تحقيقات

هل تتحطم أحلام آبى أحمد على صخرة الفشقة؟ الخرطوم ترفض أطماع أديس أبابا

27-2-2021 | 16:07

عبد الفتاح البرهان وآبي أحمد

عبدالخالق صبحى

ربما لم تواجه إثيوبيا في تاريخها أزمات سياسية داخلية وخارجية وصراعات عسكرية مثلما هو حادث الآن، فهذا البلد الإفريقي الكبير منخرط في حزمة من الصراعات الناتجة عن السياسات التي تنتهجها حكومة أديس أبابا برئاسة آبي أحمد، إضافة إلي أزمات أخري موروثة من منتصف تسعينيات القرن العشرين.


ولعل أبرز هذه الأزمات المواجهات العسكرية التي تحولت إلي حرب شاملة تستخدم فيها كافة الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطائرات المقاتلة بينها وبين جارتها السودان علي طول الحدود المشتركة بينهما والتي يبلغ طولها أكثر من 1600 كيلومتر، والتي يرجع السبب الرئيس لها استيلاء ميليشيات إثيوبية مسلحة ومهجرين إثيوبيين علي أراض سودانية منذ أكثر من ربع قرن في إقليم الفشقة السوداني، فجرتها الأوضاع الأمنية الهشة الناتجة عن الصراع العسكري بين الجيش الاتحادي الإثيوبي وقوات الجبهة الثورية لتحرير تيجراي التي بدأت نوفمبر الماضي، وما ترتب عليها من لجوء آلاف الإثيوبيين إلي الأراضي السودانية هربا من جحيم الحرب، الأمر الذي دفع بالسودان إلي الدفاع المشروع عن حدوده وعن سلامة مواطنيه واستعادة الأراضي التي استولت عليها إثيوبيا.

وفى هذا السياق، أعلنت الخارجية السودانية الثلاثاء الماضى أن نشر القوات المسلحة للبلاد فى منطقة الفشقة الحدودية مع إثيوبيا هو قرار نهائى لا رجعة فيه، مؤكدة أنه يتعين على إثيوبيا اللجوء إلى القانون إذا اعتقدت أن لها حقا فى الفشقة، مشددة على أنه لا حديث عن وساطة مع إثيوبيا حول الحدود فى هذه المرحلة، إذ إن أديس أبابا لها أطماع فى الأراضى السودانية. بينما قال الناطق الرسمى باسم وزارة الخارجية الإثيوبية ردا على بيان الخارجية السودانية، فى مؤتمره الصحفى الأسبوعي: «موقفنا من الأزمة الحدودية مع السودان واضح ولم يتغير، وهو عودة الجيش السودانى لمواقعه قبل السادس من نوفمبر 2020 ومن ثم الجلوس للتفاوض».

هذا هو النهج الإثيوبى الذى تتبعه حكومة آبى أحمد دائما.. المماطلة واللجوء لمفاوضات لا مبرر لها فى ضوء الحق السودانى الأصيل والواضح فى استرداد أراضيه، وهو المنهج نفسه الذى تتبعه فى كل القضايا والخلافات الدولية، للتملص من إعادة الحقوق لأصحابها، وهو المنهج نفسه التى لجأت إليه فى قضية بناء سد النهضة رغم الأضرار الفادحة التى تعلم يقينا أنها ستقع على دول المصب فى مصر والسودان من دون أى سند من قانون أو شرعية دولية.

ورغم انخراط الجيش الإثيوبى فى المواجهات العسكرية مع السودان والاعتداء على أراضيه إلا أن المسئول الإثيوبى دعا السودان للجلوس والتفاوض وحل الخلافات وديا»، مؤكدا أن بلاده لا ترغب بالدخول فى صراع مع الخرطوم.

مكررا الاتهامات بوجود طرف ثالث يغذى الصراع بين إثيوبيا والسودان بقوله: متمسكون بموقفنا حول وجود طرف ثالث يعمل على تحريك ودفع المكون العسكرى بالسودان للدخول فى خلافات مع إثيوبيا.
المسئول الإثيوبى ترك أصل الموضوع وانصرف إلى الفرع واستحدث قضية جديدة تتمثل فى تلميح غير برئ إلى دور مصرـ دون أن يسميها ـ فى المواجهات الإثيوبية السودانية، وكأنه يتملص من قضية التفاوض على رد الأراضى السودانية للخرطوم ـ مبررا الاعتداء عليها ـ إلى كيل اتهامات لا دليل عليها على الأرض!

واعتبر المسئول الإثيوبى ما وصفه باستغلال السودان لانشغال إثيوبيا بعملية إنفاذ القانون بتجراى وانتهاكه لحدود بلاده! مدعيا وقوف طرف ثالث يدفع المكون العسكرى بالسودان للدخول فى صراع مع إثيوبيا لتنفيذ أجندته الخاصة!
الشاهد فى تصريحات المتحدث الإثيوبى هو المراوغة والمراوغة ولا شيء آخر.

ولو راجع موقف بلاده التى انتهزت فرصة انشغال مصر فى أحداث الربيع العربى حيث شرعت بلاده فى بناء سد النهضة من دون أدنى احترام للمواثيق والمعاهدات الدولية وحقوق دول المصب فى مياه النيل ليضعها أمام أمر واقع، لما تحدث عن موقف الخرطوم بهذه الكيفية.

وكانت إثيوبيا، حذرت يوم الجمعة الماضي، السودان من «خطأ فادح»، داعية إياها إلى «التخلى عن التصعيد والاستفزاز والتوجه نحو تسوية سلمية للنزاع الحدودى بين البلدين»، فيما أصدرت وزارة الخارجية السودانية، بيانا شديد اللهجة، ردا على البيان الإثيوبى بشأن الصراع على الحدود بين البلدين.

وقالت الخارجية السودانية، فى بيان لها، إن «وزارة الخارجية الإثيوبية أصدرت بيانا مؤسفا يخوّن تاريخ علاقات إثيوبيا بالسودان وينحط فى وصفه للسودان إلى الإهانة التى لا تغتفر»، مطالبة إثيوبيا بالكف عن «ادعاءات لا يسندها حق ولا حقائق».

ربما كان يتعين على المسئول الإثيوبى قبل أن يلقى ببيانه الهزيل أن يراجع موقف حكومته التى ورطت البلاد فى مواجهات عسكرية داخلية وخارجية أدت إلى فرار المواطنين الإثيوبيين لدول الجوار هربا من الموت فى صراع طائفى عبثي، والظروف غير الإنسانية التى ترتبت عليه والتى أصبحت حديث العالم.

فقد حذر وزير الخارجية الفنلندى بيكا هافيستو من أن الأزمة فى منطقة تيجراى الإثيوبية، التى تشهد نزاعاً بين السلطات المنشقة والحكومة الفدرالية، تبدو «خارجة عن السيطرة»، وذلك بعد عودته من مهمة بتكليف من الاتحاد الأوروبي.

وأعلن خلال لقاء مع صحفيين فى بروكسل أن «الوضع خارج السيطرة على الصعيد العسكرى والإنسانى والإغاثي».

وقال هافيستو»استمرت هذه العملية ـ فى إشارة إلى الصراع العسكرى بين الجيش الإثيوبى وقوات تيجراى أكثر من ثلاثة أشهر ولا نرى نهاية لها».

وقدم هافيستو تقريرا عن مهمته الاثنين الماضى لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبى الـ27 فى بروكسل.

وأعرب عن أسفه لأن القادة الإثيوبيين فشلوا فى تقديم «صورة واضحة» للوضع فى تيجراي، لا سيما حول تورط إريتريا المجاورة والذى تم توثيقه على نطاق واسع.

وقال إن «قضية القوات الإريترية حساسة للغاية. ولم نحصل على إجابة واضحة بشأن تمركزها أو مدى وجودها».

وتنفى أديس أبابا وأسمرة تورط القوات الإريترية فى النزاع الدائر رغم شهادات مدنيين وعمال إغاثة وبعض المسئولين العسكريين والحكوميين.

وانضم الاتحاد الأوروبى إلى الولايات المتحدة للمطالبة بانسحاب القوات الإريترية.

كرر هافيستو مناشدات المجتمع الدولى للحكومة الإثيوبية للسماح بوصول المساعدات الإنسانية بالكامل إلى تيجراي، بما فى ذلك المناطق الخارجة عن سيطرتها.

وقال: «نحتاج إلى موافقة الحكومة الإثيوبية من أجل التفاوض حول الوصول إلى المناطق التى تسيطر عليها إريتريا والمناطق التى تسيطر عليها المعارضة».

ونبه هافيستو إلى أن السودان المجاور يجد صعوبة فى التعامل مع تدفق عشرات الآلاف من تيجراى الذين فروا إلى هناك وأن هؤلاء اللاجئين قد يرغبون فى الذهاب إلى أوروبا، مشيرًا إلى «بداية أزمة لاجئين جديدة قد تكون كبيرة فى العالم».

وحذر من أنه «إذا لم يتم فعل شيء، فستتدهور الظروف المعيشية وسيصل المزيد من اللاجئين».

وكانت المفوضية الأوروبية قد علقت فى ديسمبر، دفع نحو 90 مليون يورو من المساعدات لإثيوبيا بسبب فشل أديس أبابا فى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بالكامل إلى تيجراي.

فيما ذكرت الأمم المتحدة الثلاثاء أن نحو سبعة آلاف شخص فروا من أعمال العنف الاتنية التى تمزق غرب إثيوبيا، ولجأوا إلى السودان المجاور منذ نوفمبر الماضي.

وسجل عبور ثلاثة آلاف لاجئ الحدود للوصول إلى ولاية النيل الأزرق السودانية المجاورة، واستفاد ألف منهم حتى الآن من المساعدات الإنسانية.

وفى نوفمبر، تمكن بضع مئات اللاجئين من عبور الحدود، لكن العدد تزايد منذ ذلك الحين، وفق مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين.

وأشار المتحدث باسم المفوضية بابار بالوش إلى أن «الوضع تدهور بسرعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية».

وأعمال العنف التى تمزق غرب اثيوبيا غير مرتبطة بتلك التى تشهدها منطقة تيجراى فى شمال إثيوبيا منذ أوائل نوفمبر 2020 بسبب النزاع بين السلطات المحلية والحكومة الفدرالية والتى أجبرت أكثر من 61 ألف شخص على عبور الحدود كذلك للبحث عن ملاذ فى السودان.

بدأت أعمال العنف الأتنية فى غرب إثيوبيا، ولا سيما منطقة ميتيكل، قبل بدء هجوم الحكومة الفدرالية فى تيجراي، وتكثفت خلال العملية، وهو دليل إضافى على التوتر الدامى الذى يمزق ثانى أكبر الدولة تعدادا للسكان فى إفريقيا (حوالى 110 ملايين نسمة) منذ تولى رئيس الوزراء آبى أحمد السلطة العام 2018 والحائز جائزة نوبل للسلام العام 2019.

أكد المتحدث أن «غالبية اللاجئين الذين يصلون إلى السودان ينتمون إلى جماعة جوموز العرقية».

وقال إن المفوضية تمكنت من تقديم المساعدة قرب الحدود لنحو ألف لاجئ يقيمون مع السكان المحليين.

هذا الوضع الكارثى الذى يعيشه الإثيوبيون فى ظل حكومة آبى أحمد تعلم تفاصليه كل دول العالم، تجاهلها المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، فكل ما يعنيه هو التفاوض الودى مع السودان على حقوقه الثابتة فى أراضيه، أما عشرات آلاف اللاجئين المشردين على الحدود الإثيوبية السودانية من المواطنين الإثيوبيين، وضحايا الاشتباكات الدموية من المدنيين، والحقوق السودانية الأصيلة فليست ضمن اهتمامات حكومة آبى أحمد والمتحدث الإثيوبي، ويبدو أنها لا تعنى الكثير بالنسبة للمسئولين الإثيوبيين.

الوضع الإنسانى جراء الصراعات الدموية التى فرضتها حكومة أديس أبابا على البلاد تمضى من سئ لأسوأ، ومن غير الممكن أن يستمر نزيف الدم الإثيوبى والسودانى من دون حساب، ووفقا للمراقبين والمحللين السياسيين، وفى ضوء القلق الدولى من تفاقم الأوضاع الإنسانية فى هذه المنطقة المهمة من العالم، فكل الاحتمالات مطروحة على الأرض وليس على مائدة المفاوضات.

فالسودان متمسكة بحقوقها المشروعة لاستعادة أراضيها بالقوة العسكرية، أما المفاوضات التى تطمع أديس أباب فى البدء فيها مع الخرطوم فلن تثمر عن أية نتيجة ـ هذا فى حال انعقادها ـ اللهم إلا أنها محاولة إثيوبية مكشوفة بغرض المراوغة لكسب المزيد من الوقت من أجل محاولة بدء المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بحوالى 14 مليار متر مكعب من المياه، ومن ثم محاولة تعطيش دول المصب وهى مجرد حيلة للالتفاف لن تنطلى لا على مصر ولا على السودان، ولا على المجتمع الدولي.


الفارون

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة