أخبار

«النصف الآخر» في حياة صاحبة «نصف الدنيا».. كلما خلوتُ إلى نفسي.. خلوتُ إليه

4-3-2021 | 17:15

عمر طاهر يروي حكايات سيدة "نصف الدنيا" سناء البيسي في عيد ميلاد مجلة نصف الدنيا الـ 31

عمر طاهر


(1)
وضع المخرج عاطف سالم كاميراته ليصور بعض لقطات فيلمه الجديد في معمل التصوير الملحق بمكتب المشرف الفني لدار أخبار اليوم «منير كنعان». سأل كنعان عن اسم الفيلم قالوا له: «يوم من عمري».
ظهرت اللقطات التي صُوِّرَت بينما عبد الحليم حافظ يغني «بأمر الحب».
كان حليم في الفيلم صحفيا، وصديقه عبد السلام النابلسي مصورا.
حليم يغني لزبيدة ثروت في إحدى الشرفات مع قطع متكرر للقطات النابلسي وهو يحمِّض الصور التي التقطها للحبيبين.
مرت أغنية « بأمر الحب» من مكتب كنعان لتترك له رسالة تفسِّر الحكاية.

(2)
كان الزعيم سعد زغلول يقضي ورفاقه ليلتهم في ثكنات الجيش الإنجليزي بقصر النيل تمهيدا لترحيلهم جميعا إلي بورسعيد صباحا، ومنها إلي جزيرة مالطة حيث المنفى، في الوقت نفسه. وُلد «منير كنعان» طفلا لأب لبناني مهاجر وأم صعيدية، بعد شهور رحل والده ليشب يتيما في رعاية خاله، كبر قليلا والتحق بالمدرسة ثم رسم بالمصادفة مدرس اللغة الإنجليزية، أعجب الأخير بما وقعت عليه عيناه فأهداه كراسة رسم ليمارس هوايته، ضبطها الخال فاكتشف أن قدرات ابن شقيقته قد تفتح له بابا للمستقبل. عثر له على عمل في شركة تصمم الإعلانات وتطبعها، كان ماهرا وسريع التعلم، رسم لوحة كبيرة لملكة إنجلترا رآها ضابط إنجليزي فألحقه بوظيفة رسام خرائط. لكنه لم يتوقف عن تصميم ورسم الإعلانات، أسس شركته الخاصة، ثم استعان به الشقيقان إميل وچورجي زيدان لتصميم أغلفة مطبوعات دار الهلال، وهناك أسس مدرسة لفتت أنظار الجميع.
كان محمد التابعي يجدد مجلة آخر ساعة، وطلب البحث عمن يصمم شكلا مبتكرا لاسم المجلة، طلبوا كنعان، هناك تعرف إلى محمد حسنين هيكل، وأنهى مهمته ثم عاد إلى عمله.
ثم حدث أن تولى هيكل مسئولية آخر ساعة التابعة لأخبار اليوم وكان قرار تعيين كنعان بأكبر راتب في المؤسسة حديث الجميع.

(3)
لم تكن الأحداث التي يتداول الجميع أخبارها تشجع على التفكير في قرار اتخذته «سناء حسين البيسي » بثبات وهي تقف في بير سلم بيتهم.
الحاكم العسكري يصدر قرارا بتعطيل العديد من الصحف والمجلات،( الكاتب، الميدان، الملايين، الواجب)، وعضو مجلس قيادة الثورة يهاجم في مؤتمر ما تكتبته جريدة المصري، كتمهيد لإغلاقها، مجلة الرسالة تصدر العدد الأخير بقرار من إدارتها، المهنة بشكل عام تعاني بشدة.
قبلها كانت الطفلة التي أنهت قراءة ألف ليلة وليلة وهي في سن العاشرة، والتي كانت حديث مدرسة العباسية بعد تقدير «براڨو» الذي منحها إياه مدرس اللغة العربية تعليقا على موضوع تعبير، تقدير قادها إلى مكتبة البيت العارمة تتنقل بين رفوفها تغذي خيالها، كانت قد واصلت تفوقها حتى حصلت على مجموع عال أودع أوراقها في كلية حقوق عين شمس، وبينما تستعد للعام الدراسي الجديد، وبينما المهنة في مصر تمر بظروف سيئة مرت صديقتها بها، التقيتا في بير سلم البيت، وأخبرتها الصديقة أن جامعة القاهرة افتتحت قسما للصحافة.
في مدرج الصحافة كان مصطفى أمين في ندوة مع الطلبة الجدد وطلب من كل واحد أن يكتب خبرا عن الزيارة ليختبر أسلوب الحاضرين، كتبت سناء وحصدت «براڨو» جديدة قادتها هذه المرة إلى مبنى أخبار اليوم.
كان هيكل بوابة كنعان إلى أخبار اليوم، و كان مصطفى أمين بوابة البيسي إلى النقطة نفسها، ليلتقي الاثنان ثم تدور الاحداث.

(4)
أفكر في كم الثبات النفسي الذي تحتاج إليه فتاة في السابعة عشرة من عمرها، لتجلس دون حركة واحدة أو التفاتة تحمل باقة من أزهار المشمش أمام رجل، في ضعف عمرها، فنان كبير، نجم مشهور والفتاة من محبي فنه، قليل الكلام، يحبه عبد الناصر ويهنئه على أغلفته الساحرة وعندما طلب كنعان مقابلة الزعيم ليُجلسه أمامه ويرسمه وافق ناصر على الفور، كان تصوير محاكمات الثورة ممنوعا لكنهم سمحوا لكنعان أن يكون حاضرا ليرسمها، المستشار الفني لكل إصدارات أخبار اليوم، يحرك جزءًا كبيرا من مؤسسة ضخمة بمفرده، يوجه رسامين ومخرجين ومنفذين وعمال طباعة. كانت هي تجلس أمامه صامتة، بينما هو يغني «يللي نويت تشغلني .. طاوعني وابعد عني»، ويرسمها.
من منهما كان يتأمل الآخر؟
النظرات التي كانت تسرقها الفتاة المتدربة عبر زجاج غرفة الفنان الكبير عندما تمر بها أسقطت في كفها شيكولاتة كبيرة على هيئة بيضة شم النسيم هدية من الفنان ظلت الفتاة تتأملها لأيام حتى أذابها الحر، ثم جملة من كلمتين، «تعالي أرسمك»، فكان غلاف المجلة .. والحكاية.
رسالة لم يلتقطها أحد، خرج عدد آخر ساعة في أربعاء شتوي عام 1956 وعلى غلافها فتاة ستقود تأثيرا كبيرا في عالم الصحافة بينما المهنة تأخذ خطوات واسعة إلى الأمام في اللحظة نفسها.
ظهرت سناء البيسي على الغلاف بينما يخرج إلى الأسواق العدد الأول من مجلة «صباح الخير»، مع أول يوم عمل في وكالة أنباء الشرق الأوسط، واحتفاء الوسط الصحفي بعلي أمين بعد أن أقرت الدولة احتفالا رسميا بعيد الأم بناء على فكرته، ماء جديد ونظيف يجري في نهر المهنة، معه ظهر وجه البيسي، فتاة ترتدي بلوفر أسود وتحتضن أفرع زهور المشمش.
كان الغلاف مجرد بداية، بعد سنوات كان في حوزة الفتاة أكثر من ألف وسبعمائة اسكتش كانت فيها البطلة بريشة كنعان الذي رسمها بكل الأشكال الفنية التي يعرفها العالم، تشاركا غرفة المكتب في المبنى، وكلما التفتت ناحيته وجدته يعبر عن وجودها بطريقة مختلفة في كل مرة.
كانا يغادران حفل زفاف زميلة لهما في أخبار اليوم، قال لها «نتجوز»، كانت عيناها تمتلئان بأسئلة كثيرة تحت عنوان عريض «ماينفعش»، قال: سأحطم أى شىء قد يعوقنا، ثم طلب منها أن تأخذ وقتها وتفكر:» عايزِك تكوني مقتنعة، أول ما يحصل هتلاقيني جاهز».

(5)
كانت الصحف الصباحية مزدحمة بمتابعة قصتين.
كيف يجري العمل في السد العالي بعد أن وضع عبد الناصر حجر أساس المشروع.
والطريقة التي ستستقر بها أجهزة التليفزيون في البيوت المصرية بعد أن بدأ رسميا بث إرسال التليفزيون العربي.
في العام نفسه وعلى مساحة سطرين اقتنص الخبر لنفسه مكانا.
« تم عقد قران سناء البيسي الصحفية بأخبار اليوم إلى الرسام منير كنعان وسافرا إلى بورسعيد لقضاء شهر العسل».
لم يحدث أن زارت الفتاة بورسعيد حتى يومنا هذا، كان الخبر يضع مسافة بين العاشقين وبين العالم، فضول الأصدقاء ومكالمات المهنئين وزيارات الأقارب، رسالة قصيرة «إحنا مش موجودين»، فرصة لتأمل الطريق الذي فُتحت بواباته دون تشويش.

(6)
استقرت المحررة الناجحة صاحبة الباب الشهير «قيل وقال» في فيلا تطل على أبراج حمام نادي الصيد في المهندسين، في بيت رجل يقول عنه المقربون إنه قلق دائم التساؤل لا تنقطع عن روحه دهشة الأطفال. يرسم في كل مكان وبكلتا يديه، شهيته للرسم لا تتوقف، يخطط ويقود طوال الوقت ثورات فنية، من الثورة في تصميم الأغلفة إلى فن الكولاج، رجل هوايته جمع ورق الكرتون والعلب الفارغة ليعيد تشكيلها في لوحات، ويعشق التوقف أمام الجدران المتهالكة وتأمل توقيع الزمن عليها، يصدر أحكامه بدقة حادة، ويفيض بصراحة جعلته يعترف لها: «أخاف السعادة عندما تصبح إقامة جبرية، هناك سجون لم تُخلق للفنانين».
بيت تصحو فيه كل يوم على دقات سيمفونيات بيتهوڨن المربكة، يطاردها حتى تحبه مثلها، تتحجج بادعاء طنين الأذن لتهرب.
استقرت في صحبة رجل يفيض بالأفكار والخواطر الفنية طوال الوقت، تلف خلفه في المنزل تسجل ما يقول وتتلقى فيض نفسه الذي يعجز عن اختزانه.
لم تكن صحبته سهلة، تقول الفتاة بعد سنوات «أتدحرج يوما بعد آخر فى مشوار حبى الطويل معه أصطدم بالحجارة والصخور والمستحيلات ولا أنتبه إلى آثار الجراح على قدمى ولا آثار الخدوش فى يدى .. كنت أحلم أن يحبنى الفنان.. الرسام بالذات فالرسامون هم الأكثر تأججا بين كل المبدعين .. شهرتهم لا تعنينى بقدر ما يعنينى خروجهم عن المنطق.. عن الرتابة.. عن السأم.. جذبتنى إليه الابتسامة الحزينة التى تفضح كالبللور الصافى ما يدور فى رأسه.. لم يكن يستطيع الكذب وكنت لا أحاصره لأسأله حتى لا يضطر إلى الكذب أمامى فيغدو طفلا مذنبا يتهرب من عقاب أمه».
(7)
قدمت الفتاة المتدربة للفنان الكبير ملفا يتضمن رسوماتها، كانت متأثرة برسوماته، وحسبت أن هذا سوف يسعده، تأمل الفنان ما أنجزته ريشة الفتاة ثم ألقاها في سلة القمامة، قال: لا تقلدي أحدا.. قدمي للعالم ما يجعل الآخرين يسعون إلى تقليدك»، كانت النصيحة القاسية دستور عمل ترجمته السنون على مهل إلى منصة صحفية غيرت مفهوم الصحافة النسائية، خرجت بها من حدود جلسات الانتظار في محلات الكوافير إلى ما هو أوسع كثيرا «نصف الدنيا لكل الدنيا».
كانت صراحة كنعان وأحكامه التي يصدرها بلا مواراة أو دبلوماسية نموذجا لما يحتاج إليه من قرر أن تكون الكتابة حياته، كان ناقدا أبويا، يعد لفتاته وقت الكتابة المشروبات الساخنة، ثم يطالع ما كتبته ويخبرها أن هناك ما هو أفضل.
ظل يطاردها متوسلا الأفضل من قلمها، حتى استيقظت يوما على «براڨو» ثالثة، كانت رسالة أفضل من مر علينا في عالم الكتابة.
كتب لها نجيب محفوظ « هيهات أن أبلغ ذروة البلاغة التي تتمتعين بها».
سألتها: كيف كان مطبخ الفتاة الصغيرة؟، حكت أنها كانت كلما فكرت أن تتسلل إلى المطبخ كزوجة مصرية تخبز الكيك وتطبخ الطواجن تجد كنعان على باب المطبخ يقف غاضبا، يقول لها: «فيه ألف واحد يعملوا لك الكيكة، أو ممكن نجيبها بالتليفون»، تقول: «ماخلانيش أطبخ ولا أعمل له فتفوته حاجة»، كانت وجهة نظره واضحة وبسيطة، « إنتي تقعدي تكتبي أو ترسمي، أو تترسمي بس».
كانت تعيش في صحبة رجل لا يفعل شيئا سوى أن يدفعها إلى الأمام، قررت أن تقيم معرضا للوحاتها فسهر هو يبروز اللوحات بنفسه، يفخر أمام الجميع بكل ما تنجزه «شايفين سناء عاملة إيه؟»، يوجهها دائما لتكون شخصية مستقلة بنجاح مستقل، كانت مُلهمته، وكان قارئها الأول.

(8)
استقر في يقينها أن طفلا يحمل اسم كنعان سيكون هدية العمر التي يستحقها.
حاولت أكثر من مرة، لكن الحمل كان ينفرط لأقل سبب.
حتى قال لها الطبيب: «مدام سناء المرة دي هننام شوية»، سألته: «قل لي قد إيه»، قال: «شوية» ولم يفصح، قالت: « لو هانام التسع شهور هانامهم».
ظلت نائمة على ظهرها في فراشها تسعة أشهر، غير مسموح بأي حركة إلى اليمين أو اليسار، مع حقن التثبيت اليومية، يبدى المقربون تعاطفهم معها فتقول: «لو هانام 10 سنين مش مهم بس أجيب له الطفل اللي نفسه فيه».
وصل هشام منير كنعان، كانا يتأملان فيه الحب وهو يسير على ساقين.
كبر هشام وهو مشغول بأمه وأحلامها وآلامها، وبأعمال والده والتفكير في دفعها إلى صدارة المشهد.
(9)
كان حسني مبارك يحتفل بنجاحه في الاستفتاء على ولايته الرابعة، بينما يُعمق الغموض الحزن على تحطم الطائرة المصرية في المحيط الأطلسي بعد إقلاعها من أحد المطارات الأمريكية بساعة ومصرع جميع ركابها. كان البعض مشغولا بتشجيع مصر في بطولة كأس العالم لكرة اليد التي أقيمت على أرضها، وآخرون يحتفلون بجائزة جديدة حصل عليها يوسف شاهين من مهرجان كان.
نهايات ديسمبر، العام 1999 يرحل، بينما منير كنعان في المستشفى. أحضروا له بعض الأوراق ليوقع عليها، واكتشف أن اليد التي لم تكن تتوقف عن الرسم طول اليوم غير قادرة على الإمساك بالقلم، أزعجه ما فسرته له اللحظة، ثم رحل بعدها بيومين.
بعد سنوات قليلة كتبت الفتاة: «كلما خلوت إلى نفسي خلوت إليه».
كانت تفتش عن طريقة تستدعي بها الشريك وفرشاته التي يلوح بها، لم تجد سوى بيتهوڨن، باتت نغماته لا تنقطع عن البيت.

(9)
رسم الأستاذ هيكل بشراكة مع الأستاذ مصطفى أمين نقطة البداية، لكنهما لم يختفيا مثل عادة قصص الحب الكلاسيكية.
رن تليفون المنزل في الثالثة صباحا، كان النوم قد طار من عينَيْ الفتاة بعد ليلة عصيبة. القاهرة تحترق في انتفاضة الخبز، عادت إلى منزلها بينما كنعان مستغرقا يرسم ويعمل في مكتبه بأخبار اليوم، طاردته بالتليفون ليعود إلى البيت، قال إنه على وشك أن ينهي ما بدأه، وبعد وقت طويل كان يقف أمامها في صالة المنزل وعلى وجهه ابتسامة، سألته عن سبب التأخير، فقال «رجعت مشي»، سألته عن السيارة الجديدة التي استلموها قبل ثلاثة أيام، قال «اخدت الشر وراحت»، احترقت أمام مبنى الأخبار، كان منهمكا في عمله حتى إنه لم يدر بما جرى، سيارة جديدة سحبت قطعة كبيرة من المدخرات راحت مجانا، كانت ليلة يتدفق فيها القلق والحزن من كل مكان.
رفعت الفتاة سماعة التليفون لترد على المتصل في هذا الوقت، كان مصطفى أمين وقال «الصبح فيه عربية جديدة هتكون قدام بيتكم».
جمعت البيسي لوحات كنعان بعد رحيله، ونظمت معرضا كبيرا أفردت له وزارة الثقافة قصور متحف الفن الحديث كاملة، كانت تقف على قدم وساق تستقبل الضيوف وتقود جولاتهم. سجل الزائرون انطباعاتهم، وكتب الأستاذ هيكل «طوال رحلة استكشاف منير كنعان من جديد، كان معي سؤال واحد: ترى هل يعرف أن زميلة عمره التي شاركته حياته، واستثارت رؤياه، ورعت إلهامه، كانت واقفة وسط الساحة الفنية العربية ترعى الفن والقيمة وتفتح الباب لذلك الزمان الذي جاء بعد غياب صاحبه».
لم تكن هناك إجابة واضحة يمكن تقديمها للأستاذ هيكل، لكنني متأكد تماما أن منير كنعان كان على يقين بأن سناء البيسي ستفعل ذلك.. «بأمر الحب».

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة