آراء

مراجعات سياسية شيعية

27-2-2021 | 17:32

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى سنوات مضت لكنها أخذت في التبلور بشكل أوضح خلال الشهور القليلة الماضية، جوهر هذه المراجعات هو إعادة النظر فى العلاقة بين الانتماء المذهبى والانتماء الوطني، والدفع في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات؛ أو بمعنى آخر إعادة تعريف الذات بتأكيد المشتركات الوطنية.

وفى هذا السياق جاءت الخطابات الأربعة التى ألقاها عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة الوطنى على مدى الأسبوعين الأخيرين، ففى أحد هذه الخطابات، وكان فى تجمع شعبى كبير، قال الحكيم ما نصه «البعض يخاطبنا بأنكم شيعة، ويجب أن يكون ولاؤكم وخطابكم وعملكم لأبناء جلدتكم فحسب، وأقولها بصراحة وثقة، نحن نفخر بأننا من أتباع أهل البيت عليهم السلام ونتشرف بذلك ...ولكننا نعتقد بأن هويتنا الشيعية لا تُصان وحقوقنا كمواطنين لا تُستوفى إلا بهويتنا الوطنية العراقية الجامعة التى نشترك فيها مع غيرنا من شركاء الوطن ...آن الأوان لنتفق على هوية وطنية جامعة ودولة عصرية يحكمها عقد اجتماعى وسياسى جديد». الاقتباس طويل لكنه مهم لأنه يضعنا فى صورة النقاش الذى يدور فى داخل الطائفة الشيعية، ففى مقابل من يدعو للوطنية العراقية العابرة للانتماءات المذهبية، يوجد هناك من يجعل من المذهب وطنًا له ويحبس نفسه فيه، وهذا هو ما عبّر عنه الحكيم بالقول إن البعض يريد أن يكون الولاء والخطاب والعمل للمذهب ولمصلحة أبناء هذا المذهب على سبيل الحصر.

والواقع أن تماهى فئة من العراقيين مع مذهبهم بشكل مطلق تبدو غريبة لسببين، السبب الأول أن العراق ليس دولة دينية على العكس من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فمع أن شيعة الدولتين ينتمون للمذهب (الإثنا عشري) إلا أن هناك فروقاً أساسية بين النظام السياسى هنا وهناك، فالنظام الإيرانى قائم على أساس ولاية الفقيه الذى يملك صلاحيات سياسية مطلقة بجانب صلاحياته الدينية، وهذا ليس هو الحال فى العراق حيث المرجعية الدينية لاتمارس دورًا سياسيًا إلا فى الأزمات ولا يتخذ دورها طابعاً إلزاميًا كما أنه لا وجود لهذا الدور أصلًا فى الدستور. وبناءً عليه فإن القول بأولوية الانتماء المذهبى على الانتماء الوطنى فى العراق يبدو قولًا غير متسق لأن من المفترض أننا إزاء دولة لها طابع مدنى . السبب الثانى هو أن انكفاء أبناء أى مذهب على أنفسهم يكون عندما يشعرون بأن الدولة لا تنصفهم وتمارس التمييز ضدهم بسبب انتمائهم المذهبى المختلف، وبالتالى فإنهم يضطرون للاعتماد على جماعتهم فى تلبية احتياجاتهم، وفى داخلها يتحقق لهم الأمان كما يتحقق لهم الشعور بالمساواة الذى يفتقدونه. وهذا الوضع بدوره لا وجود له فى العراق لأن شيعة العراق هم فى قلب عملية صنع القرار ويمسكون بزمام السلطة فيه، وبالتالى فإنه لا مجال للحديث عن تمييز ضدهم، لا على المستوى السياسى ولا على المستويات الأخرى الاجتماعية/الاقتصادية والثقافية. وكون بعض شيعة العراق لم يتخلصوا بعد من عقدة المظلومية فهذه مشكلة تحتاج إلى معالجتها ليس فقط لأنها غير صحيحة بالتأكيد لكن أيضاً لأنها كفيلة بإفساد علاقتهم بشركائهم فى الوطن، فحتى يكون الشيعة مظلومين لابد أن يكون فِعل الظلم ضدهم معلقاً برقبة عراقيين آخرين، فمن يكون هؤلاء؟. أكثر من ذلك فإن الشعور بالمظلومية يدفع أصحابه إلى النظر لإيران باعتبارها الشريك المذهبى الذى يوفر لهم الحماية ويضمن لهم الملاذ، وهذا خطير لأنه يضفى مشروعية على الاختراق الإيرانى للمجتمع العراقى. ولنتذكر أن دستور إيران يلزمها بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين فى أى نقطة من العالم، وتعبير الاستضعاف ليس إلا مرادفاً لتعبير المظلومية.

تستحق الدعوة إلى الهوية الوطنية الجامعة اهتمام كل المخلصين من أبناء العراق ومن العرب أجمعين بعد أن تخلوا طويلاً عن العراق ، فهذه الدعوة هى الكفيلة بالحفاظ على كيان الدولة وتماسكها ، وهى وحدها التى تحمى العراق من الاقتتال المذهبى الذى عاناه بما يكفى. وفى هذا الخصوص فإن هناك مايدعو إلى الأمل لكن فى الوقت نفسه فإن هناك ما يستوجب الحذر. أما الأمل فإنه ينبع من وجود قوى سياسية وازنة تشترك مع تيار الحكمة فى دعوته سواء منها من ينتمى إلى التكتلات الشيعية أو من ينتمى للتكتلات السنية، ومن المهم لهؤلاء جميعًا أن ينسقوا جهودهم ليس بقصد دخول الانتخابات التشريعية المقبلة والفوز فيها فقط فهذا هدف تكتيكى قصير المدى، لكن بقصد بناء مستقبل جديد للعراق فهذا هو الهدف الاستراتيچى الكبير. كما ينبع الأمل مما كشف عنه الحراك الشعبى العراقى من تجاوز الاصطفافات المذهبية الضيقة والتركيز على المطالب المشتركة بين كل العراقيين. أما الحذر فلابد منه لأن هناك خصوماً لهذا المشروع الوطنى العراقى الجامع ممن يريدون أن يحشروا العراق حشراً فى معارك إيران الإقليمية والدولية بدعوى أن معاركها هى نفس معاركهم، والحذر ثانيًا ممن يبحثون لأنفسهم عن زعامات داخل العراق من خلال تجديد الحديث عن وحدة الشيعة وإحياء العصبية المذهبية، كما أن الحذر واجب من داعش وأشباهه الذين يريدون إعادة الوضع فى العراق للمربع صفر لأنه لا وجود لهم إلا بشيوع الفوضى.

نقلاً عن الأهرام اليومي

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة