغم دخول قوات سليم إلى القاهرة، وقال عنه مؤرخ عصره ابن إياس: " وكان هذا السلطان له عزم شديد في عمل العجلات والبندق الرصاص، وكانت له همة عالية ومقصد نبيل"، لكن سوء حظه وقف حجر عثرة فى طريقه، وفى ذلك يقول ابن إياس: "وسئ الحظ ليس له دواء.. ولو كان المسيح له طبيبا".

هُزم جيش طومان باى أمام سليم الأول فى موقعة وردان بالجيزة، وقد كتب طومان باى إلى سليم قائلاً، وفق ما أورد ابن إياس:"إن كنت تروم الخطة والسكة باسمك، وأكون نائباً عنك بمصر، وأحمل إليك خراج مصر حسبما يقع الاتفاق عليه بيننا من المال الذي أحمله إليك فى كل سنة، فارحل عن مصر أنت وعسكرك، وصُن دماء المسلمين بيننا، ولا تدخل في خطيئة أهل مصر من كبار وصغار وشيخ ونساء، وإن كنت ما ترضى بذلك أخرج ولاقني فى بر الجيزة، ويعطى النصر لمن يشاء".

ثم هُزم طومان باي في معركة الريدانية (العباسية حالياً)، لأن جيشه كان يواجه جيش سليم بالسيوف وبصدر عار أمام مدافع وبنادق متقدمة، حتى قال المؤرخ أحمد بن زنبل:"لولا النار التي مع السلطان سليم ما غلب المماليك فى الحرب ولامرة"، لكن البنادق ساوت بين الشجاع والجبان.

وبعد موقعة الريدانية، هرب طومان باى إلى سخا واستنجد بشيخ عربانها حسن بن مرعى، وكان ابن مرعى من أعز أصدقاء السلطان، وله عليه غاية الفضل والمساعدة من أيام الغوري، وقام بما عليه من المال مرارا، فلم يذكر له من هذه الأخلاق شيئا ولا أثمر فيه الخير، فسلمه إلى السلطان سليم، وكان طومان باى مرتديا لبس العرب من الهوارة، وليس في زى المماليك ، وراح طومان باى ضحية الخيانة.

حُمل السلطان الغوري أسيرا يرسف فى أغلاله إلى سليم الأول، لكنه كان مرفوع الرأس يرسف، فقال بحسي شهادة ابن إياس:"إن الأنفس التي تربت في العز لا تقبل الذل، والأسد لا يخضع للذئب، ولستم بأفرس منا ولا أشجع، وليس فى جندك من يقايسني فى حومة الوغى"، وتملك الإعجاب بطومان باى من نفس سليم ، وقال:" والله لا يُقتل مثل هذا الرجل"، وكاد أن يعفو عنه، وظل سجينا لدية لمدة سبعة عشر يومًا، حتى إن طومان باى حين ساقوه إلى الإعدام لم يكن يعلم بذلك، لكن بعض المماليك الخونة مثل خاير بك، وجان بردى الغزالي حرضوا سليم على قتله.

وقد أورد ابن إياس فى موسوعته "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" مشهد إعدام السلطان طومان باى، فقال:"طلع طومان باى القاهرة فطلع من سوق مرجوش(أقصى شارع المعز من ناحية الجمالية) وشق القاهرة، وجعل يُسلم على الناس، حتى وصل إلى باب زويلة(عند مسجد المؤيد شيخ في أقصى الغورية حالياً)، وهو لا يدرى ما يُفعل به، فلما أتوا إلى باب زويلة، أنزلوه عن فرسه، وأرخوا له الحبال، ووقفت حوله العثمانية بالسيوف مسلولة، فلما تحقق أنه يُشنق وقف على أقدامه على باب زويلة، وقال للناس الذين حوله: اقرأوا الفاتحة ثلاث مرات، وقرأت الناس معه، ثم قال للمشاعلى(من يقوم بقطع الرؤوس أو تنفيذ الإعدام): اعمل شغلك، فلما وضعوا الخية فى رقبته، ورفعوا الحبل، انقطع به فسقط على عتبة باب زويلة، وقيل انقطع به الحبل مرتين، وهو يقع على الأرض ثم يعلقونه وهو مكشوف الرأس، فلما شُنق صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، فإنه كان شابا حسن الشكل، كريم الأخلاق، سنه نحو أربع وأربعين سنة، وكان شجاعا بطلا تصدى لقتال ابن عثمان، وثبت وقت الحرب بنفسه، وقتل منهم ما لايحصى"، وظل طومان باى معلقاً ثلاثة أيام على باب زويلة حتى فاحت رائحته، فأمر سليم بأن يغسل ويكفن، وأمر بثلاثة آلاف دينار تفرق عليه، وأحضروا له تابوتا، ووضعوه فيه، وتوجهوا به إلى مدرسة السلطان الغوري عمه فدفنوه.

ومن عجائب الأقدار أن الغوري الذي كان يلهب جيوب المصريين بالضرائب بنى مدرسته ومسجده ومقبرته وأنفق عيها مائة ألف دينار قطعت رأسه، ولا يعلم أين ألقيت في أحراش حلب، فدُفن فيها طومان باى العادل الذي رفض فرض الضرائب وقت الحرب.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة