آراء

بورسعيد عاصمة للثقافة .. ولكن

9-3-2021 | 23:55
Advertisements

خلال الأيام القليلة الماضية، جرى على أرض بورسعيد الباسلة، احتفال باختيار المحافظة، لتكون عاصمة للثقافة المصرية لعام 2021.

الاحتفال جيد، وشيء رائع حقًا أن يتم تكريم الرموز البورسعيدية، لكن هل نحن فعلًا نحتفل ببورسعيد كعاصمة للثقافة المصرية؟!

الإجابة ببساطة أن الاحتفالات ليست الثقافة التى ينشدها مجتمعنا المصري، الحفلات الغنائية جزء من التعبير الكرنفالى عن الحدث، لكنها لا تمثل شيئًا للوجه الثقافى لمصر.. أو لبورسعيد التى نحتفل بها كعاصمة للثقافة!.

قد أكون واحدًا من بين الذين عاصروا بعضًا من العصر الذهبى للثقافة فى بورسعيد، وكابن من أبنائها، تأثرت بأجيال تركت بصمات واضحة فى الوجدان البورسعيدي، وأماكن وروافد ثقافية، كان لها أبلغ التأثير فى صياغة ملامح هذه المدينة التى حفرت اسمها فى تاريخ النضال على مستوى العالم، كواحدة من المدن التى صنع شعبها أمجد معارك التاريخ فى مقاومة المحتل.

هذه العناصر، كانت الأساس فى تكوين الشخصية البورسعيدية التى نشأت مستمدة من عبقرية الزمان والمكان لهذه المدينة وموقعها العبقري، فقبل عام 1869 لم تكن لمنطقة القنال«القناة» ملامح محددة، فما أن التقت مياه البحرين الأحمر والمتوسط فى هذا التاريخ، حتى تدفقت الدماء فى عروق المنطقة الوليدة، التى كانت قبل هذا التوقيت بسنوات قليلة محطًا للبدو أو الهاربين من يد العدالة.

بدأت فى هذا التاريخ تظهر ملامح المدن الثلاث بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، ودبت الحركة فى أرجائها، وساعد فى نموها سريعًا متطلبات المستعمر، الذى كان يسعى لتكوين قاعدة خدمية متكاملة تخدم سفنه العابرة للقناة وجنوده وقواعده الموجودة على ضفة القناة.

ورغم حداثة هذه المدن إلا أنها استطاعت أن تشكل شخصياتها سريعًا، فأغلب سكانها كانوا من أبناء الصعيد الذين جاءت بهم السلطات لإتمام عمليات حفر القناة، والذين تفوقوا بعد الحفر فى عمليات الشحن والتفريغ للسفن العابرة للقناة، وأصبح أبناء الصعيد علامة رئيسية للشكل السكانى للمنطقة.

كانت بورسعيد هى الأوفر حظًا من حيث النمو العمرانى والحضاري، وساهم اختلاط الحضارات والثقافات مع دول حوض البحر المتوسط فى تكوين شخصيتها الحضارية، التى تطورت سريعًا جامعة بين ثقافة الغرب وتقاليد الشرق على اعتبار أن غالبية السكان كانوا من أصول تمتد إلى صعيد مصر أو بقايا البدو القادمين من الجزيرة العربية.

من هنا نشأت الثقافة البورسعيدية المتفتحة على ثقافة البحر المتوسط، والجامعة للعادات والتقاليد المصرية، خاصة لأبناء الصعيد، فظهرت الشخصية القابلة للآخر، وانعكس ذلك على روافد ثقافية مهمة فظهرت دور العرض السينمائى والمسارح الكبري، التى فاقت فى عددها تعداد أبناء المدينة الوليدة، وتنوعت النوادى الخادمة لمختلف الجاليات وخاصة اليونانية والإيطالية.

كل ذلك دفع الوطنيين من أبناء المدينة لإنشاء فرق مسرحية مصرية، حتى أن كل مدارس بورسعيد القديمة تقريبًا، كان بداخلها مكان للعرض المسرحي، وأنُشئت الفرقة القومية ببورسعيد؛ كأحد روافد المسرح القومي.

أذكر أننى التقيت الكاتب والأديب الكبير ألفريد فرج لأول مرة فى حياتى داخل نادى المسرح ببورسعيد، الذى كان عنوانًا للحراك الثقافي، فالثقافة الحقيقية أن نقتحم مشكلات المجتمع، ونحاول أن نغير منها، أن نعرض نماذج من ثقافة الأقاليم، وأن نكتشف المواهب وندعمها وندفعها، تلك هى المهمة الحقيقية للثقافة، وليست الاحتفالات.

ونحن نحتفل بمئوية ميلاد الدكتور ثروت عكاشة، لابد وأن نستلهم تجربته التاريخية الرائدة فى الثقافة الجماهيرية.

فى بورسعيد قصر ثقافة تم تأسيسه فى دائرة المناخ، ليكون رافدًا ثقافيًا لعامة الشعب، إلى جانب مسرح بورسعيد الصيفي، الذى كان يقدم المتعة لشرائح مجتمعية أخري.

هذه الثقافة البورسعيدية هى التى قاومت العدوان، وصنعت محطات مهمة فى تاريخ مصر، هى التى أوقفت مد الإسلام السياسي، وأعلنت العصيان ضد جماعة الإخوان الفاشية.

أكثر ما أحزنني؛ هو حديث المثقفين من أبناء بورسعيد على مواقع التواصل الاجتماعي، عن تجاهلهم، أسماء مهمة فعلًا سقطت عن عمد أو جهل للأسف.. ولكنها لن تسقط من ذاكرة الثقافة المصرية..!.

نقلاً عن الأهرام المسائي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
شريف عارف يكتب: أغاني المهرجانات .. المنع وحده لايكفي

قلبي مع نقيب الموسيقيين الفنان الكبير هاني شاكر، في قرار مجلس نقابة المهن الموسيقية، بمنع عدد من المؤدين الشعبيين من العمل، والمعروفين بـ مغني المهرجانات

شريف عارف يكتب: تجديد "الخطاب الديني".. يبدأ من "المقاهي"

تابعت باهتمام الحملة، التي يقوم بها عدد من دعاة الأزهر الشريف، بالنزول إلى المقاهي والتحدث مع الناس، مما يسهم بشكل أو بآخر في قضية تجديد الخطاب الديني ، وهي من القضايا المهمة لمصر ومستقبلها الآن.

شريف عارف يكتب: "الشارقة للكتاب".. أمة تقرأ وتبدع

أعظم نتائج حرب أكتوبر المجيدة أنها وحدت العرب على كلمة واحدة وفعل واحد، ليس للانتصار على العدو، بقدر ماحققت انتصاراً أكبر على النفس. فقبل أكثر من خمسة

شريف عارف يكتب: " كنج مو".. إعادة هيكلة لأخلاق الرياضة

ربما كانت حكمة المولى عز وجل في أن يأتي الفرعون المصري ، من مصر العظيمة أصل الحضارات إلى قلب أوروبا وأقدم الإمبراطوريات، ليضرب المثل في مكارم الأخلاق،

شريف عارف يكتب: حديث الوعي في "مدينة الأشباح"

حديث فريد من نوعه دار مع اللواء عبد المجيد صقر محافظ السويس، على هامش الندوة التثقيفية، التي نظمتها جامعة السويس برئاسة الدكتور السيد الشرقاوي قبل أيام

شريف عارف يكتب: "حلاوة المولد" .. حلال شرعًا

لا ألوم دار الإفتاء المصرية، في إجابتها على السؤال الذي تناقلته وسائل الإعلام، خلال الأيام القليلة الماضية حول شرعية شراء وأكل حلوى المولد النبوي الشريف.

شريف عارف يكتب: سلامة الغذاء .. قضية أمن قومي

في اعتقادي أن تصريح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدم السماح بدخول أي منتجات رديئة أو منخفضة الجودة إلى مصر وفقًا للمعايير والموصفات العالمية، هو مقدمة

شريف عارف يكتب: "مسرح الهواة".. البداية من هنا

الهواية أصل الاحتراف، ولولا الهواة ما ظهرت الدراسات، ولما تأسست الأكاديميات التي تحول الممارسات إلى علم.. الفن الحقيقي، الذي يخرج من الشارع وإلى الشارع،

شريف عارف يكتب: ضحكات ناضجة .. وأفكار لن تموت

قالوا قديمًا إن الشعب المصري، هو شعب ابن نكتة ، ساخر بالفطرة من كل شيء، ويحول غضبه وأزماته إلى نكات ساخرة هذا هو السبب فى بقاء النكتة عمومًا والسياسية

شريف عارف يكتب: عن "سيرة بورسعيد" .. والحراك الثقافي

على مدى الأيام القليلة الماضية، تشرفت بالمشاركة في معرض بورسعيد الرابع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج على ضمن

شريف عارف يكتب: "ثقافة مصرية" بمواصفات عالمية

ملامح بسيطة من مشروع عظيم وعملاق، تلك التي بدت أثناء زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام إلى مقر مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية الجديدة.

شريف عارف يكتب: "دكاكين الفضائيات" .. وأخلاقيات التيك توك

قبل أيام ودعنا واحداً من جيل الرواد في العمل الإعلامي، وصوتاً إذاعياً فريداً، ارتبطنا به وبفكره في سنوات الحرب والسلام.. الإذاعي الكبير حمدي الكنيسي، كان

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة