ثقافة وفنون

"ورم في المخ" .. قصة قصيرة لـ"حسام الإمام"

9-3-2021 | 18:42

د. حسام الإمام

المدام عندها ورم في المخ.. أصعب عبارة في الدنيا يمكن أن يسمعها الرجل، كانت أقوى منه في تلقي هذا الخبر، رأته يبكي مرة وبكي بعيدًا عنها ألف مرة، نظر إليها وهي تدخل غرفة العمليات، التي لا يدري هل تخرج منها أم لا، ولم تر عيناه إلا تلك الفتاة الرقيقة التي أحبها عقله قبل أن يعشقها قلبه، أدرك عقله أنها الوحيدة التي يمكن أن تشاركه رحلته الشاقة التي اختارها لنفسه، وأنها تؤمن إلى أقصى حد بطموحه واجتهاده وتميزه، وعندما أحبها عقله عشقها قلبه بكل ما أوتي من قوة.

مرت الساعات ثقيلة وهي في غرفة العمليات، لم ير أحدًا ممن حوله، كان شريط الذكريات يمر أمام عينيه ليراها وهي تتحدى جميع الإغراءات وتقبل به زوجًا لها برغم ظروفه الصعبة، بل المستحيلة. 

لم يملك شيئًا يقدمه لها أو يعرضه على أبيها في أول لقاء سوى الصراحة المطلقة بكل مزاياه وعيوبه ووعد صادق ببذل كل ما يستطيع لتحيا معه في أمان وسعادة، وأصاب سهم صدقه عقل وقلب أسرتها، كما أصابها من قبل. 

وقفت إلى جانبه في كل شيء، كانت توفر كل قرش حتى لا تحمله فوق طاقته، صنعت فستان فرحها بنفسها وأبهرت الجميع، زارها قبل الزفاف فوجدها تصنع دعاوى الفرح بنفسها، حتى النجف اشترته وقامت بتركيبه بنفسها. 

وبعد الزواج عندما حاول أن يقيم مشروعًا خاصًا له ذهب إلى الشقة التي استأجرها فوجدها تكنس وتمسح وترتب حتى توفر له تكاليف العمال.

خرجت من غرفة العمليات بسلام، ومرت سنتان وهي في أحسن حال، ثم عاد ورم الغدة النخامية مرة أخرى ودخلت إلى غرفة العمليات للمرة الثانية، لم ينجحوا في استئصال الورم، وكان لابد من العمل على وقف نموه بالعلاج الإشعاعي الذي فعل بها ما فعل.

كانت حالتها تتدهور يومًا بعد يوم وهو ينظر إليها ويكتم دموعه، وينظر إلى أولاده ولا يدري ماذا يفعل إن تركتهم. 

كان يجلس تحت قدميها يخدمها ويخدم أولاده راجيًا الله أن يعينه على أن يوفيها جزءًا قليلًا من حقها، إن استطاع.

عندما وفقه الله في عمله، وكان يسافر لحضور مؤتمرات كان يأخذها معه، كان يريدها أن تشاركه كل لحظة نجاح، كما شاركته أصعب الأوقات. 

لم يكن ممن يجيدون ترديد كلمات الحب، لكنه حرص دائمًا على تنفيذ كل ما توجبه هذه الكلمة من احترام وتقدير ومحبة؛ حتى عندما تشاجرا في أحد الأيام وضربها، عاد إليها وطلب منها أن تسامحه ولم يستح أن يقبل قدميها.
عندما سافر للعمل بالخارج كانت زوجة قوية تحملت مسئولية تربية الأولاد والحفاظ على بيتها حتى رجع.

كان يثق فيها وفي آرائها وحكمتها إلى أقصى حد، ولم تخذله يومًا، وكان حريصًا على أن يشعرها بذلك، الزوجة التي يتطلب عمل زوجها الغياب كثيرًا عن المنزل والسفر المستمر، وتتمكن من تربية أولادها بشكل راق يشهد له الجميع، وتنهض بأسرتها دومًا، لا أقول تستحق بل أراه حقًا أصيلًا من حقوقها أن تشعر بذلك التقدير من زوجها. 

كل تلك القوة والصبر والحب يراها ترقد أمامه ولا يدري ما تخبئه الأيام له ولها، طلبت منه كثيرًا أن يكتب قصة عنها، حاول أكثر من مرة ولم يستطع، لكنه أخيرًا فعل حتى تعلم مكانتها في قلبه التي ربما لا يجيد لسانه التعبير عنها.

زوجتي الحبيبة هل أنتِ راضية عني؟

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة