دنيا ودين

تفسير «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا»

26-2-2021 | 20:49

الامام الشعراوى رحمه الله

يقول الامام الشعراوى رحمة الله فى خواطرة قال تعالي»يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا(52 الإسراء )هذا فى يوم القيامة، حيث لا يستطيع أحدٌ الخروجَ عن مُرادات الحق سبحانه بعد أن كان يستطيع الخروج عنها فى الدنيا؛ لأن الخالق سبحانه حين خلق الخَلْق جعل للإرادة الإنسانية سلطاناً على الجوارح فى الأمور الاختيارية، فهو مُخْتَار يفعل ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويترك ما يشاء، فإرادته أمير على جوارحه، أما الأمور القهرية فلا دَخْل للإرادة بها.

فإذا جاء اليوم الآخر انحلَّتْ الإرادة عن الجوارح، ولم يَعُدْ لها سلطان عليها، بدليل أن الجوارح سوف تشهد على صاحبها يوم القيامة: ‭{‬وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ..‭}‬ (فصلت: 21)،لقد كانت لكم وَلاَية علينا فى دُنْيا الأسباب، أما الآن فنحن جميعاً مرتبطون بالمسبِّب سبحانه، فلا ولاية لكم علينا الآن؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن يوم القيامة: ‭{‬لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار‭}‬ [غافر: 16)
فقوله تعالي: ‭{‬يَوْمَ يَدْعُوكُمْ..‭}‬ [الإسراء: 52] أي: يقول لكم اخرجوا من القبور للبعث بالنفخة الثانية فى الصُّور ‭{‬فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ..‭}‬ [الإسراء: 52] أي: تقومون فى طاعة واستكانة، لا قوْمةَ مُسْتنكف أو مُتقاعس أو مُتغطرس، فكلّ هذا انتهى وقته فى الدنيا، ونحن الآن فى الآخرة، ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: ‭{‬فَتَسْتَجِيبُونَ..‭}‬ ولم يقل: فتُجيبون؛ لأن استجاب أبلغُ فى الطاعة والانصياع، كما نقول: فهم واستفهم أي: طلب الفَهْم، وكذلك ‭{‬فَتَسْتَجِيبُونَ‭}‬ أي: تطلبون أنتم الجواب، وتُلحُّون عليه لا تتقاعسون فيه، ولا تتأبَّوْن عليه، فتُسرعون فى القيام.
ليس هذا وفقط، بل: ‭{‬فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ..‭}‬ أي: تُسرعون فى القيام حامدين الله شاكرين له، ولكن كيف والحمد لا يكون إلا على شيء محبوب؟
نعم، إنهم يحمدون الله تعالي؛ لأنهم عاينوا هذا اليوم الذى طالما ذكَّرهم به، ودعاهم إلى الإيمان به، والعمل من أجله، وطالما ألحَّ عليهم ودعاهم، ومع ذلك كله جحدوا وكذَّبوا، وها هم اليوم يَروْنَ ما كذَّبوه وتتكشّف لهم الحقيقة التى أنكروها، فيقومون حامدين لله الذى نبَّههم ولم يُقصِّر فى نصيحتهم. كما أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والاجتهاد، ثم يخفق فى الامتحان فيأتيك معتذراً: لقد نصحتنى ولكنى لم أستجبْ، إذن: فبيانُ الحق سبحانه لأمور الآخرة من النِّعَم التى لا يعترف بها الكفار فى الدنيا، ولكنهم سيعترفون بها فى الآخرة، ويعرفون أنها من أعظم نِعَم الله عليهم، ولكن بعد فوات الأوان.
ثم يقول تعالي: ‭{‬وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً‭}‬ (الإسراء: 52) الظن: خبر راجح؛ لأنهم مذبذبون فى قضية البعث لا يقين عندهم بها.‭{‬إِن لَّبِثْتُمْ‭}‬ أي: أقمتُم فى الدنيا، أو فى قبوركم؛ لأن الدنيا متاع قليل، وما دامتْ انتهت فلن يبقى منها شيء. وكذلك فى القبور؛ لأن الميت فى قبره شِبْه النائم لا يدرك كم لَبِثَ فى نومه، ولا يتصوّر إلا النوم العادى الذى تعوّده الناس،ولذلك كل مَنْ سُئِل فى هذه المسألة: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، فهذا هو المعتاد المتعارف عليه بين الناس، ذلك لأن الشعور بالزمن فرع مراقبة الأحداث، والنوم والموت لا أحداثَ فيها، فكيف إذن سنراقب الأحداث والملَكة الواعية مفقودة؟
وقد قال تعالى فى آية أخري: ‭{‬كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا‭}‬ (النازعات: 46) ،وقال: ‭{‬قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين‭}‬ (المؤمنون: 112-113) ،أي: لم يكُنْ لدينا وَعْيٌ لنعُدّ الأيام، فاسأل العَادّين الذين يستطيعون العدَّ.
 

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة