آراء

رسالة في علم الموسيقى

1-3-2021 | 17:36

خلال بحث المحقق الدكتور عبدالمجيد دياب فى مجال الآداب العامة إذ به يعثر على مخطوطة تحت عنوان «رسالة فى علم الموسيقى» للشيخ صلاح الدين الصفدي (696 ـ 724 هـ / 1296 ـ 1363م ) ولم يكن الدكتور عبدالمجيد يعلم أن للشيخ الصفدي سبقًا فى الموسيقى، رغم أنه يعلم عن موسوعية معرفته حتى أنه سبق أبناء عصره فى الكثير من الفنون العربية كالرسم والخط والتوشيحات والأزجال والأشعار، وعندما ذكر هذا الاكتشاف للذى كانت له معرفة عن الموسيقى عند العرب، وهو الأستاذ غطاس عبد الملك خشبة، والذى شاركه بعد ذلك فى تحقيق هذا الكتاب أخبره الأستاذ غطاس عبد الملك بأن النسخة الوحيدة لهذا الكتاب فى العالم هى التى توجد فى ألمانيا، فقام الدكتور عبد المجيد بالكتابة إلى المكتبة العامة فى برلين يطلب إرسال هذه النسخة النادرة لقراءتها فإذا بالمكتبة تلبى طلبه.

قام الدكتور عبد المجيد بقراءة المخطوطة بعناية وتأن فوجد أن النصف الأول يمثل جانبا من الدراسات الأدبية، ويمكن تحقيقه، أما النصف الثانى فكان يحتوى على مصطلحات الموسيقى الصرفة التى لا علم له بها، وكان قد وجد أن الأستاذ غطاس عبد الملك قد سبق أن قام بتحقيق كتاب يحتوى على نصوص موسيقية شبيهة بما هو فى كتاب الصفدي، فقام الدكتور عبد المجيد بدراسة المؤلف وكتبه وعصره وتاريخه وعلاقاته مع أهل عصره وصنع ببليوجرافيا بمؤلفاته وموقف الإسلام من الغناء الموسيقي، ويضفى على هامشه مما يعلمه فى الموسيقى شرحا وتدقيقا ويرجع نصوصه الموسيقية إلى أصلها. وقام بتعريف الموسيقى وتأثيرها وحكمها وموقف المسلمين ـ القدماء منهم والمعاصرين ـ من الغناء والموسيقي، ومن هو مؤلف كتاب (رسالة فى علم الموسيقي) حيث يقول المؤلف: «الموسيقى حكمة عجزت النفوس عن إظهارها فى الألفاظ، فأظهرت بالأصوات البسيطة، فلما أدركتها عشقتها فاستمعوا من النفس حديثها». ويقول الدكتور عبد المجيد إن الموسيقى مشجعة مواسية، يبعث لون منها سرورا، ويبعث آخر أشجانا،

وهى التى تهز فى مواكب الأنس، ويسمع أنينها ونواحيها فى مواكب التشييع إلى الرمس، والموسيقى محرك ساكن الألم، كما أنها مظهر من مظاهره، فإن الحزين يبث حنجرته أو معزفة شجوه، فيصدق النغم مثيرا للشجون، مفيضا للشئون، وأى سلطان غير الموسيقى يملك العواطف ويهز المشاعر؟. تلك الألحان الباكية، قد تصل أسباب فجيعة السامع الى فجيعة العازف، وفى وسع هذه الأنغام العجيبة، أن تنسينا همومنا وشجوننا فتضحكنا، بل ترقصنا ثم تبكينا بعد لحظة إنها قادرة، جبارة ليس للإنسان حيالها حول، وما له أمامها من ثبات. وخلاصة القول: «إن الموسيقى الفرحة تجلب الفرح والمحزنة تجلب الحزن»، ثم يبين الشيخ الصفدى فى الفصل الثالث من الباب الأول فضل وتأثير الموسيقى فى الأنفس والنبات، حيث يقول: «ذكر أصحاب الفلاحات فى كتبهم أن النحل يطرب للغناء، وأن أفراحها تستنزل بالصوت الحسن... وأن أرباب الصناعات تستريح وتنشط للغناء بالصوت الحسن، وكذلك الخيل تشرب على الصفير». وقد استشهد المحقق بالكاتب الإنجليزى هدسن الذى يقول: «إن القرود والكلاب والثعالب، وغيرها تبدو فى رقصها بأوضاع مختلفة، فمنها ما تهز أذيالها أو تترنح برأسها، أو تتهادى فى مشيتها أو تخطر بأرجلها حين ترقص، وقد تبدى أصواتا نافذة، ولكنها صادرة ـ كما نحس بها ـ عن إحساس المرح الداخلي، فهى غناء لأنه لا يمكن أن تجيد غيرها، وهى غناء ولأنها لا تفهم من الغناء، ولا تستطيع أن تفهم إلا ما يصدر منها من أصوات تحسبها غناء أو تراها غناء» (راجع جريدة السياسة الأسبوعية العدد 246 ترجمة إبراهيم عبد القادر المازني). ويروى صاحب الأغانى فيقول: «خرج مخارق مع بعض أصحابه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة، مع أحد ممن خرج معه، فسأله إياه فكأن المسئول ضن بها، قال: وسنحت ظباء بالقرب منه، فقال لصاحب القوس، أرأيت إن تغنيت صوتا فعطف عليك به خدود هذه الظباء، أتدفع إلى هذا القوس؟ قال: نعم، فاندفع يغني:

ماذا تقول الظباء أم عهدها بسليمة
مرت به سانحات فما أحارت جوابا
أفرقـــــــــــة أم لقـــاء وفى البيان شفاء
وقد دنا الإمساء وطال فيها العناء

فعطفت الظباء راجعة عليه، حتى وقفت بالقرب منه، مستشرفة تنظر إليه، ومصغية إلى صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل القوس، فأخذها وقطع الغناء، فعاودت الظباء نفارها، ومضت راجعة على سننها (الاغانى للاصفهانى الجزء الـ 20 طبعة الشعب). وقد توصل العلماء إلى تأثير الموسيقى على الاسماك واستخدامها فى صيدها وانتهت أبحاثهم إلى أن هناك أصواتا تجذب الاسماك وأصواتا أخرى تنفر منها. وقد ذكر الجاحظ هذا الموضوع تحت عنوان (تأثير الصوت) فقال: «بالاصوات ينيمون الأطفال والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا ما حدا فى أثرها الحادى وتزداد نشاطها وتسرع فى مشيها، ويجمع الصيادون السمك فى حظائرهم التى يتخذونها لهم، حيث يضربون بعصى معهم، ويعطوطون، فتقبل أجناس السمك شاخصة الأبصار، ومصغية إلى تلك الأصوات التى تدخل الحظيرة». ويذكر المؤلف فى الفصل الثانى من الباب الأول: «أن الصوت الحسن فى النغم الصحيح يسرى فى الجسم، ويجرى فى العروق ويصفو له الدم، وتبقى له النفس فرحة، ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح». ويرى المحقق أن المناهضين للموسيقى كانوا جاهلين قدرها، جامدين عن الشعور بها، غالية فى تفسير معني: عدم تضييع أوقات العمل والعبادة فى مواعيدها، وخاطئين فى حكم الشرع فيها، فالشرع يبيحها إذا لم تحقق على منكر، ونحن لا نستطيب غير تلك الأنغام التى تغذى العواطف الشريفة أطيب غناء، وتنمى قوى الخير أحسن نماء، وتعزى الإنسان أحلى عزاء، وتفرج عن النفس ألطف تفريج وتطرب المشاعر أبرأ تطريب.

نقلاً عن

بديع خيري وظهور الكوميديا الاجتماعية

في أجزاء من مذكراته يقوم بديع خيري، بوصفه أحد رواد كتابة الكوميديا المسرحية والنابغين في هذا الفن، بتحليل ألوان المسرح الكوميدي التي كانت سائدة في ذلك

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة