آراء

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

28-2-2021 | 16:19

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين، ولا يستطيع، لأن فيروس الفساد شديد الخبث والتلون والتكيف والتحور، لم يكتشف له العالم ترياقا حاسما، خاصة فى المجتمعات التى يحيط الفقر بأعداد غير قليلة من أهلها، ويمكن أن يعلق القانون فيها على مشانق الإهمال والتحايل عليه، ولا يبق سوى الإجراءات الاحترازية شديدة الصرامة، للحد من انتشار الفيروس.

وقصة جراج العقار ٨٩  أبراج الشروق بحى حدائق القبة تصلح نموذجا لشطارة هذا الفيروس الذى يربك حياة الناس ويعطل عجلة التنمية ويشوه جمال الحياة، إذ صدر له فى ١٨ يناير ٢٠٢١ قرار من لجان محافظة القاهرة بتغيير نشاطه من جراج إلى تجاري، بالمخالفة لقانون التصالح وتوجيهات رئيس الجمهورية وتعليمات رئيس مجلس الوزراء وتصريحات محافظ القاهرة نفسه. العقار بنته هيئة الأوقاف المصرية على مساحة تزيد على ثلاثة آلاف متر مربع، يتكون من ٢٥٣ شقة على جناحين أ وب، كل جناح له مدخلان، وأسفله جراج، باعته فى مزاد عام، دون ملكية الأرض كما هو الحال مع كل أملاك الأوقاف، ولا يجوز تعديل أو إحداث أى تغيير فيها وإلا تَلغى الهيئة العقد وتسترد ما باعت.

من أول يوم رسا فيه المزاد على مشترى الجراج قبل ٨ سنوات، وهو يفكر فى تحويل نشاطه إلى تجاري، فيسترد ما يدفعه من مقدم وأقساط على عشر سنوات أضعافا مضاعفة فى مدة أقل.. وبالفعل طرد سيارات سكان العقار من الجراج وأغلقه، فجرى السكان على حى حدائق القبة وأبلغوه بالمصيبة، وسجل الحى المخالفة رقم ٢٣١ لسنة ٢٠١٤ وأصدر قرار إزالة رقم ١٤٢٥٠ لأعمال خفيفة بدأت لتغيير واقع الجراج. فى الوقت نفسه اتصل بعض سكان العقار بمجلس الوزراء أيام المهندس إبراهيم محلب، الذى كلف لجنة من وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية بالتفتيش على العقار وكتبت تقريرا لمصلحة الجراج. وتوقفت عملية التحويل تماما.

لكن الجراج  ظل مغلقا فى وجه السكان، فقام سكان الجناح أ من العقار، ولهم حيثية كبيرة، بفك الارتباط بين مالك الجراج وهيئة الأوقاف فى الحيز أسفل الجناح الخاص بهم، لكى يريحوا أنفسهم من وجع الدماغ نهائيا، وفتحوا (جراچهم). وبقى سكان الجناح ب عاجزين أمام إصرار مالك الجراج على غلقه، والحى عمل نفسه من بنها، والأوقاف رفعت يدها، فهى أخذت فلوسها ونامت عن متابعة أرضها.فى عام ٢٠١٦ انتقلت ملكية الجراج إلى مالك جديد، كتبت له هيئة الأوقاف عقدا فى شهر مايو ٢٠١٦، فأملاك الأوقاف لا تباع لمشترين جدد إلا بعقود منها، ومن بنودها أن يستعمل الطرف الثانى العين المبيعة فى الغرض الذى أُعدت من أجله، ويقر أنه عاين العين معاينة تامة نافية للجهالة، ويمتنع عن التنازل عنها أو تأجيرها إلا بعد موافقة السلطة المختصة بالهيئة. باختصار يقول عقد هيئة الأوقاف إن المالك اشترى جراجا بعد أن عاينه، وليس به أى نشاط تجارى من أى نوع.

وظل الجراج استثمارا معلقا يترقب الفرصة، فمن المؤكد أن مياها كثيرة سوف تجرى فى نهر الحى والمحافظة، فالأشخاص يتغيرون والدنيا قلابة والقانون يسهل التفاهم معه، خاصة أن الواقع والتجارب والمفاهيم تشى بأن المغريات قادرة على فتح باب الشيطان يوما ما، فيعبرها الجراج ويخرج من الجانب الآخر نشاطا تجاريا. خمس سنوات حتى حانت اللحظة الذهبية..ومتى؟ فى الوقت الذى قررت فيها الدولة المصرية أن تسد أبواب الشيطان فى وجه مخالفات البناء، وأن تعيد للعمران المصرى احترامه للقانون والعدالة، وأن تزيل بقدر ما تستطيع عمليات التشويه التى أجراها الفاسدون عشاق القبح لأكثر من أربعين سنة.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسى يفتتح واحدا من أهم مشروعات الدفاع عن إنسانية المصريين من سكان العشوائيات وهو الأسمرات ٣، وقال فى شهر يوليو الماضي:(عصر الفوضى فى مخالفات البناء انتهي.. والجراجات اللى مش شغالة هناخدها، أقول لمحافظ القاهرة والإسكندرية الدنيا متسابة). كانت تعليمات الرئيس واضحة بعد أن تحولت القاهرة إلى جراج ضخم، بسبب غلق آلاف الجراجات وتحويلها إلى مخازن ومحال ومقاه وكافتيريات وأشياء أخرى بالفساد، وكان الرئيس يستكمل مشروعه الكبير لإنقاذها من فوضويتها واختناقها والذى بدأه بسلسلة الكبارى الجديدة.. وصاحب تعليمات الرئيس قرار وقف البناء تماما لستة أشهر. لأسباب تبدو مجهولة وربما معلومة قفز قرار لجان محافظة القاهرة من فوق السور متحديا توجهات الدولة، بتغيير نشاط الجراج إلى تجاري، القرار رقم ٢٣٤ فى ١٨/١/٢٠٢١ على مساحة ١١٦٧ مترا مربعا.

وعثرت لجنة المصالحة على حجة جهنمية وهى المخالفة القديمة جدا رقم ٢٣١ لسنة ٢٠١٤، التى لا تخص مالك الجراج الحالي، والذى اشتراه بعد عامين من هذه المخالفة، بعقد من هيئة الأوقاف، وعاين الجراج وقتها معاينة نافية للجهالة. والمدهش أن مستند المصالحة أورد رقم قرار الإزالة الصادر فى ٢٠١٤، كما لو أن قرار الإزالة لم ينفذ. والأكثر دهشة أن اللجنة الهندسية كتبت تقريرا ـ حسب كلام مسئول لسكان الجناح ب ـ قالت فيه إن المساحة لا تصلح جراجا بسبب تداخل أعمدة العقار. ولو كانت هذه اللجنة مشت بضعة أمتار، لاكتشفت أن الجناح أ فيه جراج يعمل فعليا ولم تعق الأعمدة صلاحيته. قطعا حاول سكان الجناح ب من أبراج الشروق أن يردوا المصيبة عن أنفسهم، محال على مساحة أكثر من ألف متر مربع يعنى تكاتك وميكروباصات وزبائن بالمئات والآلاف وشارع شبه مغلق، وربما بعد فترة يجدون مقاهى وكافيتريات وأغانى مهرجانات، فهرعوا إلى الحي، فخلع الحى يده ونفى عن نفسه المسئولية مع أنه هو الذى أحيا مخالفة ميتة وشبعت موتا، وقال: اسألوا المحافظة، المحافظة قالت: هذه إجراءات قانونية، فقالوا للمسئول: إجراءات باطلة بالتحايل والتدليس ولا تتفق مع الواقع على الأرض، قال المسئول: لنا الورق.

والسؤال: كيف صدر قرار ضد القانون وتوجهات الدولة وتعليمات السيد الرئيس؟

هل عرفتم لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟ الإجابة متروكة لكل من يهمه الأمر.

نقلاً عن

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة