ثقافة وفنون

المتواضع يحيى حقي.. أشجان عضو منتسب

20-3-2021 | 22:40

يحيى حقي

مصطفى عبادة

"مطلوب منى أن أكتب هنا سيرتى الذاتية. التحدث عن النفس!.. يا له من لذة ساحرة، تواضعها زائف... يا له من ملل فظيع، يستحب معه الانتحار.. أغلب أحاديثنا - بعد كلمتين ليس غير - تتحول من الموضوع - أيا كان - إلى الذات: الشكوي أو الافتخار، لكنى أحسب أنهما ينبعان من نزعة واحدة متكتمة: استجداء تبرير الوجود".


سيرة الشخص تعرفها من خلاله، من خلال ما يكتبه عن نفسه، إذا أحس أنه ذات لديها ما تقوله، وكل ذات لديها ما تقوله، لكن طريقة القول وكيفيته، هى الفيصل والحكم بين سيرة عظيمة، وبين حكاية تتكرر ملايين المرات بعدد أنفاس البشر، وسيرة الشخص أيضا تعرفها من خلال آخرين يعرفونه، عاشروه بعد أن عاصروه، احتكوا به، وترك فيهم أثرا، وليس غير يحيى حقى من حاز إجماع كل معاصريه، على جديته ودأبه وإصراره وتواضعه ومواقفه الثقافية وإنصافه للناس وتقدير جهدهم، وعدم انفراده بالقرار دونهم، حتى إنه حين اعترض البعض على زى الراقصات فى مصر، جمعهن ليسترشد برأيهن فى قرار سوف يؤخذ يخص ذلك الزى، والحكاية كما يرويها يوسف السباعى، فى عدد يناير عام 1975 من مجلة الثقافة، حين يقول: «ومن أعجب المواقف التى شهدت يحيى حقى فيها، جلسة مع راقصات مصر، ولست أدرى لماذا لم يسجلها - حتى الآن - بقلمه الساخر اللاذع، لكنها على كل حال جلسة غريبة، لا أزال أضحك من قلبى كلما تذكرتها، والقصة تبدأ عندما قررت السلطة، أنه لا داعى لبدلة الرقص العارية، خصوصا بعد أن بدأت الدولة ترعى الآداب والفنون، وأصبحت الراقصة فنانة شعبية تمثل الدولة، فى المهرجانات والمؤتمرات، وقد أدت إحدى الراقصات دورها ببدلة كاملة.

ولم ينقص ذلك من قيمة الرقص، وتقرر إلغاء بدلة الرقص العارية، وكان على الأستاذ يحيى حقى أن يصدر القرار كمدير لمصلحة الفنون، لكن لم يلجأ للتعليمات، وجمع حشدا من راقصات مصر فى مؤتمر عام، وراح يناقشهن ويحاورهن ويقنعهن، وعلت الأصوات واحتدم النقاش، واختلط الجدل بالصراخ والصياح، ويحيى حقى بصوته الهادئ الودود، يناقش ويحاور ويسوق الحجج، ويوجه الحديث للست فلانة، ويرد على الست فلانة، والجلسة لا تنتهى والنقاش يزداد حدة واختلاطا حتى رجوته أن يصدر القرار ويخلصنا من كل هذا، لكنه لفرط رقته وكرهه للتعليمات، ونفوره من القرارات، أبى إلا أن يستمر النقاش حتى يقنع الجميع، وأثبت بذلك أنه فنان حقيقى».

على أى حال، هذه صورة ليحيى حقى، كما رآه أحد معاصريه، وهناك صور كثيرة كتبها سامى فريد، وعبد الله خيرت، وفتحى رضوان، لكن يحيى حقى نفسه كتب سيرته فى أكثر من كتاب منها: "أشجان عضو منتسب"، التى نشرت مع قنديل أم هاشم، وقصص أخرى فى كتاب واحد، بعد أن نشرت بعنوان آخر هو «تجربتى فى الأدب والحياة» فى مجلة الثقافة عدد يناير 1975 المشار إليه فى أول الموضوع، ضمن عدد مخصص بالكامل ليحيى حقى.

كما يمكن اعتبار كتاب "كناسة الدكان" سيرة ذاتية، وكذلك "خليها على الله"، ففيهما يحكى رحلته من معاون نيابة فى أسيوط، فى "خليها على الله" ورحلته مع الدبلوماسية فى أكثر من كتاب مثل "الكناسة "، وحقيبة فى يد مسافر.. ورحلات أخرى"، و"دمعة فابتسامة"، و"فكرة فابتسامة"، حتى كتاب "من باب العشم"، وهو صور قلمية يرصد مشاهد من الحياة المصرية، يمكن اعتباره، أو اعتبار أجزاء منه، سيرة تخص يحيى حقى، وإلا أين يمكن أن نضع مقالات مثل" الذين يأكلون وحدهم، أو "الشعور بالنفى"؟ ومرد هذا فى رأيى أن يحيى حقى وقع فيما حذر منه، وهو أن الحديث عنه، مثل باقى المصريين، بعد كلمتين ليس غير، ينصرف من الموضوع إلى الذات، مع أنها لذة تواضعها زائف، وأمر يصيب بالملل الفظيع الذى يستحب معه الانتحار، غير أن يحيى حقى، يضرب المثل بنفسه، حين يتحدث عن أى أمر موضوعى، ويطبق على نفسه، ويؤكد خبرته الذاتية التى تعطى الموضوع واقعيته، حتى لو وصل الأمر إلى حد الاعتراف.

ففى كتاب دمعة فابتسامة موضوع بعنوان : "ناتاشا أو كيف شفيت من الأدب الروسى" يروى حقى، كيف أنه أصر على الذهاب مع صديقه الذى يعيش مع امرأة روسية دون زواج ليرى شكل بنات الليل اللاتى قرأ عنهن فى الأدب الروسى: "كل بنات الهوى فى الأدب الروسى أعرفهن واحدة واحدة، "سونيا" فى قصة الجريمة والعقاب، و"ألما سلوفا" فى قصة "البعث"، و..... أنا كارنينا، سأظل أحبها ولو أنها طلعت على جثتى البلا.. ساعة الصفاء هى حين نتحاضن لنبكى على مصير الإنسان، والمهم أن يحيى حقى طلب من صديقه أن يذهب معه ليرى عشيقته الروسية، ويروى الأمر فيما يشبه المأساة قائلا: من أجل ناتاشا قبلت أن أكون ثقيل الدم، أقول لدودة العلق يا أختى، ولعله من شدة سكره لم يأبه أن أنصرف، أو أن أدخل ففتح الباب بمشقة وسرت وراءه، وهممت أن أطلع السلم، فإذا به يقول: كلا.. إنى أسكن فى البدروم.

 وأخيرا رأى يحيى حقى ناتاشا: سيدة ولى عنها الشباب منذ أمد طويل، بدينة لها شارب خفيف فوق شفتها العليا، شعرها منكوش وعيونها محمرة منتوفة، نزل فوق رأسى دش بارد، فتهالكت على مقعد مترب، وشملتنى رائحة هى خليط من العرق والبخر والتقلية، إنها تنام وتطبخ، وتأكل وتشرب فى هذه الحجرة الوحيدة، وحين رأيتها تسدل ملاية السرير على جانبه، لئلا أرى القصرية تحته أدركت بقية معانى الرائحة"، ففررت من المقعد وهربت، ولما خرجت إلى الشارع الرئيسى ندت منى تنهيدة عميقة كأنما انزاح عن صدرى حمل ثقيل.. كانت هى علامة شفائى الأكيد من هوس الأدب الروسى، ومن عشق ناتاشا.

هذا هو يحيى حقى، واحد من مربع ذهبى فى الثقافة المصرية، مع طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ، يستحقون نوبل، وشكلوا وجدان المصريين والعرب فى القرن العشرين، وأكثر من عبر ولخص الروح المصرية، وهو مع ذلك يطلق على نفسه لقب "عضو منتسب".

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة