آراء

قراءة عابرة في ملف المفاوضات الأفغانية المتعثرة

15-3-2021 | 09:51

الآن.. وفيما يجري ترتيب المسرح لبدء مفاوضات جديدة، في روسيا أو في تركيا، لوضع خريطة طريق جديدة لإحلال السلام في أفغانستان، ترى ما الموقف الفعلي للأطراف الدولية، وفي ساحة المعركة؟ وما السيناريوهات المتوقعة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، أود أن أنوه إلى الملاحظات العشر التالية:

- يلاحظ إصرار إدارة الرئيس جو بايدن على إنهاء الملف الأفغاني بطريقة ما، كما تعهدت الإدارة السابقة، وفقًا لخطة الدوحة الموقعة العام الماضي، بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، بحلول شهر مايو المقبل، ويبدو أنهم ملتزمون بهذا التوقيت، برغم تحفظ الحلفاء في الناتو وعدم ارتياحهم لهذا القرار، بدعوى أن الانسحاب يجب أن يكون واقعيًا، ومنسجمًا مع التطورات في ساحة المعركة، وتكون هناك هدنة ميدانية وفعلية بين المتحاربين.

- في ضوء التناقض بين موقفي الإدارة الأمريكية وحلفائها، يلاحظ أن الحكومة الأفغانية، قريبة من موقف الناتو، وقد أصدرت العديد من التحذيرات حتى يجري انسحاب القوات الأجنبية بعقلانية، وحتى لا تتكرر المآسي التي ترتبت على انسحاب القوات السوفيتية في آخر الثمانينيات.

في ذلك الوقت، لم يكن الاتحاد السوفيتي قادرًا على دعم حكومة أفغانية قوية على كامل التراب الأفغاني، إلا أن الوضع الحالي للولايات المتحدة ولحلفائها مختلف، وليسوا مرغمين، ولا تواجههم أوضاع مماثلة لانهيار الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى أن تكلفة الحرب الأهلية الحالية في أفغانستان، يدفع فاتورتها الشعب الأفغاني، ماديًا وبشريًا، فيما يقدم الحلفاء - نسبيًا - الدعم اللوجيستي للجيش الأفغاني، فقط.

- يلاحظ أن الولايات المتحدة، التي باتت تشعر بالضجر والاستياء من طول انخراطها في الحرب الأهلية في أفغانستان على مدى عقدين، قررت بشكل متسرع سحب قواتها، لكن إنهاء الملف لن يعني إنهاء الحضور الأمريكي والانسحاب الكامل من الساحة الأفغانية، في ضوء موقع أفغانستان الإستراتيجي المهم، على المديين المتوسط والبعيد، وموازنة القوى، فمن يتوافر له الحضور على الأرض في أفغانستان، سيصبح له وزن أكبر.

ومن هنا تسعى الإدارة الأمريكية إلى تغيير مسار وجودها في أفغانستان، وبدلًا من الطابع العسكري، يصبح الحضور سياسيًا وتنمويًا واستخباراتيًا، مما يستدعي إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في أفغانستان، ومن لوازمها، وفقًا لإصرار الرؤية الأمريكية الجديدة، تكوين إدارة أفغانية جديدة، تشارك فيها كل الأطياف، بما فيها الحكومة الحالية وحركة طالبان والأقليات العرقية، والأحزاب السياسية المهمشة، تحت مظلة قومية شاملة ترضي جميع الأطراف السياسية.

- حركة طالبان تبدو غير مرتاحة لتكوين حكومة شاملة، وتكون الحركة إحدى تشكيلاتها، لأن لديها الرغبة للشمولية وللسيطرة على مقاليد حكم أفغانستان، وليست مستعدة لتقبل الجهات الأخرى إلا بشكل رمزي، بالضبط كما كان عليه الوضع إبان حكم إمارة أفغانستان الإسلامية، في أواخر عقد التسعينيات، فالحركة لم تدخل في تشكيلها، في ذلك الوقت، حزب حكمتيار القريب منهم عرقيًا وأيديولوجيًا.

لأن الوضع يبدو مختلفًا على أرض الواقع حاليًا، مقارنة بأواخر التسعينيات في أفغانستان، سواء من حيث عدد السكان، أو الأجيال التي نشأت في مناخ مدني- ديمقراطي، إلى حد ما خلال العقدين الأخيرين، ومستوى التعليم بانضمام الملايين من الطالبات والدارسين الأفغان للمدارس والجامعات، فربما أدركت حركة طالبان هذا التغيير، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، لذلك فهي تطرح بشكل إجمالي تقبلها - الظاهري والشكلي - للحكومة الشاملة مع استمرار سيطرتها.

- هذا الموقف الغائم والغامض لحركة طالبان، يربك أجندات اللاعبين الآخرين على الساحة الأفغانية، الحكومة والأمريكان والحلفاء والأحزاب السياسية الأخرى، فكل طرف يرغب في العبور من الوضع الحالي في أفغانستان، وفتح صفحة جديدة بتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، وغير معروف حتى الآن من سيكون الفائز الأكبر في المفاوضات، وإن كانت هناك قوتان فعليتان على الأرض: الحكومة بجيشها وشرطتها، وحركة طالبان بميليشياتها العسكرية، وتظل الولايات المتحدة صاحبة الصوت المسموع من الطرفين، بحكم وجودها العسكري الداعم للجيش الأفغاني، وبحكم صلاتها بالجيش الباكستاني والأطراف السياسية الخارجية، وفي مقدمتها، روسيا والصين وإيران، التي تسعى للتقليل من الدور والوجود الأمريكيين في أفغانستان.

- الحكومة الأفغانية تصر على أن أي عبور للمرحلة الراهنة، نحو إدارة انتقالية مقبلة، يجب أن يجري من خلال آلية ديمقراطية بالانتخابات، هذا مطلب شعبي يلتف حوله معظم الأفغان، حتى من جانب أحزاب المعارضة الأخرى غير طالبان، حتى لا تعود حكومة دينية استبدادية.

- عمليًا، لا تعترف حركة طالبان بالانتخابات، وتعدها تخليًا عن مبادئها الأيديولوجية، وتنازلًا عن إقامة الإمارة الإسلامية، وضياعًا للكثير من الشعارات التي رفعوها وقتلوا الأبرياء بسببها، وحفزوا ميليشياتهم للقتال من أجلها، لذلك فهم لا يتقبلون مبدأ الانتخابات بسهولة، وتلك عقبة أساسية مغايرة تمامًا لموقف الحكومة.

- أغلب الظن أن الولايات المتحدة وحلفاءها والوسطاء الآخرين، قد يحاولون طرح بدائل، ووقف الشروط التعجيزية لمفاوضات المرحلة المقبلة بين الطرفين، كأن تتنازل الحكومة، مثلًا، عن إصرارها على إجراء انتخابات، بشرط أن تحصل على مكاسب ثانية، كالاحتفاظ بالدستور مع تعديلات طفيفة، والاستماع إلى صوتها في ترتيب الأوضاع الجديدة.

- اللاعبون الآخرون على الساحة الأفغانية، مثل إيران والهند وروسيا والصين والسعودية وغيرهم، في حالة مشاركتهم الناشطة والفاعلة في المفاوضات المقبلة، من الممكن التوصل إلى توافق، وفي تلك الحالة، قد ترضخ طالبان، والداعمون لها في باكستان، للحلول الوسط، في ضوء أن الدول الكبرى، غير مرحبة بإعادة إنتاج دولة الإمارة الإسلامية، كما كان الوضع سابقًا.

- تبقي الإشارة إلى قضية الوقت، فليس من المتصور حصر زمن عملية التفاوض بأشهر معدودات، لأن الملف الأفغاني معقد جدًا، ومن المقبول أن تبدأ هدنة على الأرض بين المتحاربين، تسهل الغرض من التفاوض، وبعد الاتفاق على الإطار العام، يجري الدخول في التفاصيل، التي من الممكن أن تستغرق أكثر من عام، وفي الوقت نفسه، يجري تشكيل إدارة محايدة لشئون البلاد، وإذا أوقفت طالبان الحرب، فسوف تختلف الأمور على الأرض تمامًا، وتخرج أفغانستان من أزمتها المستفحلة، وتفتح صفحة جديدة من السلام.

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
كمال جاب الله يكتب: حمى تايوان تنتقل لـ قمة تقسيم العالم

من يتابع عن قرب تغطية وسائل الإعلام العالمية، يمكن أن تتسرب إلى مخيلته مشاعر مرعبة، بأن حربًا عالمية على وشك الوقوع، بين جانبي مضيق تايوان، وهو ما أستطيع

كمال جاب الله يكتب: اقتصاد اليابان ينكمش .. وفي مفترق طرق

أستكمل ما بدأته الأسبوع الماضي بخصوص المهام الشاقة، التي تواجه حكومة اليابان، لإنعاش الاقتصاد، باتباع شكل جديد للرأسمالية ، وحقن السوق - سريعًا - بما

كمال جاب الله يكتب: رأسمالية جديدة في اليابان بقيادة كيشيدا

بحكم توليه رئاسة مجلس الأبحاث، لأطول مدة في تاريخ الحزب الليبرالي الحاكم باليابان، يواجه الزعيم كيشيدا فوميو، الذي شكل حكومته الثانية يوم الأربعاء الماضي،

كمال جاب الله يكتب: وسام ياباني صادف أهله من المصريين

بعد أيام قليلة، سوف يصل للقاهرة رئيس جديد لبعثة اليابان الرسمية، هو السفير أوكاهيروشي، خلفًا للحالي، ماساكي نوكي، الذي امتدت مهمته في مصر إلى أكثر من 3

كمال جاب الله يكتب: سفيرة كوبا .. وممثل الكيان .. وسلة القمامة

انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي والميديا العالمية، بحركة مسرحية هزلية، قام بها ممثل للكيان الصهيوني، على منبر الأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، عندما مزق،

كمال جاب الله يكتب: ليكن درس أفغانستان عبرة لـ حكام تايوان

في أثناء زياراتي الأربعة لـ تايوان (2005-2011-2013-2014)، كنت أردد أمام المواطنين الصينيين هناك: المتغطي بـ أمريكا عريان ، لتحذيرهم من التهور، بحجة حماية

كمال جاب الله يكتب: ورقة تايوان لعب بالنار .. لماذا؟

في مقالي يوم الإثنين الماضي، ذكرت أن عودة تايوان للصين، سلميًا، هي مسألة وقت، وأمرها محسوم، بالأرقام والمنطق، وبالتاريخ والجغرافيا، إن عاجلا أو أجلا.

كمال جاب الله يكتب: هل تعود تايوان للصين قبل 2025 سلميًا؟

فرضت المشكلة التايوانية نفسها، بقوة، على خريطة الاهتمامات الدولية، خلال الأيام القليلة الماضية، وبات تاريخ عودة الجزيرة لأحضان الوطن الأم مسألة وقت.

"ديك اليابان" يفوز بحكمها

بات في حكم المؤكد أن يصوت البرلمان الياباني اليوم على تعيين السيد كيشيدا فوميو رئيسا للحكومة، عقب فوزه بزعامة الحزب الحاكم، وتتعلق الأنظار على ما سوف تسفر

كمال جاب الله يكتب: هل يفوز "الصديق كونو" بحكم اليابان؟

بعد يومين، وبالتحديد بعد غد الأربعاء 29 سبتمبر، سوف يختار الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان رئيسا جديدا له، من بين 4 مرشحين، يتقدمهم في سباق

كمال جاب الله يكتب: "تعظيم سلام" للمرأة الأفغانية

هذا العنوان كتبته نصًا على رأس موضوع مطول، تضمنه كتابي بردًا وسلامًا على أفغانستان ، الصادر في يوم 30 يونيو من العام الماضي.

كمال جاب الله يكتب: تهانينا لـ سايجون.. تعازينا لـ كابول

الأسبوع الماضي، كتبت عن الفرق بين سقوط كابول الكارثي، في أيدي الحكم الديني المتطرف، وبين تحرير سايجون البطولي، من الاحتلال الأمريكي البغيض.

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة