شقيقه الأصغر السيد حافظ يكتب عنه لـ «الأهرام العربي»: لقطات من حياة محمد حافظ رجب

8-3-2021 | 19:57
شقيقه الأصغر السيد حافظ يكتب عنه لـ «الأهرام العربي لقطات من حياة محمد حافظ رجبمحمد حافظ رجب
السيد حافظ
الأهرام العربي نقلاً عن

حينما خرج صبحى الشارونى من المعتقل، وهو الناقد والفنان التشكيلى المعروف والصحفى بجريدة المساء، واليسارى الاتجاه، اتجه إلى مقهى ريش، فوجد محمد حافظ رجب، فرحب به وبخروجه من السجن، كان هذا فى الستينيات حين تم اعتقال الشيوعيين واليساريين فى حملة واسعة، ورحب حافظ رجب، بصبحى الشارونى وبخروجه، وقال له صبحى إنه ليس لديه سكن ولا يعرف ماذا سيحدث له فى العمل فى الغد، ويحتاج أن يستحم ويأكل وينام، فأخذه معه فى غرفة كان يسكنها على سطح أحد المبانى فى وسط القاهرة، كان ينام فيها حافظ رجب، وأمضى صبحى الشارونى عند حافظ رجب، قرابة شهر آكلا شاربا نائما وينزل إلى الجريدة وإلى هنا وهناك حتى استقرت أموره.

موضوعات مقترحة

بعدها بست سنوات أو خمس سنوات تقريبا، قرر حافظ رجب فى عام 1971، أن يعود مرة أخرى إلى القاهرة وإلى المجلس الأعلى للثقافة، وكان يسمى مجلس الفنون والآداب، وأخذ يبحث عن سكن وقابل صبحى الشارونى، وأخبره أنه يبحث عن سكن، فما كان من الرجل إلا أنه رحب به أن يعود إلى السكن، وكنت أنا فى ذلك الوقت قد التحقت بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكانت تقع فى منطقة المنيرة، فكنا نذهب كل ليلة فى شقة تابعة لصبحى الشارونى على ترعة الزمر فى الجيزة، شقة فى الدور الأرضى عبارة عن مخزن للكتب التى كان يطبعها صبحى الشارونى فى سلسلة كتابات معاصرة التى أسسها ليأكل منها خبزا بجوار عمله كصحفى.

كانت الشقة عبارة عن غرفتين وصالة، فى الصالة توجد كنبة وكرسيان، ومطبخ بسيط به بوتاجاز صغير جدا، وبراد شاى، وثلاثة أكواب فارغة وملعقة وسكر، وكنا ننام أنا ومحمد حافظ رجب فى الشقة، الكنبة لا تسع إلا فردا واحدا، فكنت من باب الأدب أسمح له أن ينام هو على الكنبة وأنا أفترش الأرض لأنام عليها.

ذات ليلة أخبرنا صبحى الشارونى بأنه يجب أن نسلى وقتنا أثناء وجودنا فى الشقة وأن نقوم بلصق خطابات وعليها طابع بريد إلى الأدباء، وتحمل كل رسالة إعلانا عن الكتاب الجديد الذى تصدره سلسلة كتابات معاصرة، ولم لا؟ كنا نمضى ساعتين أو ثلاثا أنا ومحمد حافظ رجب نلصق الإعلانات فى أظرف، وكانت أمامنا قوائم بأسماء الصحفيين والأدباء وعناوينهم ونكتب العناوين وكل رسالة نضع عليها طابعا بخمسة مليمات.

كان براد الشاى هو سبب خروجنا من شقة صبحى الشارونى، فهو اكتشف أننا نشرب شايا كثيرا فى الليل، وقال إن الشاى لا يُرمى التفل الخاص به بعد أن يشرب مرة واحدة، ولابد من استخدام التفل عدة مرات لأنها أموال، وأنه دفع أموالا، والسكر قد انتهى ولابد من وجود سكر، وأعطانا محاضرة وهو يضحك بهدوء شديد يؤنبنا بطريقة رائعة، يلقى بكلمات نارية وهو يبتسم ابتسامة دائمة ففمه تعود على الابتسام وليس الغضب، وأخبرنى حافظ رجب أننا سننتقل إلى سكن جديد.

وذهبنا إلى غرفة يسكنها أحمد الشيخ، وهى شقة مفروشة كل غرفة بها ساكن، كان أحمد الشيخ يسكن فى غرفة فلم نوفق فى السكن مع أحمد الشيخ، وقد وجدنا غرفة أخرى فى شقة متواضعة فى السيدة زينب، وأخبرنى حافظ رجب أن أذهب إلى صبحى الشارونى وأعطيه مفتاح شقته فذهبت إلى صبحى الشارونى، حيث كان يسكن فى شقة تطل على ميدان الجيزة بجوار مطعم الونش، وعندما ذهبت إليه لأول مرة اكتشفت الخادم الذى يرتدى زيا خاصا بالخدم، عبارة عن جلباب وقد لف وسطه بحزام أسود، الخادم عبارة عن قزم صغير جدا، قال: أهلا وسهلا تفضل، ودخلت وعاد ومعه الأستاذ صبحى وأعطيت المفتاح للأستاذ صبحى وقلت له: شكرا جزيلا لك لقد وجدنا غرفة جديدة.

اللقطة الأولى
فى عام 1963 فى الرحلة الأولى لمحمد حافظ رجب، أثناء وجوده فى القاهرة، كانت احتفالات الثورة، وكان المجلس الوطنى للثقافة والفنون فى شارع حسن صبرى بالزمالك، يقيم احتفالا يحضره يوسف السباعى، وأبلغ الموظفين بضرورة الحضور جميعا فى الاحتفال بالثورة وأن عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش سوف يحضران وفى حديقة المجلس (المكان الذى يقع فيه الآن المجلس القومى للمسرح)، وذهبنا فى تلك الليلة وسط كتاب وإعلاميين وصحفيين معروفين، الكل جاء فى عيد الثورة يهنئ يوسف السباعى والناس تنتظر عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش.

مرت ساعة ساعتين ثلاث ساعات، وبدأ الناس فى الشعور بالملل، لأن معظمهم يقف والكراسى قليلة ويمر الجرسونات يحملون المشروبات والفطائر الصغيرة التى تتناول فى الحفلات الكبرى السريعة، جدا ثم بعد ثلاث ساعات حضر فريد الأطرش، ودخل إلى يوسف السباعى، وصفق الجميع وهنأه وخرج مسرعا، وظللت أنا أقول لمحمد حافظ انتظر أريد أن أرى عبد الحليم حافظ، لكن لم يأت عبد الحليم وخرجنا نضحك ونحن نسير على النيل فقال محمد حافظ رجب: عبد الحليم تاه.


اللقطة الثانية
كان محمد حافظ رجب يحب نجيب محفوظ كثيرا بشكل فوق العادة، لأنه يرى أن الكاتب الروائى شىء كبير جدا وشامخ، لأنه له هذا النفس الطويل فى كتابة حلقات رواية كبرى وكان يعتقد أن نجيب محفوظ اشتراكيا ويدافع عن الفقراء والبسطاء ويقدم آلامهم وكنت وقتها فى الثانوية العامة فى عام 1968، وأردت أن ألتحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وذهبت إلى أخى محمد حافظ وسألته أن يجد لى واسطة، وعرفنا أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم موجودان فى قهوة «بترو»، على البحر فى الإسكندرية وذهبنا إلى هناك وكانت تقع تقريبا فى ميامى أو السرايا وكان يجلس معهما المخرج أحمد بدرخان وقال لي: افرح أحمد بدرخان هنا سنجد لك الواسطة وتدخل المعهد.

جلس مع نجيب محفوظ، والحكيم هز رأسه قائلا: إزيك يا محمد، وقال محفوظ: أهلا أهلا بالغالى، وحياه أيضا أحمد بدرخان، وقال له: أخى السيد يريد الالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وهو يحب المسرح فقال له: جيد جيد، وتوفيق الحكيم رمقنى نظرة ونظر إلى البحر.


واستطرد حافظ رجب قائلا: أريد واسطة للسيد لكى يدخل المعهد وضحك بدرخان وقال: الفنان لا يحتاج واسطة، وقال نجيب محفوظ: والله يا حافظ أنا معرفش بتوع المسرح، أما الحكيم فنظر إلى البحر ولم يتكلم وشربنا القهوة وخرجنا، كان محمد حافظ يتمزق، ربما شعر بخيبة الأمل منهم، ربما شعر بخيبة الأمل أمامى أنه لم يستطع أن يحقق أمنيتي، ربما ربما ربما.


اللقطة الثالثة
لا أنسى أبدا هذا المشهد الفظيع عندما تشاجر محمد حافظ مع أبى فى محطة الرمل الذى يقع فى شارع، من أفضل شوارع محطة الرمل وأكثرها غلاء تحدث مع أبى قال له: أريد أن أسافر إلى القاهرة كان هذا الكلام منذ 65 عاما.


قال له أبى: لابد أن تهتم بالعمل معى، اترك هذا الكلام الفارغ، الكتابة والقاهرة.
قال له: هذه هنا ليست حياتى أنا حياتى هناك.
هاج أبى وشتم نفسه.. قال له: يا ابن الكلب وتلك لا تعتبر إهانة، افهم فقد كان يسب نفسه.

فقال له محمد: لا تشتمنى وألقى بكوب ماء كان فى يده على إحدى الموائد الفارغة فجرى وراءه أبى، فأخذ أخى يقلب الموائد فى مطعم الفول واقتحم المحل الثانى لمطعم الطبيخ، الخضار، وقلب الترابيزات أصبح عدد الترابيزات المقلوبة كثيراً جدا فى المحلين، وجرى إلى محل المقلة التى تبيع اللب والسودانى والسجائر، وما إلى ذلك بجوار المحلين وضربها بيده، وانطلق إلى منتصف الشارع، وكادت عربة أن تدهسه والحمد لله نجا حينها واختفى وسافر إلى القاهرة.
لم أشاهد أبى منكسرا هذا الانكسار إلا بعد أن مشى أخى والعمال يجمعون الموائد وزجاج الأكواب التى انكسرت على الأرض، وأبى يكاد يبكى يكاد يصرخ وقال لى: هل ستتركنى أنت الآخر بعد عام وتقول لى أريد أن أكتب وأسافر إلى القاهرة؟

قلت له: لا يا أبى سأكون معك، يومها لم أذهب إلى المدرسة كان عمرى وقتها 11 سنة، لكن بعد عام مات أبى وظل محمد حافظ رجب يكره أبى، وظللت أحب أبى وأحب محمد حافظ رجب وأحب أسرتى وأحب الكتابة.

اقرأ أيضًا: