ثقافة وفنون

مدير الإنتربول المصري بفرنسا سابقا الروائي كمال رحيم: يهودي فرنسي من «الظاهر» سـبب كـتابتي الثـلاثية

2-3-2021 | 12:04

..

حاورته: سهير عبدالحميد

رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما على صدورها، مازالت ثلاثية اليهود بطبعاتها الخمس تحظى باهتمام وصدى واسع بعد إعلان دار العين عن طبعتها الجديدة، الروايات الثلاث التى كشف فيها كمال رحيم، الروائى ومدير الإنتربول المصرى بفرنسا سابقا، اللثام عن حقبة تاريخية يلفها الغمام هى فترة الوجود اليهودى فى المجتمع بوصفهم مواطنين مصريين.. ثلاثية ربما تكون أغرت عددا من الروائيين العرب بالكتابة عن الجاليات اليهودية فى بلدانهم مثل الكاتب السورى إبراهيم الجبين «يوميات يهودى من دمشق» أو «حارس التبغ»للروائى العراقى على بدر. والأكيد أن تلك الثلاثية ملأت فراغا روائيا بموضوعها وأحداثها وحقبتها الزمنية وغيرت من الصورة النمطية المشوهة التى صاغتها بعض الروايات السابقة عليها حين صورت اليهودى كجزء على هامش الأحداث بأنه بخيل وقاس وعديم القلب..وخلطت بين اليهودية كديانة، والصهيونية كمخطط سياسي.


الرؤية النقدية المتعمقة التى خالفت الشائع بمنطق تاريخى واقعي،تفسر النجاح الكبير لثلاثية اليهود التى ترجمتها الجامعة الأمريكية إلى الإنجليزية، ونقلتها دار فيلتن إلى الألمانية.إلى جانب ما تم حولها من دراسات أكاديمية منها رسالة ماچستير بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الأقصى فلسطين 2016، ودراسة نقدية للدكتور محمد على سلامة صدرت عن دار العين.

الثلاثية«المسلم اليهودي- أيام الشتات- أحلام العودة»تحكى عن «جلال»الذى ولد لأب مصرى وأم يهودية...استشهد والده فى حرب 1956 وتولت أسرة والدته تربيته بعد أن نبذته أسرة الأب..الجد«زكي»كان صاحب أثر مهم فى شخصية «جلال»وحرص على الإبقاء على إسلامه..تتوالى الأحداث التى يتحمل فيها بطل الرواية التغيرات التى تحدث فى المجتمع المصرى عقب حرب فلسطين عام 1948.

الروائى كمال رحيم من مواليد قرية المنصورية بضواحى الجيزة – 1947. حصل على ليسانس الحقوق والشرطة فى يوليو عام 1968، ثم ماچستير القانون العام من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1975، ودبلوم الإحصاء الجنائى من المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية عام 1978 بتقدير امتياز. ثم دكتوراة فى النظم السياسية والقانون الدستورى من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1986 بتقدير امتياز. تدرج فى وظائف الشرطة حتى وصل إلى رتبة لواء وعمل مفتشا للإنتربول المصرى فى فرنسا عام 1978 ثم صار مديرا له عام 1985 وحتى عام 1988. درَّس القانون العام بأكاديمية الشرطة بسلطنة عمان عام 2005، وانتدب للإشراف على رسائل عدة بأكاديمية نايف للأمن بالسعودية وأكاديمية الشرطة بمصر. أصدر روايات عدة منها «المليجي- قهوة حبشي- أيام لا تنسى»إلى جانب مؤلفاته فى القانون ومنها: «السلطة فى الفكرين الإسلامى والماركسي» و«القانون الإداري».. وإلى نص الحوار.

ـ أديب بدرجة لواء شرطة.. كيف جاء هذا المزيج.. ولماذا لم تفكر فى دراسة الأدب منذ الخطوة الأولى أو حتى التفرغ له؟

بدأت كتابة الرواية أثناء المرحلة الثانوية والتحقت بكلية البوليس. استغرقنى العمل بالشرطة تماما لكنى مع هذا لم أفكر فى مسألة التفرغ أو الالتحاق بكلية من الكليات التى تعنى بدراسة الأدب، على اعتبار أن الاستعداد الفطرى للكتابة ليست له علاقة بالدراسة ودراسة الأدب قد تخلق ناقدا لكنها لا تخلق بالضرورة كاتبا. بعد نيلى الدكتوراة وتفرغى للتدريس أصدرت المجموعة القصصية «لقمة العيش» عام 1994. وقد فازت قصتان من هذه المجموعة بالجائزة الأولى لنادى القصة عامى 1996، 1997. لكنى وجدت نفسى غير كفء للإبداع فى هذا اللون الأدبى الجميل. كما أنى أعشق الرواية ونسج شخوصها وأندمج معهم وأشعر نحوهم بالتعاطف كأنهم شخوص من دم ولحم ولهم حقوق عليّ، لذا لم أكرر تجربة كتابة القصة القصيرة واتجهت إلى الرواية.. وقد أفادتنى خلفيتى الشرطية فى الكتابة، لأنها ساعدتنى فى سبر أغوار باطن المجتمع ورؤية ما لا يراه الناس فى لحظات الضعف والانهيار والنذالة أحيانا وكل ما يخرج من الإنسان فى لحظات الشدة وغير ذلك من مشاعر ساعدتنى فى الكتابة.

ـ المسلم اليهودى الرواية الأولى.. هل كنت تخطط من البداية لاستكمال أجزائها..أم أن نجاح الجزء الأول وحصوله على جائزة الدولة التشجيعية عام 2005 وترجمته إلى الألمانية والإنجليزية شجعاك على كتابة الجزءين الثانى والثالث؟

على الإطلاق.. لم تكن لدى نية لكتابة الثلاثية.إلا أننى شعرت عقب الانتهاء من كتابة الجزء الأول، بأنى لم أعط كل ما يجول بخاطرى، ففى الرواية الأولى كتبت عن جلال منذ أن كان طفلا رضيعا وصورت انفعالاته وسلوكياته حتى كبر وسافر إلى فرنسا وتوقفت، وكان لابد أن أواصل الكتابة حتى أتابع كل التغيرات النفسية والوجدانية التى مر بها بعد ذلك بطل الرواية الأولى، خصوصا أن هناك أحداثا وقعت فى الجزءين الثانى والثالث كان لها تأثير شديد عليه.

- ما الذى أغراك بالحديث عن هذا الجزء تحديدا من التاريخ الخاص بحياة اليهود المصريين قبل هجرتهم؟

أثناء عملى بالإنتربول فى فرنسا حصلت على منحة من السوربون بالتنسيق مع جامعة القاهرة للحصول على درجة الدكتوراة وكان الإشراف على الرسالة مشتركا بين الجامعتين. وفى فرنسا التقيت «أندريه» وهو يهودى فرنسى من أصل مصري.. أخذ يحكى لى عن ذكرياته فى مصر وبيته فى حى الظاهر وطفولته وذهبت بالفعل إلى زيارة هذا البيت عندما عدت إلى مصر. كان «أندريه» شخصية لطيفة وقد تكررت جلساتنا معًا ورأيت خلالها الألم الذى يرتسم على وجهه وهو يتحدث عن رغبته فى العودة إلى مصر، وزيارة الأماكن التى تربى فيها أثناء طفولته. وقد صحبنى فى اللقاء يهودى مصرى آخر كان يعمل فى تصدير البصل. وهناك التقيت عددا من اليهود المصريين منهم من ولد ونشأ فى حارة اليهود بالقاهرة أو حارة اليهود بطنطا أو دمياط وغيرها والكل كان يحكى أشعارا عن مصر وحياته فيها.

استدعت أحاديث «أندريه» ويهود فرنسا مصريو الأصل إلى ذاكرتي، صورة «جريس» الصائغ اليهودى الكهل فى قريتنا وكان محل ثقة الجميع حيث يأتمنونه على دخول بيوتهم والتعامل مع نسائهم لبيع وشراء المصاغ.اشتهر «جريس»بأمانته الشديدة فى البيع والشراء. ويوم وفاته أتذكر جيدا كيف ذهب أبى وعمى وبعض سكان قريتنا لتعزية أسرته التى تقطن حى شبرا. ثم قفزت إلى الذاكرة صورة «يوسف» الذى كان صديقا مقربا لي. تعرفت إليه فى مدرسة المعادى الثانوية وأتذكر أننى لم أعرف أنه يهودى الديانة إلا قرب انتهاء العام الدراسى، ولأنه كان جارا لى فى المعادى فى شارع 12 «وهيب دوس»كنا نتبادل الزيارات وظلت علاقتنا قوية حتى بعد التخرج فى الجامعة وأتذكر أثناء عملى كملازم فى بورسعيد إبان فترة الستينيات كنا نتبادل الخطابات والمكالمات الهاتفية حتى انقطعت أخباره عنى فجأة.

- من أين استقيت المعلومات التاريخية التى مكنتك من نسج الشخوص والأحداث وتجسيد الأماكن؟

حتى أستطيع كتابة الرواية ذهبت إلى زيارة منزل «أندريه» فى الظاهر. وجلست على المقاهى لأتعرف معالم الحي.. وتجولت فى حارة اليهود والتقيت بعض كبار السن هناك وسمعت منهم حكاياتهم عن جيرانهم اليهود القدامي. وقد قدمت وصفا دقيقا للحارة فى الجزء الثالث «أحلام العودة» بأزقَّتها ودروبها..تجولت بها شبرًا شبرًا، فالعمل الروائى كفيلم دراما مليء بالأحداث والانفعالات، يحتاج إلى دراسة كأنه عمل علمي. وسجلت الآثار اليهودية الموجودة فى الحارة داخل الرواية.

ـ ما الذى أردته من ثلاثية اليهود.. هل هو تأريخ لفئة اجتماعية عاشت فى المجتمع المصرى ومثَّلت شريحة مهمة فى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أم هو الترميز للصراع العربى الإسرائيلي؟ أم ترسيخ فكرة التسامح مع الآخر والحوار بين الأديان؟

الرواية تتحدث عن مصريين كانوا يدينون باليهودية فأنا لا أتحدث عن يهود وإنما عن مصريين فى المقام الأول ومثلهم مثل أى مصرى مع اختلاف الديانة.. فهؤلاء أناس كانوا يعيشون بيننا وهذا ما تسجله كتب التاريخ عادة فى أسطر قليلة وقد لا يلتفت إليها أحد، أما العمل الروائى فشكل آخر يسجل حياة هؤلاء الناس بشكل ينبض بالحياة حتى يبقى فى الذاكرة الجمعية زمنا طويلا، وهذا ما شعرت به حينما كنت أستمع إلى «أندريه» إذ قال لى بشكل مؤثر «يارب ما تنسونا»، هذه الكلمة أثرت فى للغاية فأصررت على الكتابة عن هؤلاء اليهود المصريين ليعرفهم من لم يشهد هذه الحقبة من الزمن..

كما استهدفت التفرقة بين ما هو يهودى كديانة وحضارة إنسانية مثلها مثل الإسلام والمسيحية، وما هو صهيونى من أفكار سياسية توسعية مغتصبة، وهناك يهود كثيرون كانوا ضد الفكر الصهيونى داخل مصر وفى إسرائيل ذاتها. وأردت أيضا تقديم صورة عن اليهودى المصرى الإنسان بعيدا عن الصورة النمطية المشوهة التى تصفه بالبخل وتجسده بصاحب الأنف الطويل، وغيرها من الصفات المرتبطة بالنكات التقليدية.لقد قدمت صورة عن الإنسان.

ـ ظهرت كتابات روائية عربية عن الجاليات اليهودية منها «حارس التبغ» للروائى العراقى على بدر، «اليهودى الحالي» لليمنى على المقرى، «يوميات يهودى فى دمشق» للروائى السورى إبراهيم الجبين.. ما سر هذا الاهتمام مطلع الألفية الجديدة..

وهل يمكن القول إن ثلاثيتك شجعتهم على خوض الحديث فى هذا الملف الشائك؟
لا يمكننى إيجاد تفسير لذلك ولا يمكننى القول إنهم تأثروا بما كتبت.. وربما يكون فقط مرحلة إعادة التفكير بروية بعد سنوات على مرور الأحداث، والتى خُلِطَ فيها بين الصهيونية واليهودية، وتعرض بعض اليهود فى الدول العربية إلى ضغوط معنوية بعد احتسابهم على الصهيوينة. أنا مع التسامح بشرط ألا يمس القضية الفلسطينية.. فما يتكبده الفلسطينيون شنيع ويتجاوز بمراحل مشاعر الحنين من جانب يهود إلى بلدانهم العربية ولو كنت كروائى شاهدت وعايشت تلك المعاناة لكتبت عنها لكنى لا أستطيع الكتابة عن شىء أجهله وإلا كان تعبيرى غير حقيقى ومزيفا.

- القرية المصرية بطل روايتيك «أيام لا تنسى، وقهوة حبشي»، عبرت خلالهما عن تلافيف عالم القرية وخلجاته بصدق وعمق..

هل كان هدفك تسجيل تجربة وجدانية أم توثيق حالة الريف وهو على سجيته قبل أن يتحول؟

أنا من مواليد قرية المنصورية بضواحى الجيزة وظللت أعيش بها حتى المرحلة الإعدادية، وبالتالى فهى راسخة فى وجدانى ومنقوشة فى مخيلتى.. «أيام لا تنسى» دارت أحداثها فى فترة الخمسينيات وجسدت خلالها حياة الطبقة العليا فى القرية وهى طبقة العمد، وصورت كيف يديرون البلدة وطموحاتهم على ألسنة النسوة فى بيت العمدة.

«قهوة حبشى» قصدت فيها الحديث عن الطبقة الدنيا وهى الشحاذون وكيف ينظرون إلى سائر البشر، فالشحاذ ليس مجرد إنسان يتلقى شيئا ليأكله وينام.. بل له عقل وعواطف ووجدان وقد تكون له تطلعات ومن خلال شخصية «حبشي»تحدثت أيضا عن الطبقة الدنيا فهذا مجرم تاب وفتح مقهى لكنه يلقى نظرات احتقار من الناس وصورت ردة فعله على هذا الاحتقار. وحاليا أنا بصدد كتابة الرواية الثالثة عن الريف كى أستكمل تجسيد خبرتى الذاتية وتوثيق أحوال الريف قبل أن يتغير، وفى تقديرى لا يستطيع الكتابة عن القرية بالذات إلا من كان ريفيا، وهناك كتاب عظماء أمثال يوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوى وخيرى شلبى وعبدالحليم عبدالله ود. محمد المنسى قنديل ونبيل عبدالحميد ومحمد قطب ومحمد البساطي، استطاعوا القيام بعملية التجسيد الروائى للقرية ببراعة.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة