آراء

نحو قانون يحمي المجتمع ولا يهدمه

1-3-2021 | 16:42

منذ أن تعلمنا على أيدى أساتذة عظام فى القانون، عرفنا أن القاعدة القانونية تتسم بعدة سمات، أهمها الدقة فى الصياغة والوضوح فى المعنى، وعدم التضارب مع قواعد قانونية سارية، أو أعراف مستقرة تنظم حركة المجتمع، وأنها تحدد حقوقاً وواجبات والتزامات لا تتعارض مع الدستور أو القوانين السارية، وأن يكون هدفها الأسمى هو تحقيق مصالح المجتمع وتنظيم حركته بما يزيد من تماسكه واستقراره، وأن يرضى بها الجميع ولا تفرق بين فئات المجتمع، فضلا عن أهمية النظر إلى عنصر الزمن والتوقيت الأنسب لوضع القانون أو تعديله وتيسير تطبيقه.

وإذا أسقطنا تلك السمات المستقرة فى علم القانون وضوابط التشريع بما يجرى من جدل عاصف حول تطبيق التعديل الخاص بالمادة 35 مكرر من قانون الشهر العقارى، المتعلق بإشهار الوحدات العقارية، وعدم الاعتراف بالعقود الابتدائية التى هى عقود قانونية أصيلة، وعدًها لا قيمة لها سوى بين الموقعين عليها، وإنها كالزواج العرفى ولا يعترف بها أحد حسب تعبير أحد كبار مسئولى الشهر العقارى، ومنع توصيل المرافق الحيوية كالمياه والكهرباء والغاز وعدم تقديم الخدمات للعقار غير المُشهر، والنظر إليه ولمن يملكه بصفته عقارا فى الهواء، ومالكه بوصفه مواطنا معزولا لا تعترف به الدولة ولا يعنى الحكومة فى شيء، لاستنتجنا بكل بساطة أن هذا التعديل رغم ما فيه من فلسفة ضمنية إيجابية تهدف إلى حماية الحقوق وتوفير مصادر دخل ممثلة فى الضرائب والرسوم للموازنة العامة، ومحاصرة أوجه التحايل العقارى، إلا أنه يصطدم مباشرة بالهدف المرجو وهو استقرار المجتمع وتماسكه ورفع مستوى الثقة فى الحكومة، وأدى فعليا إلى وضع عكسى أثار البلبلة ومنح بكل بساطة المتربصين بمصر أسبابا أخرى للصيد فى الماء العكر، وإثارة الناس ونشر المزيد من الإشاعات والأكاذيب استنادا إلى النص القانونى نفسه، والتصريحات ذات الطابع الاستفزازى التى أرادت إقناع المواطنين بالخضوع للتعديلات وتكاليفها المبالغ فيها وزجهم إلى المحاكم وتحمل التوتر وكأنهم لا حساب لهم فى تركيبة الوطن ومسئوليات الدولة تجاههم.

ببساطة شديدة، هناك صدام مباشر بين تفسيرات تطبيق تلك المادة والدستور، إذ كيف تمنع الحكومة المواطنين من الحصول على الخدمات الحيوية التى يفرض الدستور على الحكومة وكل أجهزة الدولة أن توفرها للمواطنين، وتعمل على تيسير الحصول عليها نظير الضرائب المتعددة التى تحصل عليها من جميع الأنشطة الحياتية، والتى يعرف الجميع أنها أكبر جدًٌا من تلك التى تتحصل عليها الدولة من إشهار العقارات المبنية. وهل يتصور أحد أن مالكا لديه عقد ابتدائى ودخل فى دوامة الإشهار الإجبارى ومتطلباته من مستندات عديدة وتواصل مع جهات حكومية متنوعة تصل إلى ست جهات لكل منها تعقيداتها الإدارية المشهودة التى قد تصل إلى عام أو أكثر للوفاء بها، فضلا عن تكاليف الإشهار الباهظة المباشرة وغير المباشرة التى لا يقدر عليها الغالبية العظمى من المالكين البسطاء، فهل يُتصور أنه سيظل هو وأسرته بلا كهرباء أو مياه أو غاز لحين إرضاء الشهر العقارى، وهل هذا العقاب غير الدستورى سيجعله مواطنا راضيا وواثقا فى حكومته، أم أنه سينظر إليها نظرة غضب واستنكار، وربما أكثر من ذلك.

ومن خلال الشروح الرسمية العديدة يتبين أن تطبيق المادة الـ 35 مكرر يتضمن تمييزا بين فئات المواطنين، إذ لا تطبق على العقارات فى الريف كالقرى والنجوع، ولا على عقارات المجتمعات العمرانية الجديدة بصفتها خاضعة للقانون من قبل، وبالتالى فتطبيقها يقتصر على فئة المواطنين غير الريفيين وغير القاطنين فى الأراضى التى خصصتها الدولة للمستثمرين الأفراد أو الشركات، وهو تمييز يؤكد أن شمول القاعدة القانونية ليس موجودا،

وبالتالى فهى تخلو من سمات القاعدة القانونية السليمة. صنع القانون ياسادة ليس فكرة عابرة تُصاغ وتُبرر وفق عبارات إنشائية، إنه حركة حياة، لابد أن تسبقه دراسات وافية وتقييم إنسانى ومجتمعى لنتائجه المرجوه، وأن يُبنى على معلومات واقعية تستهدف مصلحة المواطنين قبل مصلحة الحكومة، التى وإن فقدت ثقة المواطنين ورضاهم، سوف يدفع الجميع ثمنا باهظا، مررنا به من قبل ولا نريد له أن يعود. وحسنا تفعل الحكومة ونواب البرلمان الموقرون أن يسارعوا بتعديل تشريعى يراعى مجمل الظروف التى تعيشها مصر فى الداخل، ومجمل التحديات والتربصات التى تحيط بها فى الخارج. وإلى حين إقرار تعديل تشريعى منضبط، خاصة ما يتعلق بنسبة 2.5 فى المائة المقررة فى القانون رقم 226 لسنة 1996 من قيمة التصرف أو البيع أو قيمة العقد الابتدائي، وايضا بإعادة النظر فى تعديل المادة «35 من قانون الشهر العقارى محل الجدل والإثارة الراهنة، فلا مفر من الناحية العملية سوي إصدار قرار بإيقاف العمل بهذه المواد الإشكالية، وأن يبدأ حوار مجتمعي شامل حول ضمان الحقوق والملكيات العقارية، وحق الدولة فى فرض ضرائب مناسبة غير مبالغ فيها، ومنع الرسوم التى تقررها أى نقابة بالمخالفة للقانون الخاص بها، وأن يُؤكد ذلك دون مراوغة أو أي حسابات أخرى، خاصة النقابات التى لا تقدم خدمة مباشرة للمواطنين، وانما تستفيد من المنازعات بينهم. والمهم أن يتوقف التهديد بعدم توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وأن تُتاح بكل يسر وسهولة ودون أي مصاريف إضافية عما هو معمول به.

فضلا عما سبق فعلى الحكومة أن تستمر بتطوير مرافقها الادارية قبل ان تزيد من أعبائها، وأن تتضمن الاجراءات الجديدة تسهيلات حقيقية وليست وهمية، وأن تنصف المظلومين من أصحاب العقارات القديمة الذين تحملوا ظلما بينا طوال الأعوام الستين الماضية وما زالوا ولا يجدون من ينصفهم من أصحاب القرار، ويبثون شكاواهم إلى العلى القدير وينتظرون العدل ممن يملكون القرار، وألا يكون هدف الاجراءات الجديدة المنتظرة، فقط جمع المزيد من الأموال فى وقت توقفت فيه أنشطة اقتصادية عديدة بفعل جائحة كورونا التى سترافقنا سنوات عديدة مقبلة. ولا أعتقد أن ما تمر به مصرنا الحبيبة يسمح بترف العبث باستقرار المجتمع وتماسكه نظير جمع عدة ملايين من الجنيهات لن يكون لها أدنى قيمة، إن فقد الناس قدرتهم على التحمل، وضاع منهم الأمل بمستقبل أفضل لهم ولأبنائهم.

نقلاً عن

أوهام خريطة التمدد التركي

فى عام 2009، أى قبل 11 عامًا كاملة نشر مركز ستراتفور للأبحاث الأمريكى، والذى يُنظر إليه كتابع للاستخبارات الأمريكية، كتابًا لجورج فريدمان مؤسس المركز بعنوان

الانتقادات الروسية لدمشق.. وما وراءها

الانتقادات الروسية لدمشق.. وما وراءها

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة