تحقيقات

المستشرقة البولندية أجنيشكا بيوتروفسكا: تنظيم الإخوان نتاج فكر الماركسية والاشتراكية النازية الألمانية

25-2-2021 | 14:17

المستشرقة البولندية أجنيشكا بيوتروفسكا

حوار - إيهاب عمر

مع صدور الترجمة البولندية لمذكرات هدى شعراوي، تكلل الباحثة والمترجمة البولندية الدكتورة «أجنيشكا بيوتروفسكا» تسع سنوات من الإقامة بالعاصمة المصرية القاهرة، متفرغة للترجمة ومشروعها الثقافى برعاية التبادل الثقافى بين بولندا والثقافة العربية بوجه عام ومع مصر على وجه التحديد.


ولم يكن ترجمة مذكرات شعراوى هو عملها الأول، اذ سبق وان ترجمت الرواية المصرية «عمارة يعقوبيان» عام 2008 حينما لازالت طالبة بجامعة آدم ميتسكيفيتش فى بوزنان البولندية، وتحديداً بكلية اللغات الشرقية قسم لغة عربية، ثم اشتغلت محاضرة للأدب العربى واللغة العربية لمدة ثلاث سنوات بعد الحصول على درجة الدكتوراة، قبل ان تترجم رواية «فيرديدوركه» للكاتب البولندى الكبير فيتولد جومبيوفيتش الى اللغة العربية، والتى صدرت عن منشورات الجمل «لبنان» عام 2016 فى اول ظهور لها باللغة العربية، بالاضافة إلى مجلدين ليوميات نفس الكاتب بعنوان «اليوميات»، كما ترجمت أيضا مقتطفات من أعمال ميووش وبرونو شولتز وكابوشتينسكى نشرت فى المجلات الثقافية بالإضافة لكتالوج الكتب البولندية للناشرين العرب وأفلام وثائقية عن الأدباء جومبروفتيش وسلافومير مروجيك وهوجو بادر، وانتهت مؤخرا من الترجمة العربية لتاريخ الأدب البولندى الذى تتمنى أن يتم نشره قريبًا فى دار نشر مصرية وهى أول ترجمة من هذا القبيل باللغة العربية.

كما تضم قائمة اعمالها ترجمة بعض الإصدارات العربية الى اللغة البولندية ليوسف رخا وحسن بلاسم وأمير تاج السر وسنان أنطون، فضلاً عن تأليفها مسرحيتين احداهما عرضت قبل سنة على خشبة المسرح العام فى وارسو.

وفى عام 2017 أسست «المكتبة البولندية العربية» كأول منصة ثقافية بين الثقافة البولندية والعربية بجهودها الذاتية.

وتنبع أهمية مجهودات أجنيشكا بيوتروفسكا فى حقيقة ان الأدب المصرى والعربى فى العموم ظل غائباً عن الترجمات البولندية، رغم ثراء مستوى الدراسات الشرقية فى بولندا الى جانب اسهامات المستشرقين البولنديين فى الحفريات الأثرية فى مصر ودورهم فى تطوير علم المصريات، قبل ان تشهد المكتبات البولندية عشر روايات مترجمة لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ وهذا يمثل تقريبا ربع الترجمات للروايات العربية المتاحة باللغة البولندية.

يثور جدل بين المستشرقين حول تصنيف تنظيم الاخوان المسلمين ما بين حركة تنتمى الى اليمين او اليسار السياسي، برأيك ما هو تصنيف تنظيم الاخوان ايدولوجياً؟
طريقة معالجة هذه المسألة عند البولنديين فوضوية وغير متسقة لحد كبير. خلال الربيع العربى وبعدها بوقت قصير قامت وسائل الإعلام النيوليبرالية، على غرار وسائل الإعلام الغربية، بفرض نظرية «الإسلام المعتدل» وتعاطفت مع الإخوان المسلمين وبعضها يؤيد هذا الرأى حتى اليوم. بينما فى بعض المنتديات الأخرى وخاصة بين منتقدى جماعات الإسلام المتطرفة ظهرت أصوات تتهم الجماعة بـ «الفاشية» والتطرف الدينى اليمينى والارهاب – وهذه الأصوات موجودة حتى اليوم.

أنا مائلة نحو موقف مختلف. بعد أن اطلعت على تجارب البولنديين مع الثورة البلشفية – أقصد بذلك، على سبيل المثال، كتاب الكاتبة البولندية زوفيا كوسّاك «اللهيب» «Pożoga»، التى وصفت فظائع وتعصب البلاشفة مع البولنديين على أراضى فولينيا التى تنتمى اليوم لأوكرانيا – كنت سأرى الاسلام السياسى بالأحرى ينتج عن الأفكار الثورية الماركسية التي، مع ذلك، تتشارك مع الاشتراكية الألمانية النازية الكراهية نحو الليبرالية والبرجوازية والتى بدأت تتبلور فى بداية القرن العشرين. أعترف أننى مهتمة جدا بتأملات المؤلفين العرب حول الفسيفساء الايدولوجية فى العالم العربى بما فى ذلك ارتباطات الإسلام السياسى بالماركسية، وربما يومًا ما سأتمكن من ترجمة شيئا عن هذا الموضوع.

مرت بولندا خلال القرن العشرين بحرب ثقافية حقيقية ما بين تيار يرى بولندا جزءاً من العالم السوفيتى وحتى الروسى لاحقاً، وتيار آخرى يرى بولندا فى الاتحاد الأوروبى وجزءا من الثقافية الأوروبية وتيار ثالث المانى الهوى، كيف ترين وضع بولندا فى تلك الحرب الثقافية، ما هو الأفضل لـ بولندا وهل تلك الصورة لا تزال موجودة فى الواقع الثقافى البولندى ام حسمت تلك الحرب الثقافية عقب انتهاء الحرب الباردة.

لا أعتقد أنه لدينا فى بولندا حاليا أى مشاعر تجاه الفترة السوفييتية ربما باستثناء بعض الدوائر الماركسية الراديكالية الهامشية، وحتى لو كان هناك فى الماضى أشخاص مستفيدين من النظام الاشتراكى ذوى «العقول المعتقلة» كما وصفهم ميوش، إلا أن روسيا السوفيتية بشكل عام تعتبر دولة محتلة. بيد أنه هناك فروق فى الآراء بين الاشتراكيين الديموقراطيين واليمين من حيث نظرتهم للأوضاع فى بولندا خلال فترة الاحتلال السوفيتى وخصوصا أثناء الثلاثين سنة الأخيرة بعد ما يسمى «التحول» عام 1989. بينما التيار الأوروبى حاضر عندنا بقوة، على الرغم من وجود جزء كبير من المجتمع يخشى فقدان الاستقلال ويرغب فى الحفاظ على الخصوصية البولندية ضمن الهيكل التقليدى للدولة. أما بالنسبة لألمانيا، فقد انتقد الكثير الاتجاه المؤيد لأوروبا فى الحكومة السابقة وبالتالى المؤيد إلى حد كبير لألمانيا، تمامًا كما ينتقد مؤخرا الاتجاه الموالى لأمريكا فى عهد الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب التى تمارسه الحكومة القائمة. هناك رأى يحظى حاليا بشعبية لافتة يدعو إلى أن تستخدم بولندا سياسة متوازنة متعددة التحالفات.

مرت بولندا بتجربة رائدة فى التحول الديموقراطى الرأسمالى عام 1989 على يد الزعيم ليخ فاونسا، وجرى فى الشرق الأوسط سلسلة تحولات عام 2011 شبهها الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما بانها مثل انهيار سور برلين، هل هنالك تشابه بين احداث 1989 فى بولندا واحداث 2013 فى مصر على وجه التحديد؟
أولا لا أرى أى تشابه بين احداث 1989 فى دول «الكتلة الشرقية» وتحولات عام 2011 فى مصر. أما بالنسبة لأحداث 2013 فى مصر فأراها فريدة فى نوعها ولا أبالغ جين أقول إنها كانت أول علامة على سلسة من الأحداث المماثلة فى العالم مثل التحول فى مزاج الناخبين الذى أدى إلى تغير الحكومة فى بولندا فى 2015 واختيار ترامب فى انتخابات الرئاسة بالولايات المتحدة 2016 وأظن أن المقارنة مع هذين الحدثين أكثر ملاءمة عن المقارنة مع أحداث عام 1989.

علاقة المثقف بالجماهير نوعان، الأول ان يقود الرأى العام ويصنعه والنوع الثانى ان يتماهى مع الشعبوية ويحاول ان يخلق شعبية عبر ترضية الأفكار الشعبوية والدينية حتى لو كانت متطرفة وبعيدة عن المنظومة الفكرية الثقافية، برأيك الى أى معسكر ينتمى المثقف المصرى والعربي؟
المثقف العربى ينتمى إلى نفس المعسكرات التى ينتمى إليها المثقف فى أوروبا أو بولندا على وجه التحديد، وربما الاختلاف فقط أنه فى العالم العربى أصبحت الثقافة وظيفة أكثر مما هى غاية أو هدف وأتفق هنا فى ذلك مع أدونيس. ولكونى كنت من مرتادى محاضرات «سيد البحراوي» فى كلية الآداب جامعة القاهرة فأنا ملمة جيدا بنظريته عن انعزال طبقة المثقفين عن بيئاتهم الطبيعية منذ بداية مصر الحديثة. غير أنه يبدو لى أن أزمة استقلال المثقف هى ظاهرة عامة فى أوروبا أيضا، وعلى الرغم من أن التبعية غير المرئية للوهلة الأولى، إلا أنها موجودة بشكل أو بأخر والمثقف فى الغرب ليس فى ذلك نموذجا يحتذى به بالنسبة للمثقف المصري.

من بين العديد من الثقافات التى يمكن لبولندا الاطلاع والانفتاح عليها شرقاً وغرباً، الادب الروسى والألمانى مثالاً، اخترت الاهتمام بالأدب العربي، فما سبب هذا الاختيار؟
كنت دائما أهتم بالأدب فقرأت الكثير من الأدب العالمى وبالتالى كنت أهتم بالثقافات البعيدة. لذلك اخترت اللغة العربية كلغة نادرة وغير معروفة فى هذا الجزء من العالم وأنا راجية أن تكون لى فرصة أن أقرأ باللغة العربية وأبحث فى المخطوطات القديمة حول تفاصيل التاريخ والأدب إلخ. وبمرور الوقت ولا سيما بعد أن بدأت دراساتى فى الجامعة وسافرت لأول مرة إلى الشرق حيث زرت بيروت ودمشق والقاهرة والدار البيضاء والضفة الغربية، زاد اهتمامى للدرجة أننى قررت أن أتفرغ لمهنة الترجمة بصورة كاملة.

هل الثقافة العربية مثيرة لاهتمام القارئ والمثقف فى بولندا؟
على الرغم من أن علاقاتنا مع العالم العربى تعود إلى قرون عديدة وأنها كانت مثمرة بشكل خاص خلال فترة النظام الاشتراكى حيث وجد الكثير من المتخصصين البولنديين فرص عمل فى الدول العربية إلا أنها حتى اليوم ليست مباشرة فى وسائل الاعلام البولندية والعربية على حد سواء وتتم من خلال لغات أخرى، أى أنه دائما ما يكون هناك لغة وسيطة مثل الانجليزية. لذلك فإن لدى البولنديين تصورات خاطئة حول الثقافة العربية. على سبيل المثال، من المستحيل تقريبا العثور على مقالات لكتّاب عرب فى أية من المجلات البولندية أو على المواقع الاليكترونية. وللأسف يحب الناس تكرار المعلومات التى لم يتم تحقق منها طالما تؤكد اعتقاداتهم، ومن المفارقة أن ذلك لا يتناسب عكسيا مع مستوى تعليم الفرد ولا يرتبط بالانتماءات الايديولوجية. لكن بالطبع هناك أيضًا أشخاص مهتمون بهذا الجزء من العالم الذين لا يكتفون بالتبسيطات. كما نلاحظ أنه يظهر المزيد من الناس المسلحين بأدوات نقدية قادرين على التصدى لتحديات الواقع العربى المعقد وهذا ما يستقبل استقبالا حسنا عند البولنديين.

ما هى سمات وملامح مشروعك الثقافي؟
المكتبة البولندية العربية هى مؤسسة غير ربحية أسستها لتجمع تحت راية واحدة فعاليات مختلفة متعلقة بالتبادل البولندى العربى فى مجال الثقافة وذلك بسبب عدم وجود معهد للثقافة البولندية فى العالم العربى أو معهد عربى للثقافة العربية فى بولندا. من أهم أنشطتها سلسلة للترجمات من اللغة العربية التى بدأتها للتو بهدف التوسع فى عرض الترجمات العربية للعناوين الجديرة بالقراءة وجعل النقاش العام فى بولندا حول الشرق الأوسط أكثر واقعية وأن أضم إلى هذا النقاش المؤلفين المحليين وإثراءه بمواضيع جديدة. الغرض الرئيسى وراء المشروع هو التواصل المباشر بين الثقافتين فأننى أحرص على أن تنشر ترجمات مع مقدمات مؤلفين من المنطقة العربية حتى تكون لديهم فرصة لإبداء آرائهم. نريد أن نعرض الأدب العربى من خلال أوجه متنوعة ونطرح موضوعات تم تجاهلها من قبل المبادرات التجارية التى تسير فى أحيان كثيرة على مسارات محددة وتتبع اختيارات الناشرين الأجانب بدون اخذ فى الاعتبار خصوصية علاقاتنا بالعالم العربى المختلفة عن التقاليد الغربية الأخرى التى لها سوابق استعمارية.

ما هو موضوع رسالة ماجستير والدكتورة الخاصة بك فى مجال الادب العربي؟
نتيجة لاهتمامى بالفلسفة والتصوف واللغة العبرية تناولت رسالة الماجستير أفكار طائفة الأسينيين بناءاً على مخطوطاتهم وبالمقارنة مع الغنوصية، بينما رسالة الدكتوراه كتبتها عن شعر جيل التسعينيات فى مصر، بملحق يحتوى على أنثولوجيا شعرية بعنوان «أصوات غاضبة» التى حررها بالإنجليزية الدكتور محمد عنانى والتى قمت بترجمتها إلى البولندية. قبل أن أغادر الجامعة، اشتغلت أكثر على المخطوطات وعملت تحقيق لمخطوطة من القرن العاشر للقرائى يعقوب القرقساني.

بعد تلك السنوات من الإقامة فى مصر، بكل تأكيد كان لديك أفكار مسبقة عن المصريين وبعد تلك السنوات، ما هى الأفكار التى تأكدت لديك والأفكار التى تغيرت؟
لا أظن بأنه كانت لدى أفكار مسبقة جديرة بالذكر، فأنا عموما أحاول أن أتعامل مع الناس بدون تنميط وقولبة أو تعميم... ولكن للأسف، حتى بين المثقفين البولنديين هناك متن معين من المعرفة يعتمد إلى حد كبير على الانتاج الثقافى الغربي، وعلى الرغم من أنه لدينا تجربتنا الخاصة، فإننا لم نبدأ فى إعادة قراءة هذه المصادر إلا مؤخرًا. لهذا السبب ولأسباب أخرى الوصول إلى معرفة واقعية عن العالم العربى يأخذ وقتا طويلا حتى لطالب يدرس اللغة العربية. وحقيقة أننى أقابل العديد من البولنديين الذين لديهم آراء نمطية مختلفة عن المصريين، دون أن يسبق له زيارة مصر أو أى دولة عربية، فالكثير منهم على سبيل مثال ينظر إلى المنطقة على أنها كتلة واحدة ولا يميزون بين السياسات التركية والقطرية والسعودية والمصرية إلخ. يمكننى قول فقط أنه بمرور الوقت ألاحظ المزيد والمزيد من أوجه التشابه بين البولنديين والمصريين طبعا مع الاخذ فى الاعتبار السياق الثقافى المختلف.

ما تقييمك لحركة حقوق المرأة والجيل الحالى من النسويات؟
المرأة المصرية لها مساهمات عظيمة على مستوى الحركة النسوية الحديثة. ولكن للأسف نعيش فى واقع تتم فيه مصادرة كل قضية نبيلة لصالح سياسة ما تؤدى إلى خلق صراعات واستقطابات فى المجتمع. وهذا ما يجب أن نكون حذرين منه. وأنا شخصياً أهتم بهذه القضايا من منظور ثقافى وخاصة الطريق الذى خاضته هذه الحركات ابتداء من دعم حقوق المرأة فى إطار القيم المجتمعية السائدة وصولا إلى المطالب الثورية الراديكالية الشائعة اليوم فى الغرب المتعلقة بمفهوم النوع، محو الهوية وتغيير تركيبة المجتمع.

وانت تقرأين مذكرات هدى شعراوي، ما هى ملاحظاتك على تلك الشخصية وعلى زمنها وعلى سيرتها؟
أنا أعتبر هدى شعراوى نتاج لعصر محمد علي، زمن نهضة وتطور مصر. كما أنها أيضا رمز لتحرير المرأة وللتأثيرات الإيجابية للثقافة الغربية، فى هذه الحالة الفرنسية، التى حددت آفاقًا جديدة للأفكار وأنماط الحياة. فى الوقت نفسه حافظت على الاحترام لثقافتها وأرادت أن تنميها. للأسف الدراسات ما بعد الاستعمارية قد اضرتها إلى حد ما. شهدت فترة نشاطها عقب الحرب العالمية الأولى تشابهات عديدة مع أحداث فى بولندا التى تعرضت آنذاك لضغوط ومعضلات مماثلة وكان عليها أن تظهر تصميم هائل من خلال نضال عسكرى وتنظيمى وبحث عن حلفاء أجانب فى وجه القوى الامبريالية وذلك تحت قيادة رواد استقلالنا: المارشال يوزف بيوسودسكى والسياسى رومان دموفسكى والملحن إجناتسى يان باديريفسكي. ورغم أن هدى شعراوى ربما ليست شخصية قريبة منى من ناحية تقاليدها البرجوازية، لكنى أحترم جهودها وإنجازاتها. وبالتأكيد فإن قصة حياتها تحفز على طرح أسئلة معمقة حول تيار العلمانية وقضية التحرر فيما يتعلق بالمنطقة العربية. والأهم أن عملى على ترجمة مذكراتها أعتبره فرصة عظيمة أيضا على صعيد التعاون الرائع مع مثقفين مصريين مثل د. هالة كمال من جامعة القاهرة.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة