عرب وعالم

«المحكمة الكندية العليا» وأزمة الـ «كوميديا الارتجالية»!

1-3-2021 | 14:23

المغنى الكندى جيريمى جابرييل ومقدم العروض الكوميدية مايك وارد

هـدير الزهـار

«حينما تكون لديك إعاقة تكون مواجهتك للحياة صعبة، فكيف سيكون الأمر حينما تشعر بأنك أصبحت مادة للسخرية!!.. والأكثر صعوبة حينما كنت أسمع ضحكات الجمهور الصاخبة على فكرة موتى، فشعرت بأن حياتى لا قيمة لها».. بتلك الكلمات المؤثرة علق المغنى الكندى جيريمى جابرييل، 24 عاما، على سخرية مقدم العروض الكوميدية الشهير مايك وارد منه، وهو يطالب المحكمة العليا فى البلاد بإنصافه.


فالقصة لم تبدأ أمس ولا أول أمس، بل منذ أكثر من 10 سنوات، وتحديدا فى عام 2010 حينما سخر وارد من جابرييل، الذى كان يبلغ من العمر آنذاك 13 عاما، وجعل منه مادة للنكات المهينة التى يلقيها فى برنامجه الكوميدى، حيث وصفه بـ «القبيح» وأنه طفل يحمل «سماعة ضخمة على رأسه»، ثم قال انه لن يزيد من إهانته أمام الآخرين لأنه سيموت قريبا!!.. وقد كرر وارد العرض ذاته مئات المرات، فى الفترة ما بين عامى 2010 و2013، كما تم نشره عبر الانترنت.

فالمغنى جيريمى جابرييل، الذى يدرس حاليا العلوم السياسية، مصاب بمتلازمة ترشر كولينز، وهو مرض نادر ناتج عن اضطراب وراثى يعانى المصاب به تشوهات فى بنية عظام الجمجمة والوجه، وصمم شديد، لذا حصل جابرييل على جهاز سمعى وهو فى السادسة من عمره. وكان أول ظهور فنى له فى سن الثامنة، حيث نجح فى استقطاب الأنظار نحوه وآسر القلوب بصوته المميز، خلال غنائه النشيد الوطنى فى مستهل إحدى مباريات لعبة الهوكى، كما أصدر ألبوما غنائيا وعددا من الأغنيات، وتمكن لاحقا من الغناء أمام شخصيات شهيرة مثل: المغنية سيلين ديون وبابا الفاتيكان السابق بنديكت السادس عشر.

ورغم محاولاته التغلب على إعاقته وتحقيق أحلامه، فإن ما تركته سخرية الفنان الكوميدى عليه من آثار سلبية، لم يستطع تجاوزها بعدما ضاعفت من آلام إعاقته. فخلال أحد اللقاءات، قال جابرييل إن سخرية وارد المتكررة منه ـ وهو فى أولى سنوات المراهقة وبداية مشواره الفنى دمرت احترامه لذاته وثقته فى نفسه، خاصة أن تلك النكات كانت سببا فى تعرضه للتنمر من قبل زملائه فى المدرسة، والذين لم يكن يمر يوم دون أن يذكروه بها، حتى أصيب بالاكتئاب واعتزل اجتماعيا، وفكر جديا فى الانتحار، والأدهى أنه حينما تقدم بشكوى ضد وارد، تلقى تهديدات بالقتل من جمهور الفنان الكوميدي.

لكن فى عام 2012، رفعت عائلة جابرييل قضية أمام محكمة الكيبيك لحقوق الإنسان، وهى محكمة متخصصة للنظر فى القضايا المتعلقة بالتمييز أو التحرش، بموجب ميثاق حقوق المقاطعة، لمقاضاة وارد. وقد قضت المحكمة فى عام 2016، بأن وارد تجاوز حدود حرية التعبير، وأن مزحته كانت تمييزية على أساس الإعاقة، وهو ما تسبب فى انتهاك كرامة المراهق، وحكمت على وارد بدفع 35 ألف دولار كندى كتعويض مادى لجابرييل و7 آلاف دولار كندى لوالدته. وقد رفض وارد الدفع واستأنف على قرار المحكمة، إلا أنه فى عام 2019 أيدت محكمة الاستئناف القرار ذاته. ومن ثم قرر وارد نقل المعركة القضائية للمحكمة العليا فى كندا، معللا بأن «الكوميديا ليست جريمة».

فقد عرف عن وارد أنه كوميدى ارتجالى ذو أسلوب لاذع، يتجاوز حدود حرية الرأى، فكثيرا ما يتناول بسخرية قضايا شائكة متعلقة بالعرق والدين، كما كرس مجموعة حلقات للتهكم على من سماهم «الأبقار المقدسة»، والمقصود بهم مشاهير مقاطعة الكيبيك، الذين طبقا لرؤيته هم أشخاص أغنياء أو ذوو نفوذ، ظنوا أنهم خارج حدود السخرية. كما تلقى وارد تهديدات بالقتل فى عام 2008، بعدما سخر من اختطاف فتاة تبلغ من العمر 9 سنوات.

ومع تصدر القضية عناوين الصحف للمرة الأولى، فقد أثار وصول الأمر للمحكمة قلق فنانى الكوميديا الارتجالية من احتمالية تشديد الرقابة ووضع القيود عليها، والذين أعربوا عن دعمهم وارد، ومن بينهم شوجر سامى، وهو ممثل كوميدى يتخلل أعماله التهكم على الأقليات العرقية وغيرها ـ وقد اثار هجاؤه اللاذع للسكان الأصليين فى الكيبيك، غضبا عارما إلى حد تهديده بالقتل فقد حذر من أن صدور حكم ضد وارد يهدد الكوميدية الارتجالية، وقد يصل الأمر إلى إجبار فنانى الكوميديا الكنديين، على الهجرة للولايات المتحدة. ويتساءل بتهكم: «هل سأحتاج إلى مراجعة عروضى الكوميدية من قبل محامى والتفكير فى كل مزحة قبل إلقائها، أم سأجد نفسى أمام المحكمة العليا ؟!».

وعلى الجانب الآخر، يتمسك المدافعون عن حقوق المعاقين ومحامو حقوق الإنسان بموقفهم المتمثل، فى أن الكوميديا لابد أن تكون لها حدود، وأن التنمر على مراهق معاق، يعد أحد أسوأ أشكال التمييز وينتهك الحق فى الكرامة المحمى بموجب قانون الكيبيك.

ففى الأسبوع الماضى، خلال أولى الجلسات بالمحكمة العليا، بحضور تسعة قضاة، بدا عدد منهم منزعجا، مما تقدم به المحامى جوليوس جراى المدافع عن وارد، والذى استهل كلماته قائلا: «إن الحق فى عدم التعرض للإهانة ليس حقا فى كندا»، مضيفا: «أن سخرية وارد من جابرييل تمنحه شعورا بالمساواة، وذلك لأن المعاقين والمعافين يمكن السخرية منهم على حد السواء !!».

وقد تباينت ردود أفعال القضاة، فقد علق القاضى راسل براون، قائلا: «لا تبالغوا فى الأمر نحن لا نتحدث عن جاليليو.. إنه ليس بطلا»، بينما ردت عليه القاضية شيلا مارتن قائلة: «لابد أن نأخذ فى الاعتبار أن هذا الشخص قال إنه كان يتمنى الموت لطفل يبلغ من العمر 13 عاما يعانى إعاقة جسدية».

قد يرى البعض أن الأمر لا يستحق كل هذا الصخب، إلا أنها قضية مهمة بين «الحرية المطلقة المدمرة» و«الحرية المقيدة بالإنسانية» .. فلطالما عكست الكوميديا الأعراف الثقافية للبلدان، وكشفت خطوط الصدع فى المجتمعات، وعرفت منها الحدود القانونية للكلام المقبول.. فقد تعرضت كندا وكثير من دول العالم، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، لضغوط مكثفة لاحترام حقوق الأقليات، ووضع خطوط فاصلة بين حرية التعبير والتجاوز بالإساءة.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة