آراء

العلوم الاجتماعية .. أزمة في الدور أم المكانة؟

27-2-2021 | 17:38

إذا تجاوزنا مؤقتا مسألة الجدل حول تقسيمات العلوم ومعيار هذا التقسيم فإن العلوم الاجتماعية مثل القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والإعلام والفلسفة وغيرها تثير تساؤلاً جديراً بالانشغال حول ما تضطلع به من دور وتحظى به من مكانة. دور ومكانة العلوم الاجتماعية مقدّران فى المجتمعات المتقدمة وبوجه خاص فى أوروبا حيث النشأة والتأسيس وفى أمريكا حيث الانطلاق والتأثير.

وبرغم الجهود الحثيثة للدولة للنهوض بالعلوم الطبيعية والتطبيقية ولتأسيس مجتمع المعرفة فما زال واقع العلوم فى مصر دون مستوى الطموح المنشود. لكن العلوم الاجتماعية بوجه خاص تعانى أزمة ذات أوجه متعدّدة. فالعلوم الاجتماعية ترتبط مباشرة بالواقع الاجتماعى للإنسان أما العلوم الأخرى فهى تنشغل بالطبيعة أو التكنولوجيا أو صحة الإنسان أو الحسابات الرياضية، وبالتالى ليست مطالبة بطرح تساؤلات أو تقديم حلول عن الواقع الاجتماعى للفرد بقضاياه وتساؤلاته عن العدالة والحرية والدين والعلاقة بين السلطة والفرد. فالعلوم الاجتماعية هى المطالبة بالاشتباك مع هذه القضايا الدقيقة التى تتطلب مساحة من حرية التفكير والبحث العلمى قد تصطدم فى بعض المجتمعات بقيود ومحاذير سياسية أو دينية أو مجتمعية ممثلة فى سلطة الأعراف والتقاليد وهى سلطة غير مقنّنة لكنها ذات وطأة شديدة.

أزمة الباحث فى العلوم الاجتماعية لا سيّما لدى المفكرين والأكاديميين فى بلاد العرب هى أنه يفكر بنصف ذهنه فى موضوع بحثه العلمى أو رؤيته الفكرية ويفكر بالنصف الآخر فى كيفية التعامل مع القيود والمحاذير السياسية والدينية والمجتمعية التى تحد من إمكان وصوله إلى آفاق بعيدة فى بحثه العلمى. وقد أفضى هذا الواقع إلى ثلاث ظواهر سلبية وأحياناً مأساوية. الأولى هى أن بعض الذين أخذهم البحث الاجتماعى إلى آفاقه القصيّة قد دفعوا حياتهم ثمناً لتفكيرهم الحر، وهو ما رأيناه بوجه خاص فى أصحاب القلم والفكر من ضحايا التطرف والإرهاب. المفكر أو الباحث الاجتماعى هنا دفع حياته نتيجة تفكيره النقدى الذى اصطدم بسلطة الفكر الدينى. وإذا كان الأمر لا يصل فى جميع الأحوال إلى الاغتيال المادى للمفكر أو الباحث النقدى فقد يتعرض رغم ذلك للاغتيال المعنوى مثل التكفير وغيره من أشكال الاغتيال المعنوى الأخرى.

الظاهرة الثانية هى عزوف بعض المفكرين والباحثين الاجتماعيين عن الكتابة فى القضايا التى تضعهم فى مواجهة مع القيود والمحاذير الثلاثة السابقة فخسر الفكر الاجتماعى وخسرت حركة التقدم فى المجتمع بسبب عزوفهم. أما الظاهرة الثالثة المترتبة على الظاهرتين السابقتين فهى انتشار الكتابات التى تموضع نفسها برفق داخل منظومات المحاذير السياسية والدينية والمجتمعية وهى كتابات تتسم غالباً بالسطحية. والواقع أن شيئاً من هذا لا نجده كثيراً لدى العلماء والباحثين فى مجال العلوم الطبيعية أو التطبيقية لأنهم فيما يبحثونه ويكتبونه فى تخصصهم داخل صوامعهم العلمية ليسوا فى مواجهة مباشرة مع القيود والمحاذير السابقة. هؤلاء محظوظون بتخصصهم العلمى المجرّد الذى لا يشتبك مع قضايا الواقع الاجتماعى.

وجه آخر لأزمة العلوم الاجتماعية يتجلّى فى مكانتها الملتبسة فى أذهان الكثيرين خصوصاً فى الوسط الأكاديمى نفسه مقارنة بالعلوم الطبيعية أو التطبيقية. وهذه مفارقة ربما كانت ترجع ضمن أسباب أخرى إلى نظام القبول فى الجامعات. فقد شاع وراج فى المجتمع أن الملتحقين بكليات العلوم الاجتماعية والإنسانية هم أقل فى المستوى العلمى من نظرائهم الذين التحقوا بكليات مثل الطب أو الصيدلة أو الهندسة. والواقع أن هذا الانطباع السطحى متأثر بحقيقة أن نظام القبول فى الجامعات فى مصر يعتمد على مجموع درجات الطلاب فى الثانوية العامة كمعيار وحيد للالتحاق بكلية دون أخرى، وهو نظام هجرته النظم التعليمية المتقدمة فى أوروبا وأمريكا وغيرها التى يتحدّد فيها التخصص الجامعى بناء على رغبات وقدرات الطالب، والقدرات هنا لا تعنى مجموع درجات الثانوية العامة ولكن تعنى القدرة على اجتياز اختباراته الجامعية فيما بعد حيث البقاء والاستمرار للأقدر والأكفأ. ربما يكون صحيحاً أن نسبة كبيرة من الملتحقين بكليات العلوم الاجتماعية ذوو قدرات بحثية أو علمية متواضعة لكن الحديث هنا ليس عن عموم دارسى العلوم الاجتماعية ولكن على النخب الفكرية والأكاديمية والبحثية فى العلوم الاجتماعية والإنسانية.

والحقيقة أنه يصعب إنكارالدورٌ الكبير الذى يضطلع به علماء ومفكرو العلوم الاجتماعية، وهو دور يتجاوز حدود التخصص الضيق ليصبح دوراً حضارياً وفكرياً واجتماعياً وثقافياً، بل يصبح فى جوهره دوراً ملهماً ومحركاً لقوى التقدم الأخرى فى المجتمع. ولنا أن نتصوّر مثلاً الحضارة الغربية الحديثة بغير جان جاك روسو، ومونتسكيو، وفولتير، وديكارت، وسارتر، وميشيل فوكو، وبرتراند راسل، ونيتشة، وكانط، وجان ديوى، وتشومسكى، وماكس فيبر، ودور كايم، وغيرهم كثيرون. بل وكيف نتصوّر مصر بغير عباس العقاد وأحمد لطفى السيد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكى نجيب محمود، ومحمد حسنين هيكل، وجمال حمدان وصلاح فضل وحسن حنفى. والحاصل اليوم أن هناك اعتقاداً ما بأن الأمم تنهض وتتقّدم بالعلوم الطبيعية والتطبيقية بأكثر من العلوم الاجتماعية، وهو ما انعكس ربما على مكانة هذه الأخيرة فى المجتمع. لعلنا نحتاج إلى تصحيح هذا الاعتقاد غير الدقيق الذى يقوم على اصطناع تفرقة لا مبرر لها بين تقسيمات العلوم التى تتكامل فى الأدوار التى تضطلع بها فى بناء الحضارة ودفع حركة التقدم الإنسانى فليس فى العلوم تراتبية لكن فيها تكاملا وإثراء متبادلا.

فى هذا السياق كان ملاحظاً على سبيل المثال أن وزارة التعليم العالى قد سارعت فى عام 2019 بتنظيم احتفالية حضرها رئيس الجمهورية لتكريم الحاصلين على جوائز أكاديمية البحث العلمى دون أن يحدث الأمر نفسه لتكريم الحاصلين على جوائز المجلس الأعلى للثقافة فى العلوم الاجتماعية والآداب والفنون. وفى عام 2020 حالت ظروف جائحة كورونا دون إقامة هذه الاحتفالية، لكن لعلها تكون فرصة فى الوقت المناسب لإعادة تقليد الاحتفال بعيد العلم حيث يتطلع العلماء والمفكرون والأدباء وحتى أوائل الطلاب لتكريمهم معاً من جانب رئيس الجمهورية بما يمثله من قيمة ورمز باعتباره رأس الدولة، وذلك دون تفرقة بين تخصصاتهم لأن ما يجمع بينهم كجديرين بجوائز الدولة هو ما قدموه من إنجاز وإبداع، وهذه مسألة لا يختلف فيها عالم أو مفكر أو أديب أو فنان.

خلاصة القول إننا نحتاج إلى اقتناع أكبر بدور العلوم الاجتماعية فى دفع حركة التقدم ومنحها مكانتها المستحقة. والواقع أن العالم المتقدم يراجع منذ عقود مسألة التقسيم الثنائى للعلوم إلى طبيعية وإنسانية ويعترف بقدر التداخل والتكامل بينهما، وأهمية تخصيبهما المتبادل. ولعلّ نظرية المفكر الفرنسى ميشيل سير عما يطلق عليه le tiers instruitتبشّر بهذا المكوّن الثالث الهجين من العلوم. إن حركة التقدم الإنسانى فى المجتمع هى تيار شامل تتعدد روافده من العلوم والمعارف لكن يلتقى مصبه فى بحيرة كبيرة باتساع التاريخ والكون هى وحدة المعرفة الإنسانية.

نقلاً عن

الإصلاح التشريعي كضلع في مشروع مصر التنموي

يذكر التاريخ لنابليون بونابرت الفرنسي إنجازين كبيرين، أولهما حركة فتوحاته العسكرية لتأسيس إمبراطورية فرنسية، وهو إنجاز تجاوزه الزمن وربما طواه النسيان،

ماذا يعني القرار الأخير للمحكمة الجنائية الدولية؟

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية فى 5 فبراير الماضي قرارًا بشمول اختصاص المحكمة للأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو

متى نقولها بفخر «صُنع فى مصر»؟

حفلت صفحات الأهرام منذ فترة بمقالات مهمة عن التصنيع فى مصر فضلا عن كتابات وأطروحات تحتشد بها المكتبة المصرية.

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

ماذا جرى للأخلاق فى ديارنا؟

لأن المجتمعات الحية الواثقة لا تخجل من مصارحة نفسها ومراجعة أحوالها ثمة حاجة هذه الأيام لأن نتوقف ونتساءل عما جرى لأخلاق المصريين. فالذى نشاهده ونسمعه

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة