آراء

التشكيك فى السياسات العامة

27-2-2021 | 16:47

هناك أصوات تدعو إلى عدم الثقة في مؤسسات الدولة، وتعمل على التشكيك فيها. هذه الظاهرة ليست جديدة. في كل مرحلة هناك من يشكك في إنجازاتها لسبب أو لآخر، كما أنها ليست حكرًا على المجتمع المصري، حيث تشهد دول العالم، تباين معدلات الثقة، ولكن المؤسسات العامة في الدول الديمقراطية تواجه حملات التشكيك من خلال إجراءات لبناء الثقة، وهو ما ينبغي أن نسعى إليه.

فى المشهد العام تظهر ثلاث صور للتشكيك فى مؤسسات الدولة، يروجها معارضون أو معادون، وبعضها يعود إلى حملات التشكيك، والتشويش، والشائعات التى تستهدف المواطن العادى الذى ليس له موقف سياسى، وإن سُئل عن موقفه، سيكون فى اتجاه دعم الدولة.

الصورة الأولى اعتبار أن كل إنجاز وراءه أغراض خفية، الظاهر شيء والباطن شيء آخر. فمثلا توسعة الشوارع، وانشاء الكبارى، وإصلاح الطرق، وهى جهود غير مسبوقة، يُروج بأنها ليست من أجل تحسين نوعية الحياة، وسهولة الانتقال، ولكن من أجل العاصمة الإدارية الجديدة، وهو أمر يصعب تصديقه، لأن تطوير البنية الأساسية لا يحدث فى القاهرة فقط، ولكن يمتد إلى كل المحافظات، فما علاقة العاصمة الإدارية بتطوير القرى المصرية، أو بناء شبكة طرق متطورة فى الصعيد والوجه البحري؟

الصورة الثانية اعتبار أن وراء كل تنظيم أو قانون هدفا حكوميا يتمثل فى جباية الأموال. يتردد هذا الحديث تقريبا فى كل القوانين والإجراءات التى تتخذ لتنظيم الحياة فى المجتمع التى ضربت العشوائية كل جوانبه. عندما سٌن تشريع قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء، وكذلك التعديلات الخاصة بقانون الشهر العقارى الخاصة بتسجيل العقارات والوحدات السكنية، ساد حديث بأن غرض الحكومة هو جمع المال، ولم يلتفت أصحاب هذه الآراء إلى أن هذه القوانين والتعديلات التشريعية تهدف إلى إصلاح البنية الأساسية التى تضررت من تكاثر المخالفات، وتقنين الثروة العقارية، وبالتالى رفع قيمتها المادية، والحد من المنازعات على ملكية الأراضى والعقارات، والحفاظ على حقوق الأفراد والورثة من اعتداء الغير على ممتلكاتهم. الصورة الثالثة اعتبار أن الحكومة تسعى إلى حرمان المصريين مما لديهم من امتيازات أو خدمات اعتادوا الحصول عليها بأسعار مخفضة أو بالمجان، وهذا أيضا يجب ألا يؤخذ على إطلاقه، لأن جودة الخدمات ترتبط بتقديمها بأسعارها الحقيقية، ويكون الدعم لمن يستحقه، سواء كان نقديا أو عينيا. ما المشكلة إذن؟ لماذا تستمر الصور الثلاث من التشكيك فى مؤسسات الدولة؟

السبب الحقيقى هو عدم التواصل مع المواطن، وبيان الأسباب التى تدعوه إلى الاقتناع بأن هذه الجهود، والقوانين، والإجراءات هى لصالحه فى المقام الأول حاليا، وعلى المدى البعيد. فمثلا، تعديل بعض مواد قانون الشهر العقارى، رغم أنه حدث منذ شهور فى ظل مجلس النواب السابق، لم يٌسمع عنه، ولم تتناوله وسائل الإعلام بكثافة إلا عندما اقترب موعد تطبيقه. لماذا لم نر هذه المناقشات الكثيفة حوله أثناء مناقشة التعديلات التشريعية، أو حتى بعد صدورها مباشرة؟ الأصل فى الأشياء أن النقاش يسبق صدور القانون أو التعديلات؟ نفس الأمر ينطبق على قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء، فقد صدر أولا، ولم يحقق الأثر المرجو، فقام مجلس النواب بتعديله، ثم أعادت المحافظات تباعا تخفيض المقابل المادى للتصالح حتى تيسر على المواطنين. وعندما اقتنع المواطن بجدوى القانون أقبل عليه. الآن يتكرر نفس الأمر مع قانون الشهر العقارى، حيث شكل رئيس مجلس الوزراء لجنة لبحث سبل التيسير على المواطنين، بعد أن أثيرت ضجة حوله على مواقع التواصل الاجتماعى. ليس كافيا أن تتخذ الحكومة إجراءات من أجل المواطن، أو لخدمة الصالح العام، ولكن يجب أن يقتنع المواطن بذلك. ولا يكفى أن تتحدث الحكومة إلى المواطن، بل ينبغى أن تشرح الأحزاب والجمعيات ووسائل الإعلام السياسات العامة للمواطنين- أثناء تداولها وقبل إقرارها، وتحمل أصواتهم، ومقترحاتهم، وشكواهم إلى صانع القرار.

هذه إحدى الآليات التى تلجأ إليها الدول الديمقراطية لبناء الثقة بين المواطن والدولة. نفتقد هذا الدور فى المجتمع المصرى، وهو ما يضع كثيرا مؤسسات الدولة فى موقف الدفاع عن السياسات التى تنتهجها أو تبرير الإجراءات التى تتخذها، ولكن بعد أن يثار حولها ضباب كثيف من الشائعات، والتشكيك فى أهدافها. وكإجراء عملى لماذا لا يكون أحد التزامات عضو مجلس النواب أن ينظم جلسات عامة لمناقشة القوانين فى دائرته الانتخابية قبل إقرارها، سواء على مستوى المجتمع المحلى أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ويحمل آراء ومقترحات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية؟

نقلاً عن

الناس والمستريح والاستثمار

روى لي صديق كان يعمل مديرًا في إحدى الهيئات التي من مهامها تنظيم ندوات ومؤتمرات، بأنه فوجئ يومًا بشخصين يطلبان لقاءه، وعندما جلس معهما تبين أن إحدى عاملات

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة