تحقيقات

قرى «بسيون» و« قطور» تحت حصار الاحتكار

26-2-2021 | 16:18

> نساء الأسرة يشاركن فى جمع زهور الياسمين

تحقيق ــ أحمد أبو شنب
  • مزارعو النباتات الطبية والعطرية بالغربية: نستغيث من أسعارالتوريد .. ونطالب بتدخل الدولة
  • المصنع الحكومى الوحيد اختفى فى ظروف غامضة..و«الخاص»يتعامل بالبخس
  • الأوقاف رفعت إيجار فدان «اللارنج» إلى 72 ألف جنيه والياسمين لـ 52 ألفا
  • اقتلاع أشجار النباتات الطبية واستبدالها بمحاصيل أكثر ربحية
  • مصر تصدر المادة الخام وتستوردها مُصنعة بأضعاف مضاعفة
  • أصحاب المصانع: تراجع التصدير بسبب ظروف كورونا.. ونريد إعفاء مؤقتا من فوائد القروض
  • الاتحاد الدولى لتجارة الزيوت العطرية: محافظة الغربية تنتج 70% من عجينة الياسمين ومصر الأولى عالميا فى جودتها
  • عمدة قرية شبرا بلولة: الفدان يتكلف سنويا 35 ألف جنيه.. وتوريد كيلو الزهور بـ 30 جنيها !


سكان عشر قرى مصرية بمحافظة الغربية، ارتبطت حياتهم وتوقيتات زواج بناتهم، وكسوة الشتاء والصيف لأهل بيتهم، ومصاريف مدارس أبنائهم، بمواسم تفتح زهور اللارنج، وقطف أوراق الورد والبنفسج والياسمين، وجمع بذور الكمون والكسبرة وعشب حشيشة الليمون، وغيرها من النباتات الطبية والعطرية، التى تمثل زراعتها «أكل العيش» الأساسى للأهالى على مدى سنوات كثيرة، لذا لم يكن مفهوما لماذا بدأت تلوح فى الأفق بشائر التخلى عن هذا النشاط ؟ وكيف طاوعت قلوب البعض منهم على أن يقتلع بيديه غرس الأجداد، غير عابئين إلا بتفادى خسارة بدأت تلاحقهم بسبب الانخفاض الشديد فى أسعار التوريد !

الأهرام قامت بجولة بين عدد من هذه القرى التى تتبع ثمانية منها مركز قطور، وهى: كفر أحمد شلبي، وكفر سعدون، وخباطة، وصرد، وحوين، والشين، وإبشواى الملق، وشبرا بلولة، بينما تتبع اثنتان منها مركز بسيون، وهما قريتا: كوم النجار ونجريج، فى محاولة لفهم سبب الانخفاض الشديد فى أسعارجمع المحصول من المزارعين، فإذا بالسؤال الواحد يتفرع بعد انتهاء جولتنا ومقابلتنا مع عدد من المزارعين لأسئلة عديدة، تناقش أسباب توقف علاقتنا بهذه التجارة العالمية ــ التى يبلغ حجم التداول فى أسواقها سنويًّا نحو 64 مليار دولار، تشارك مصر فيها كدولة مصدرة رئيسية بنحو 158٫54 مليون دولارــ وفقًا لتقرير بحثى صادر عن كلية الزراعة بجامعة عين شمس 2019ــ عند مرحلة التصنيع الأولية، فرغم أن لنا دورا كبيرا فى التصدير، حيث إن 95% من مُستخلَص الياسمين الذى يدخل فى صناعة أرقى العطور فى العالم يأتى من دولتى مصر والهند ــ كما جاء بتقرير الاتحاد الدولى لتجارة الزيوت العطرية لعام 2019ــ إلا أن المحزن أننا لا نصدرللخارج، إلا المادة الخام فقط للنباتات الطبية والعطرية، سواء فى صورة زيوت أو أعشاب مجففة أو عجينة كما بالنسبة لنبات الياسمين، والتى تحتل فيها مصرـ وفقا لنفس التقريرأيضا ـ المرتبة الأولى على مستوى العالم من حيث جودة العجينة، إذ يبلغ حجم إنتاج مصر حاليًّا منها نحو 6 أطنان سنويًّا (كانت قبل بضع سنوات 8 أطنان) وتستأثر محافظة الغربية بـ 70% منها.

لن نقتلع الياسمين

على مرمى البصر بقرية «شبرا بلولة» تستطيع أن ترى كل أنواع النباتات الطبية والعطرية، مثل العِتر، والكمون، والكُسبرة، والميلسا، وحشيشة الليمون، وسلفيا اسكلاريا، وأبو خنجر، إلا أن الغلبة تكون عادة لزهور الياسمين البيضاء التى تسيطر على معظم المساحات برائحتها المميزة، حيث تأتى القرية منذ سنوات بعيدة كما يؤكد المهندس فخرى باز مدير الإدارة الزراعية بقطور، على رأس القرى التى تشتهر بزراعة هذه النباتات، ويوجد بها مصنعان كبيران، ووحدات استخلاص تابعة لشباب القرية والأهالى لإنتاج واستخلاص الزيوت العطرية، خاصة عجينة الياسمين وزيت اللارنج (النارنج) ويضيف: توجد قرى أخرى بالمركز تزرع الياسمين واللارنج وغيرهما من النباتات العطرية الطبية، إلا أن شبرا بلولة تتميز عنها، بطبيعة أرضها، وجوها من رطوبة ودرجة حرارة تلائم زراعة الياسمين، مما جعلها تصدربمفردها نحو 50% من الإنتاج العالمى للزيوت العطرية والطبية، وذلك وفقا لما أعلنه الاتحاد الدولى لتجارة الزيوت العطرية.


> مطلوب الحفاظ على زراعات اللارنج



تحدث إلينا «وافى دويدار» ليس فقط بصفته عمدة شبرا بلولة، وإنما أيضا لكونه أحد كبار مزارعى الياسمين بها، عن هذه الزراعة التى توارثوها أبًا عن جد، إلا أن ما يحدث حاليا ــ يستطرد العمدة ــ لم يمر قط على المزارعين بالقرية، إذ أدى تحكم القطاع الخاص الذى يحصل منهم على الزهور بعد جمعها فى السعر الذى يتم التوريد له به، إلى تحميل المزارعين مالايطيقون، حيث يفرض أرقاما بالاتفاق مع نظرائه من أصحاب المصانع الصغيرة تناسبهم وتحقق لهم أرباحا خيالية، دون النظر لمصلحة المزارع، حتى أصبح خير الأرض لغير مالكها على حد قوله، ويضيف دويدار: حدثت فجوة كبيرة بين الفلاح والمَصنع، بسبب عدم وجود تعامل مباشر إلا مع أصحاب المساحات الكبيرة، الأمر الذى يهدر حقوق المزارع الصغير، مؤكدًا أن أصحاب المُجمَّعات، أى الوسطاء القائمين بتجميع الزهور من المزارعين الصغار، يقومون بالتعاون مع أصحاب المصانع بنشرشائعات بالسعر الجديد قبل عملية التوريد، مما يؤدى إلى بخس المزارع حقَّه، خاصة مع التكلفة العالية التى يتكبدها الفلاح فى خدمة الأرض، مشيرًا إلى أن مَنْ يقومون بعملية جمع زهور الياسمين يحصلون على ثلثيْ سعره، فى حين يحصل مالك الأرض على الثلث المتبقي، ويكون مطالبا مع ذلك بتحمل المصاريف السنوية للتسميد والرى والقص، والتى تصل إلى 35 ألف جنيه سنويًّا للفدان الواحد وربما تزيد، علمًا بأن الطن من زهور الياسمين يعطى ما بين 2٫5 إلى3 كيلو من عجينة الياسمين، بينما الطن من زهور اللارنج (النارنج) يعطى ما بين 1٫3 و1٫7 كيلو زيت لارنج، حيث يتم تصدير الكيلو جرام الواحد بآلاف الدولارات. وطالب عمدة شبرا بلولة الدولة بأن تنظر إليهم بعين الاهتمام والاعتبار، قائلا: كل أملنا أن يتم القضاء على الاحتكار، لأن الوضع الآن يبعث على الأسى، ورغم أن البعض بدأ فى تقليع أشجار الياسمين من أرضه ليستبدلها بمحاصيل أخرى تحقق له عائدا اقتصاديا مناسبا، فإن أغلبنا يرفض التخلى عن ميراث الأجداد ولايزال متمسكا بتلك الأشجار التى نعتبرها جزءا من حياتنا وحياة أسرنا .

مهنة عائلية

(من يونيو حتى نوفمبر.. ستة أشهر فقط هى مصدر دخلنا للعام كله ).. كانت هذه العبارة جزءا من كلام الحاج محمد نصر والذى يعد من صغار المزارعين بقرية شبرا بلولة، حيث يمتلك 13 قيرطا بعزبة الشبراوى التابعة للقرية، ويكمل قائلا: الياسمين هو عَصَب معيشتنا كلنا سواء كنا من صغار أو كبار المزارعين، ورغم أننى أمتلك مساحة صغيرة فإنها كانت سببا فى سترنا وتعليم أولادنا، خاصة أننى لا أحتاج أيادى عاملة، فنحن معتادون على العمل بشكل عائلى فى جمع زهور الياسمين، والأطفال يشاركون من سن ستة أعوام جنبا إلى جنب مع الشباب والعجائز أيضا، ويوضح أن كل فرد يجمع مساحة قيراط تقريبًا، والتى تعطى ما بين 2 و3 كيلو جرامات من زهور الياسمين، ويضيف: الكل يستيقظ فى الثالثة فجرا ونتوجه للأرض لجمع ماتفتح من الزهور البيضاء قبل أن يتسلل شعاع الشمس إليها فيُفسد لونها الناصع البياض، ويجعلها تميل للاصفرار مما يؤثر على لونها وجودة رائحتها عند التصنيع، لذا ننتهى من عملنا فى الصباح الباكر، ويتكررذلك يوميا لمدة ستة أشهر، هى فترة طرح الأشجار للزهور، ثم نتوقف بعدها لرعاية التربة وتسميدها حتى يحين الموسم الجديد، وبالطبع ـ يضيف الحاج نصر ــ نؤجل كل مانحتاجه سواء لزواج الأبناء أو شراء كسوتهم حتى يحين موسم جمع وتوريد الياسمين.

ويوضح أن المصنع هو الذى يحدد السعر، حيث تمت محاسبتنا هذا الموسم بـ30 جنيها للكيلو، بعد أن كان بـ40 جنيها فى الموسم الماضي، كما أن المصنع لم يعد يعطى المزارعين «سُلفة».. وفى كل الأحوال ــ يكمل ــ من الصعب أن نتحول إلى أى زراعات أخرى، خاصة بعد فرض غرامات على زراعة الأرز بالمخالفة للدورة الزراعية، وبعد اختفاء زراعة القطن من منطقتنا، كما أن الذرة يُباع أخضر كعلف للحيوانات.

عودة شراكة الدولة

فى قرية كفر أحمد شلبى كان الحديث مع أيمن عبد الخالق حول المصنع الحكومى الذى كان موجودا بمركز قطور ثم اختفى منذ عقود، قائلا: لا أحد يعلم سبب إغلاق هذا المصنع وتحول جدرانه إلى أطلال قبل أن تختفى تماما ويقام بدلا منه مبان أخرى، ويضيف: لو كان موجودا لكان من الممكن أن يسهم فى كسر احتكار أصحاب المصانع الخاصة، ولذا نطالب بعودة شراكة الدولة فى هذه المحاصيل الإستراتيجية المهمة بقرى محافظة الغربية إن لم يكن بالتصنيع الكامل للزيوت والزهور، فعلى الأقل بالوجود فى مرحلة التصنيع المبدئى باستخلاص الزيوت أوتجفيف الزهور وصناعة عجينة الياسمين.


> مطلوب الحفاظ على زراعات اللارنج



وقال: لاننكر وجود اهتمام بنا يتمثل فى زيارات متكررة لعدد من المسئولين لقرانا بدءًا من الدكتور طارق رحمى محافظ الغربية، والسفيرة نبيلة مكرم وزيرة الدولة للهجرة، والسيد القصير وزير الزراعة، فضلا عن علماء مراكز البحوث الزراعية، ومما يذكر أن قرية «صرد» وهى إحدى القرى التى تشتهر بزراعة نباتات اللارنج والريحان والياسمين، كانت مصنفة ضمن أعلى نسب الهجرة غير الشرعية.

ويتدخل فى الحديث طارق أبو شعيشع مزارع بقرية كفر أحمد شلبي، مشيرا إلى مشكلة أخرى، تتعلق بعدم تحديد سعر توريد الزهور من بداية الموسم، حيث يقوم المزارع أولا بالتوريد للمصنع، ولا يحصل على ثمن ما تم توريده إلا بعد أن يتم تصديره للخارج، الأمر الذى يجعل المزارعين لقمة سائغة فى أفواه أصحاب المصانع الكبيرة المحتكرة لمحصول هذه المساحات الكبيرة من الأرض، بالإضافة إلى مشكلة أخرى مهمة، وهى قيام وزارة الأوقاف بالمبالغة فى القيمة الإيجارية للأرض المملوكة لها، والتى حددتها بـ 52 ألف جنيه سنويًّا لفدان الياسمين، و72 ألف جنيه سنويًّا لفدان اللارنج، مما جعل الكثير يفكر فى العودة للزراعات التقليدية.

كيان تعاونى

عودة الدور الحكومى وشراكة الدولة وتدخلها سيسهم فى عودة الاتزان والاستقرار إلى سوق النباتات الطبية والعطرية بمحافظة الغربية، وذلك وفقا لما يقترحه المهندس جمال سلامة أحد كبار المزارعين، من قيام الدولة بإنشاء مصنع كبير بمدينة «قطور» ليس فقط لاستخلاص عجينة الياسمين والزيوت العطرية والطبية، وإنما لتصنيع العطور أيضًا، وتصديرها كمنتجات نهائية، وليست مواد خام، الأمر الذى يوفر للدولة الكثير من العملة الصعبة، موضحا أنه وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.. فإن مصر استوردت عطورًا ومستحضرات تجميل خلال الفترة من يناير- سبتمبر عام 2018، بقيمة 48٫439 مليون دولار، فضلا عن أن وجود المصانع يوفر فرص عمل لشباب القرية، ويرفع كذلك من المستوى الاقتصادى للمزارعين، مشيرًا إلى وجود مساحة نحو 16 فدانًا بجوار مضرب الأرز تصلح تماما لإقامة هذا المصنع، وقال: حماية مصالحنا كانت تستلزم التكتل، لذا قمنا بتأسيس أول كيان رسمى لنا تحت اسم»الجمعية المصرية لمزارعى ومنتجى النباتات والزيوت العطرية» وهى تتبع الاتحاد العام للتعاونيات بوزارة الزراعة. وتم الإعلان عنها فى اجتماع ضم أكثر من مائتى مزارع ومنتج للنباتات والزيوت العطرية والطبية، على مستوى قرى مركز قطور، موضحا أن من أنشطة الجمعية كذلك تنظيم عمليات جمع الزهور، وتوريدها للمصانع، والعمل على تشجيع التصدير، مع ضرورة الحفاظ على الجودة، مشيرًا إلى أن مزارعى اللارنج والياسمين تحديدا فى عنق الزجاجة، ومساعدة الدولة لهم ضرورة مُلحة، حتى تستمر هذه الزراعات التى تمثل بديلا اقتصاديًّا مهمًّا للزراعات التقليدية.

خسائر اللارنج

وفى قرية خَبَّاطة، حيث تنتشر زراعات اللارنج التى لايزيد موسمها على ثلاثة أسابيع كل عام، وإلا تحولت الزهور إلى ثمار لا تصلح للتصنيع، كان لقاؤنا مع الحاج أنور خضر عمدة القرية وأحد كبار مزارعى اللارنج بها، والذى يعلم تماما قيمة هذه النبتة والفوائد الجمة للزيت المستخرج من زهورها فى مجال الأدوية والصحة والتجميل، إلا أنه يؤكد أن الإبقاء على زراعته فى السنوات المقبلة أمريحتاج لإعادة نظر، محذرا من أن البعض بدأ بالفعل بتقليع أشجاره كما حدث مع أشجار الياسمين فى بعض المناطق بالقرى، وذلك بعد تعرضهم لخسائر فادحة الموسم الماضي، ويشير العمدة خضر إلى أن خدمة الفدان الواحد من اللارنج، والعناية به وتسميده خلال العاميْن الأوليْن لزراعته حتى يُزهر، تكلف المُزارع أكثر من 200 ألف جنيه، حيث تتم زراعة من 350 – 400 شجرة فى الفدان، وتبلغ تكلفة جمع الكيلو جرام الواحد من الزهور 10 جنيهات، ويضاف إلى الأعباء كذلك توقف الجمعيات الزراعية منذ عدة أعوام عن صرف الأسمدة لزراعات اللارنج، بحجة أنه يتبع الحدائق، والحدائق تحتاج إلى تراخيص، والتراخيص متوقفة حاليًّا، ولذلك نطالب ـ يضيف عمدة خَبَّاطة ـ بإعادة فتح التراخيص حتى يمكننا الحصول على الأسمدة،. ويضم صوته بطلب تدخل الدولة بإنشاء معمل تحاليل للزهور العطرية والطبية فى مركز قطور. أن زيوت زهور اللارنج مطلوبة جدًّا فى الخارج، لاستخداماتها العديدة فى مجالات الأدوية والغذاء والصحة.

تجارب ناجحة

الإقبال كبير ومضمون على نواتج التصنيع الأولية للزهور والأعشاب المصرية، وهذا ما كشفت عنه تجربة أحد المزارعين بقرية كفر عطية حيث يقدِّم أنور مرعى نموذجًا ناجحًا للمُصنِّع الصغير للزيوت العطرية والطبية، فيقول: إنه دخل هذا المجال مزارعًا صغيرًا للياسمين واللارنج (النارنج) ثم بدأ فى إنشاء مصنع لاستخلاص الزيوت العطرية، وخاض تجربة التصدير إلى أمريكا، والخارج والتى تتطلب التأكد من جودة المنتجات، وخلوها من متبقيات المبيدات، حيث إن المستورد الأجنبي، يفضل التعامل مع منتجات يتم تسميد زراعتها بأسمدة عضوية، ولذلك فالاستعانة بأساتذة كليات الزراعة وعلماء مراكز البحوث أمر فى غاية الأهمية، ولذلك فإن وجود كيان رسمى مثل «الجمعية المصرية لمزارعى ومنتجى النباتات والزيوت العطرية والطبية»، سيسهل عملية تصدير هذه المنتجات إلى العديد من دول العالم المتقدم.

وأشار إلى أن عدم وجود سوق محلية لتصنيع منتجات النباتات العطرية والطبية فى مصر يفتح المجال على مصراعيه للتصدير.

كما يضرب أيمن عيد (من مدينة قطور) مثالا آخر لمُصنِّع صغير فى مجال النباتات والزيوت العطرية والطبية، مشيرًا إلى أن زراعة اللارنج كانت نادرة جدًّا، وأن أصحاب المصانع هم الذين كانوا يزرعونه، لكن فى السنوات الأخيرة زاد الطلب العالمى على زيت اللارنج، لاستخدامه فى صناعات كثيرة، ومن ثَمَّ زادت المساحات المزروعة باللارنج، وقال: إن المزارعين تكبدوا خسائر كبيرة الموسم الحالى لانخفاض السعر إلى 25 جنيهًا بعد أن كان 80 و60 جنيهًا، مؤكدًا أن السعر العادل لا يقل عن 60 جنيهًا لكيلو زهور اللارنج. وأضاف أنه لضمان استمرارية نجاح المشروع (تصنيع الزيوت العطرية) لا بد من دعم الدولة للمُزارِع والمُصنِّع، وتقديم تسهيلات للمستثمر المصرى كما تفعل مع المستثمر الأجنبي، وذلك – مثلا - بمنحه إعفاء من فوائد القروض لمدة 3 سنوات.

الهند تنافسنا

من جانبها، تؤكد المهندسة شريفة رشاد التى تقول عن نفسها إنها من أكبر مزارعى الياسمين بمصر، حيث تمتلك مساحة 13 فدانا، وهى أيضا مسئولة عن إدارة أقدم مصنع للنباتات والزيوت العطرية بشبرا بلولة، أن صناعة الزيوت والمستخلصات العطرية تواجه تحديات كثيرة ، وأن المهنة فى خطر شديد؛ بسبب المنافسة القوية لدول دخلت المجال، مثل الهند التى لم يكن لها قديما وجود فى السوق، مضيفة: كنا نصدر 80% من عجينة الياسمين والزيوت العطرية، فى فترتى السبعينيات والثمانينيات، والآن تراجع الرقم إلى50% فقط، ، مؤكدةً أنه رغم ذلك فمازلنا نتمتع بوجود كبير ومكانة على الساحة العالمية سواء فى زراعة أوتجارة النباتات الطبية والعطرية، لأننا طوَّرنا من أنفسنا، وأصبحنا نصدِّر للعالم كله، بعد أن كنا نصدِّر لفرنسا فقط،

وتعلق على شكوى المزارعين بانخفاض أسعار التوريد هذا العام، قائلة: ظروف انتشار فيروس كورونا أثرت بشكل كبير فى اقتصاديات دول العالم كلها، كما أثرت على حركة التصديربصفة عامة وعلى مجالنا بصفة خاصة، إذ كان طبيعيا أن يتراجع الإهتمام بمنتجات العطور ومستحضرات التجميل، لظهور أولويات أخرى أكثر أهمية للمستهلكين، خاصة مع تأثر دخول أغلبهم بسبب كورونا، ومع ذلك ــ تستطرد المهندسة شريفة ــ ورغم انخفاض أسعارالتوريد، فإن العائد على الفلاح هذا الموسم من الياسمين يماثل العائد من محصول العنب.

مكاسب التصنيع

ربما لايكون واضحا للجميع أهمية التناول لأى مشكلات قد تؤثر على مستقبل هذه الزراعات، بل والتجارة المرتبطة بها، وكذلك التصنيع، حيث إن غياب مرحلة التصنيع الكامل لدينا لمنتجات النباتات الطبية والعطرية، يفقدنا الكثير من العائد الاقتصادى والطبى لهذه المنتجات ــ وفقا لما يؤكده الدكتور أحمد أبو العطا، مدرس الكيمياء وسُميَّة المبيدات والمتخصص فى النباتات الطبية والعطرية بمركز البحوث الزراعية بسخا ــ مضيفا: يكفى أن نعلم أن فرنسا تقوم باستخراج نحو 75 مركبًا من زيت «العِتر» كما أن نسبة كبيرة من هذه المركبات تدخل فى الصناعات الغذائية كمكسبات للطعم والرائحة واللون، صحية وطبيعية آمنة، ومستحضرات التجميل العلاجية، مثل علاج قشرة الرأس مثلا، فى حين يتم استخدام مركبات أخرى مستخلصة من النباتات الطبية والعطرية فى التصنيع الدوائي، كما فى المُسَكِّنات والمكملات الغذائية وغيرها من الأدوية التى هى فى الأساس مستخلصة من نباتات طبية ولكنها داخل «كبسولة» دوائية

مضيفا: أن مركزيْ قطور وبسيون يتمتعان ببيئة ممتازة لزراعة هذه النباتات، على مستوى الجمهورية، من حيث الحرارة والرطوبة فضلا عن طبيعة التربة،التى تتوافر بها العناصر اللازمة لجودة هذه النباتات،

مشيرا إلى دخول هذه القرى فى منافسة شديدة مع الهند بالنسبة لنبات الياسمين، ومع فرنسا فى البنفسج، ومع تونس فى اللارنج.

ومن جانبه يقول: الدكتور الصيدلى إبراهيم الجوهرى المتخصص فى الكيمياء الطبية، أن مصر بها العديد من كنوز النباتات الطبية والعطرية التى تستخدم فى التصنيع الدوائي، ومنها ما يعالج بعض الأمراض السرطانية، مثل: القرنقل، الذى أثبتت الأبحاث الحديثة أنه يدخل فى تصنيع عقارات مضادة للأورام السرطانية، ومضادات الألم والالتهابات، كما يستخدم فى تصنيع علاجات للثة والأسنان، وكذلك زيت اللارنج الذى يدخل فى صناعات عقارات دوائية مقاومة لنمو الخلايا السرطانية

ويضيف أن زيت ونبات الزعتر يدخل فى صناعات أدوية التهابات الجهاز التنفسي، وأدوية الكحة، ويستخدم كمضاد لجميع الميكروبات والفيروسات والالتهابات الرئوية. أما اليانسون والشمر والكراوية فهى أعشاب تدخل فى تصنيع أفضل أدوية القولون العصبى والجهاز الهضمى.

واستكمالا لجودة هذه المزروعات، طالب الدكتور محمد فتحى سالم، أستاذ الزراعة الحيوية بكلية الزراعة جامعة السادات، المزارعين بالاستفادة من الأسمدة العضوية التى تم إجراء أبحاث عليها بالكلية، وإخضاعها للتطبيق على محاصيل مختلفة بجميع المحافظات، وفى أنواع مختلفة كذلك من التربة الزراعية، وكان لها نتائج واضحة فى زيادة الإنتاج، فضلا عن الاستغناء نهائيًّا عن المبيدات، الأمر الذى يمنح الزراعات خاصة الطبية والعطرية ميزة كبيرة تفتح لها أبواب التصدير مستقبلا على مصراعيها.


وختاما نؤكد أننا أمام ملف يستحق الاهتمام من كل الأطراف، كما يستحق تدخل الدولة وإعادة وجودها وسط مزارعى النباتات الطبية والعطرية، لتعيد بدورها التوازن المفقود.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة