ثقافة وفنون

بهاء طاهر.. لماذا خســرته السـينما؟

26-2-2021 | 16:19

بهاء طاهر

علا الشافعى

«أسأل نفسى إن كان ما يزال هناك طفل يحمل الكعك إلى الدير فى علبة بيضاء من الكرتون، وأسأل نفسى إن كانوا لا يزالون يهدون إلى جيرانهم ذلك البلح المسكر صغير النوي؟ أسأل نفسى.. أسألها كثيراً».. تلك الجمل التى ختم بها الراوى قصته فى « خالتى صفية والدير» هى ما تحمل الإجابة عن لماذا الأدب، ولماذا هناك روايات بعينها تصلح للدراما وأخرى لا؟ هى أسئلة نعيد طرحها عند تحويل أى عمل أدبى إلى سينما أو دراما فهناك الكثير من الروايات التى تحمل تلك المقومات.


بهاء طاهر واحد من الكتاب والأدباء الذين لم تقترب السينما أو الدراما من أعمالهم إلا فى نطاق محدود رغم أن أدب بهاء طاهر يصلح لتحويله إلى مختلف أنواع الفنون، فهو يملك هذا الحس السينمائى والفنى فى رسم الصور، والشخصيات والحوار الذكى والمكثف بين أبطال أعماله، وقد يعود ذلك لعمله فترة فى الصياغة الدرامية، والإخراج الإذاعى، فهل يكون السبب أن الأديب الكبير نفسه كان متشددا ويضع شروطا لمن كانوا يفكرون فى تحويل أعماله الادبية إلى نصوص درامية أو سينمائية أو مسرحية مثلما حدث مع الكاتب والمبدع الراحل وحيد حامد عندما حاول شراء حقوق «خالتى صفية والدير» لتحويلها إلى عمل سينمائى ولكن بهاء طاهر اشترط الموافقة على كامل السيناريو وهو ما أدى لتراجع حامد عن المشروع بأكمله؟. فهل بهاء طاهر ينتمى لمدرسة يوسف إدريس والذى كان كثيرا ما يدخل فى معارك قضائية مع صناع السينما الذين عملوا على نصوصه، على عكس الأديب نجيب محفوظ، أم أن الأمر يعود لعوالمه الخاصة والأجواء التى تطلبها بعض أعماله وهو ما يترجم إلى كلفة إنتاجية عالية، تلك العوالم المتفردة هى ما جعلت الأديب الكبير يوسف إدريس ويصفه بأنه كاتب «لا يستعير أصابع أحد»، عندما احتفى بقصته الأولى فى مجلة الكاتب؟.

سواء كان السبب بهاء طاهر نفسه أو الكلفة الإنتاجية العالية التى تتطلبها بعض أعماله إلا أنه هناك خسارة حقيقية من عدم العمل على باقى نصوصه فى السينما أو الدراما، خصوصا أنه بالنظر إلى قائمة أفضل مئة عمل فى تاريخ السينما المصرية نجد أن ثلثها مأخوذ عن أعمال أدبية لكُتّاب كبار، فى مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقى وتوفيق الحكيم ويوسف السباعى ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وطه حسين وغيرهم، وكلما تراجع مستوى الأعمال التى تنتج فى السينما أو الدراما نجد أنفسنا نردد جملا باتت فى نظر البعض استهلاكية ومنها لماذا هذا الانفصال بين الأدب والفنون، لماذا لا يلجأ كتاب السيناريو وشركات الإنتاج للاعمال الادبية بهدف تقديم أعمال فنية راقية.

على مدى سنوات رحلة بهاء طاهر فى الكتابة التى بدأها عام 1964، حيث ظل سائراً على الطريق منذ بدأ خطواته الأولى فأسس بكتابته عالماً متفرداً لذلك عندما تم تحويل نص «خالتى صفية والدير» إلى عمل تليفزيونى حقق الكثير من الشعبية والجماهيرية، وقام ببطولته النجم المبدع الراحل ممدوح عبدالعليم والنجمة بوسى وهو ما حول شخصيات الرواية والعمل التليفزيونى «حربى» و«صفية»، و«المقدس بشاى» إلى أيقونات محفورة فى الوجدان الشعبى.

خالتى صفية والدير تلك الرواية والتى تبلورت فيها مهارة بهاء طاهر السردية التى يرويها صبى، على طريقة الراوى العليم، ونستطيع من خلالها أن نتعرف الى أدق التفاصيل فى عالم الصعيد بين طبقاته وشرائحه المختلفة، خاصة بين الأقباط والمسلمين، ودور الدير فى حماية بطل العمل، «حربى»، من بطش صفية زوجة الباشا.. هى رواية ونص بديع عن الحب والكره والموت عن تناقضات الحياة والمجتمع، وجميعنا لا نتذكر «حربى».. ممدوح عبدالعليم والذى «قفل» الشخصية بقوة ادائه وإحساسه العالى لكل مفردات الشخصية ويصعب أن نتخيل ممثلا آخر فى نفس الدور مسلسل «خالتى صفية والدير»، الذى أنتجه قطاع الأخبار واستمر إنتاجه من 1993وحتى 1994 وصور أيضا بالأماكن الحقيقية ومنها دير «مار جرجس» بقرية المحروسة أو قرية «البلاليص»، كما أطلق عليها سابقا لاشتهاره بصناعة الفخار.

النص الروائى نفسه تم تحويله أيضا إلى عمل مسرحى متميز مثل مصر فى العديد من المهرجانات.

وكان آخر عمل قد تم تقديمه من أدب بهاء طاهر إلى الدراما نص «واحة الغروب»، وتدور أحداثه فى واحة سيوة، إحدى واحات صحراء مصر الغربية، لتكون مسرح أحداثه، حيث يغوص بهاء فى تاريخ الواحة حتى السنوات الأخيرة من القرن الــ 19، ويفتح لنا نافذة نطل منها على مجتمع شديد التعقّد بحدوده وعاداته وطبقاته، يمثّل مادّة خاماً شديدة لثراء لهذه الرواية، وعبر فصول الرواية، نرى مجتمعاً أنهكته الحدود والأسوار. والصراعات الحدود العشائرية.

يتخذ بهاء طاهر من هذه الأرض خلفية لروايته، ثم ينسج أحداثها حول خيطين يستمدهما أيضاً من تاريخ الواحة. أول الخيطين هو حادث انهيار معبدأم عبيدة بالواحة عام 1897، والخيط الآخر هو سؤال يؤرق علماء الآثار عن مكان وجود مدفن «الإسكندر الأكبر»، والنظرية التى لم تثبت صحتها بعد عن وجود هذه المقبرة فى واحة سيوة، يتناول الكاتب هذين الخيطين، بسلاسة وحرفية عالية، ويعقدهما معاً، بربطهما بشخصيتى الرواية الرئيسيتين. الضابط محمود عبدالظاهر، والذى حضر إلى الواحة منفيا وزوجته الإنجليزية كاثرين الشغوفة بالحضارة المصرية.

واحة الغروب هى رواية بديعة وساحرة حقا يأخذها المسلسل ويحلق فى فضاء أوسع وأكثر رحابة وهو.. ما ظهر فى الحلقات الأولى للمسلسل بدءا من التفاصيل الفتية والصورة المبهرة والثراء البصرى والأزياء والديكور والموسيقى والأداء التمثيلى الساحر لخالد النبوى بطل العمل ومنة شلبى وكان السيناريو والحوار لمريم نعوم وهالة الزغندى والاخراج لكاملة أبو ذكرى.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة