آراء

التطوير بدلا من تصفية شركة الحديد والصلب

28-2-2021 | 18:15

لدى كل دولة ما تفخر به من منجزات ومشروعات قومية كبرى تم إنشاؤها بجهود وسواعد وتضحيات أبنائها. ومن خلالها تبنى الدولة نهضتها وتخوض تحدياتها، وتراكم إنجازاتها، وتؤمن مستقبل أبنائها، وتصبح فى منعة من تسلط وتحكم الخارج والداخل، ولقد كان الرئيس جمال عبدالناصر، ومن بعده الرئيس السيسي مؤمنين بأن بناء الدول لابد أن يقوم على أكتاف أبنائها، وبتبني إستراتيجية الاكتفاء الذاتي، وأن ذلك لا يمكن له أن يتحقق دون أن يكون للدولة دور رئيسي في ذلك.

انطلاقا من تلك الرؤية، اهتمت ثورتا يوليو و30 يونيو بإنجاز مشروعات قومية كبرى، تعبر من خلالها مصر لمستقبل يستحقه شعب مصر العظيم، ويجعل الدولة المصرية قادرة على مواجهة تحدياتها داخليا وخارجيا، وتبقى القرار المصرى بأيدى المصريين.ولقد تركت لنا ثورة يوليو إرثا ضخما من المشروعات الاقتصادية العظيمة، التى صارت مفخرة لكل مصرى وعربي، وظلت تؤتى ثمارها لعقود طويلة، ومنها ما هو باق إلى يومنا هذا.

واستطاعت ثورة يوليو أن تجعل من مصر واحدة من أكبر قواعد الصناعة فى العالم الثالث, فأنشأت أكثر من (1000) مصنع عملاق، ووطنت صناعات مهمة فى مصر، واستطاعت أن تجعل المنتج المصرى محل ثقة المستهلك المصرى والأجنبي؛ فقد كانت المحال المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث وأجهزة كهربائية وغيرها.وفى هذا الإطار، ظل إنشاء شركة وطنية متخصصة فى صناعة الحديد والصلب، الحلم الذى راود الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، وعلى الرغم من أن عدد من حلموا بذلك كُثر منذ عام 1932، بعد توليد الكهرباء من خزان أسوان، إلا أنه لم يتم اتخاذ أى خطوات ليتحقق الحلم على أرض الواقع، حتى أصدر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مرسوما بتأسيس الشركة يوم 14 يونيو 1954 فى منطقة التبين بحلوان، كأول مجمع متكامل لإنتاج الصلب فى العالم العربي، برأس مال 21 مليون جنيه.

وفى كلمته بمناسبة افتتاح المصنع 27 يوليو 1958، قال الرئيس عبد الناصر: إن إقامة صناعة الحديد والصلب فى بلدنا كانت دائماً الحلم الذى ننظر إليه منذ سنين طويلة، وكنا نعتقد أنه بعيد المنال، وفى خطب العرش إللى كنا بنسمعها واحنا أطفال صغيرين، كنا كل سنة نسمع الوعود بإقامة صناعة الحديد، وكنا جميعاً نعلم أن الحديد الخام يوجد فى بلدنا.

وظل مصنع الحديد والصلب يعمل لخدمة الدولة المصرية،والقارة الأفريقية والشرق الأوسط والدول العربية، وكان له دور كبير فى إعادة بناء الجيش المصرى بعد نكسة 1967, فكان عنصرا رئيسيًا فى بناء حائط الصواريخ الذى كان من أهم أسباب نصر السادس من أكتوبر، وداعما للصناعة والبناء والتطوير على أرض مصر إلى الآن.لذا، أشد ما يحزننى اليوم أن أشاهد هذا الصرح يتعرض للتخريب والدمار بحجة أنه يخسر، وبغض النظر عن أن هناك مشروعات لا يمكن قياس أهميتها بحسابات الربح والخسارة المالية، باعتبارها مشروعات تسهم فى حماية ودعم الأمن القومي، فإن كل ما سوقه وزير قطاع الأعمال من مبررات لتصفية هذه القلعة الصناعية العملاقة – الحديد والصلب –وحرمان الدولة واقتصادها من أحد أعمدتها الرئيسية بحجة أنه مديون ويخسر، فتلك حجة غير عملية، فهل سبب الخسارة أن صناعة الحديد والصلب صناعة لا تدر ربحا فى حد ذاتها؟! أم أن كل مشكلات المصنع وغيره من شركات ومشروعات القطاع العام سوء الإدارة لمصلحة آخرين؟!.

هناك رجال أعمال مصريون يستثمرون فى قطاع الحديد والصلب، ويحققون أرباحا خيالية، رغم أنهم لا يملكون مزايا تتمتع بها الدولة، مثل الخبرة، والطاقة، والعمالة المدربة، المواد الخام منخفضة التكلفة وغيرها من المزايا التى تجعل للدولة مزايا تنافسية هائلة مقابل القطاع الخاص.

إذا، القضية هى الإدارة، و يجب ألا نكرر خطايا الماضي؛ فجميعنا يدرك جيدا أنه كانت هناك سياسة ممنهجة منذ سياسة الانفتاح الاقتصادى التى دشنها السادات، واستمرت بعده لتصفية القطاع العام المصرى لمصلحة طبقة جديدة من بعض رجال الأعمال, الذين فتحوا السوق المصرية على مصراعيها أمام التوكيلات الأجنبية، والاستيراد العشوائى واللامحكوم من الخارج، فكان لابد من التخلص من القطاع العام ليصبح السوق المصرية، والمستهلك المصرى دون ملجأ ولا ملاذ سوى القطاع الخاص، الذى راكم ثروات خيالية فى فترة زمنية قصيرة جدا، وتغيرت على خلفية ذلك المنظومة الطبقية فى مصر، وتهدد السلم الاجتماعي، لمصلحة طبقة طفيلية جديدة، فى مقابل تقلص وتهميش الطبقة الوسطى رمانة الميزان فى أى مجتمع.

ومع ثورتى 25 يناير و30 يونيو ظن المصريون أن عصر تجريف الدولة المصرية من مقدراتها وممتلكات شعبها صار زمنا مضى، ومع دعم الرئيس السيسى لسياسة عودة الدولة لدعم المشروعات الوطنية، والاستثمار الحكومي، استبشر المواطن خيرا بأن الدولة سوف تستعيد دورها فى الاقتصاد الوطني، وتراكم من جديد مقدراتها، من خلال إعادة هيكلة ما تبقى لها من مقدرات عبر تطبيق منهج اقتصادى يراعى فيه اعتبارات الأمن القومى المصلحة العامة ومن بعده الربح والخسارة، وإدارة ذات كفاءة تتلافى مشكلات ما مضى. بتصريحات خبراء الاقتصاد، شركة الحديد والصلب تمتلك من الأصول ما يلزم لإعادة هيكلتها، وتطويرها لتصبح واحدة من أكبر شركات الصلب فى المنطقة والعالم. فدعنا من قصة سوء الإدارة التى صارت غير مقنعة، ففى مصر كفاءات قادرة على إدارة الشركة بإمكانياتها الحالية، وجعلها تحقق أرباحا كبيرة، واستعادة بريقها، واسترجاع دورها المفقود كأحد معاقل وقلاع صناعة الحديد والصلب فى الشرق الأوسط التى أسسسها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر منذ ما يقرب من 70 عامًا.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة