آراء

عن حياة عاشق جميل ومحترم

24-2-2021 | 17:30

ها هى مائة عام قد مرت على هدية السماء لنا بميلاد صانع الثقافة المصرية المعاصرة ثروت عكاشة المؤسس الفعلى لأغلب روافد الثقافة التى نقلت مصر من موقف المرآة لما يدور فى العالم من أحداث ثقافية الى تقديم روافد جديدة لا تنقل ما أضافها الأوائل بدءا من رفاعة الطهطاوى مرورا بطه حسين وتوفيق الحكيم، لتصل اللحظات الراهنة بما كان عليه توهج عطاء مصر للكون عبر الأجيال المتتابعة منذ (حور محب) مرورا به الحضارات المتعددة ثم الوصول الى القرن العشرين بما أضافته ثورة 23 يوليو من توهج لأفكار الحرية والكرامة والإنسانية.


محبتى لثروت عكاشة بدأت منذ صيف 1954 وكان العمر الرابعة عشرة وكانت مقالاته بمجلة التحرير أول مطبوعة مصرية تحمل أفكار 23 يوليو، هذه المقالات فتحت أمام مستقبله كيف تستخلص المفيد والمؤثر من عطاءات الأقدمين وإضافات المعاصرين، فعبر كتابات ثروت عكاشة تجسدت أمامى عطاءات الفراعنة وما امتصه المصريون من حضارات الآخرين، وكيف ننقى ما وصل إلينا من انجلترا وفرنسا من شوائب الاستعمار لنرى توهج ما يمكن ان نضيفه للمسيرة البشرية لتصير الحياة رونقا متصلا من الفرح المغموس بالشجن.

عن نفسى لا أنسى تلك المحبة الغامرة التى ملأت قلبى وأنا أتغرد على سماع موسيقى فاجنر وأحاديث ثروت عكاشة عبر مقالاته عن عظمة هذا المؤلف الموسيقى الجليل الذى رأى بعيون المشاعر أجمل ما فى الجنة وأقصى ما فى النار عبر فن الأوبرا.

فقد استطاع فاجنر أن يوجز بدايات ما جرى للخلق منذ قرار استقرار آدم وحواء على الأرض وصولا الى السباحة بنهر الخطايا ليصل الإنسان الى حالة من الصفاء النفسى ليضيف إبداعات جديدة رصينة لمسيرة الحياة البشرية.

تمر الأيام لتجمعنى صداقة حميمة مع ما أضافه د. أحمد عكاشة بالوجدان المصرى والعربى عبر استيعابه بمسيرة أوجاع النفس البشرية، ولم يكن غريبا على شخصى ألا يرى الرابط والروافد التى نبع منها قدرة أحمد عكاشة على اكتشاف جذور الآهات الناتجة من الألم للحياة البشرية، وإذا كان ثروت عكاشة الشقيق الأكبر لأحمد عكاشة قدر البحث المستمر عن الحياة اللائقة لكل البشر فها هو أحمد عكاشة الشقيق الأصغر لثروت تضيف توهج اكتشاف القدرات المبدعة لكل إنسان له القدرة على التأمل والفهم. فمنذ أواسط الستينيات حتى أيامنا هذه وأحمد عكاشة يحمل مسيرة تقبل كل منا بأخطائه وأحلامه ليجعلها خطوات فى طريق السير الى تواصل إنسانى حميم.

عن نفسى لا أنسى خطواتى مساء كل خميس من البانسيون الذى كنت أقيم به بشارع شريف لأصل لدار الأوبرا القديمة لأقضى ساعات مع أول فرقة أوركسترالية مصرية أسسها ثروت عكاشة وكان أجر التذكرة خمسة قروش وكان المايسترو هو (ليتشاور) ثم أخرج بعدها لأمشى من الأوبرا حتى ميدان سيدنا الحسين لأجد مقهى الفيشاوى حيث كان يجلس عبقرى استيعاب الوضع الإنسانى (نجيب محفوظ) وهو الذى يملك استيعاب الوضع البشرى عبر رواياته، لتجرى الأيام فأجد مكتب نجيب محفوظ بجانب مكتب ثروت عكاشة، فثروت هو الوزير، ونجيب محفوظ هو المستشار والموقع هو قصر عائشة فهمى بالزمالك ومن هناك خرجت أفكار تأسيس وتطوير أكاديمية الفنون بما أضافته لنا من إبداعات ثقافية يصعب حصرها بداية من تأسيس ميلاد رصين للعزف الموسيقى الأوركسترالى وفنون السينما وإبداعات المسرح، ولتصبح تلك الأكاديمية هى بوتقة الوعى لا فى مصر فقط ولكن فى المشرق العربى بأكمله.

تنهمر الذكريات كتدفقات فيضان لا يعرف التوقف عن إضافات ثروت عكاشة للحياة الثقافية، فعازفو الموسيقى بالملاجئ تحولوا الى دارسين فى كل إبداعات العالم بالموسيقى العالمية، واستطاع ثروت عكاشة أن يؤسس للسينما رونقها الذى تزدهر به عبر بعثات متعددة لمعاهد السينما العالمية. ولابد أن أعترف بصعوبة تتبع مجالات عطاءات ثروت عكاشة الثقافية، هاهو بناء السد العالى كاد يغمر أحد الرموز الشاهقة لحضارة مصر الفرعونية، ألا هو معبد أبو سمبل فيخرج من ثروت عكاشة نداءات تزيل الغفوة عن عظمة عطاءات مصر الثقافية ويقيم بالفعل حملة عالمية لإنقاذ معبد أبو سمبل، وينجح فى تلك المهمة الصعبة ويتم بالفعل إنقاذ هذا المعبد الشاهد على رونق ما أضافته مصر القديمة لرؤية الحاضر الذى له جذور ويستطيع الوضع البشرى الاحتفاظ برونق الحضارة المصرية القديمة بجانب بناء الأحلام الشاهق المسمى (السد العالي).

تحمل الذاكرة كيف استطاعت ثقافة ثروت عكاشة أن تكشف لنا جوهر الشعور التى حاول الغرب أن يغمر بها مصر فها هو يكشف أسرار العدوان الثلاثى على مصر عبر صداقته مع أحد العقول المؤثرة، ويقوم بتحفيظ سكرتيره الشخصى بكل أسرار المؤامرة على مصر ويرسله مبعوثا للقاهرة ليحكى لعبد الناصر جوهر التآمر للعدوان على مصر، وعندما كان يعمل ملحقا عسكريا لمصر بباريس لم يكن هناك مثقف فرنسى يجهل مائدة عشاء ثروت عكاشة، فيتناول المثقف الطعام المصرى وينتقى ثروت عكاشة ما يمكن أن يضيفه هذا المثقف أو ذاك لمصيرة التصور المصرى ثم ينقل اليه جمال عبدالناصر مهمة إدارة البنك الأهلى المصري، فيضيف لمهام أى مسئول عن حركة المال أهمية أن توجد صلة ثقافية بين الاكتناز والجمال، فيشترى البنك الأهلى الكثير من إبداعات الفن التشكيلى المصرى من لوحات هى ثروات هائلة مازالت مملوكة لهذا الصرح العملاق.

إن احتفال إيناس عبد الدايم ومصطفى الفقى بمرور مائة عام على ميلاد هدية السماء لنا ثروت عكاشة، هو احتفال تليق بتحيته كلماتى ومشاعرى التى رأت فيه فروسية ثروت عكاشة ما يضيف لنا قدرة على تصور مستقبل نقى بلا أطماع. كل سنة وإضافات ثروت عكاشة تضيف لنا توهجا تنير الطريق.

نقلاً عن

الحب الساخن كراهية عميقة

من يتأمل أحوال السياسة يجدها كـالعلاقات العاطفية المتوحشة سريعة الالتهاب عميقة الغضب سريعة الرضا وكمن يقود سفينة الأمل فى الوصول إلى مواني تحقيق الأحلام..

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة