آراء

كلاشنكوف كورونا

24-2-2021 | 17:28

عندما يأتى الحديث عن أشهر منتج يرتبط بروسيا، فكثيراً ما يقفز إلى الذهن اسم كلاشنكوف، وهى البندقية التى قام بتصميمها ميخائيل كلاشنكوف فى أربعينيات القرن الماضى، وأصبحت سلاحاً أساسياً فى عديد من جيوش العالم وحركات التحرير، ولاتزال موجودة فى أسواق السلاح العالمى، ويتم الآن عرض نسخة مطورة منها فى معرض الأسلحة الذى يقام حالياً فى أبوظبى بدولة الإمارات العربية.


العالم يتحدث الآن عن منتج روسى جديد، يرى البعض أنه سوف يكون له نفس شهرة الكلاشنكوف، ولكن فى مجال الطب والدواء، وهو لقاح سبوتنيك في، للوقاية من فيروس كورونا، والذى تم تطويره فى مختبر حكومي، بدعم من صندوق الثروة السيادية الروسي، وتشير الأبحاث الطبية الى تمتعه بدرجة كفاءة عالية، و أعلن التليفزيون الروسى الحكومى أن لقاح سبوتنيك بسيط وموثوق فيه مثل بندقية كلاشينكوف الهجومية.

اللقاح الروسى يتميز بسعره المنخفض و القدرة على تخزينه فى درجات حرارة ما بين 2 و 8 درجات حرارة مئوية، و هو ما يعطيه ميزة تنافسية على العديد من اللقاحات الغربية. و فى هذا الإطار ذكر أحد العلماء الروس فى جامعة سكولتيك فى موسكو أن بساطة وحساسية لقاح سبوتنيك تجاه درجة الحرارة تعنى أنه يستطيع الفوز دائما، كما فعلت بندقية كلاشينكوف.

روسيا أعلنت لقاح سبوتنيك فى نوفمبر الماضى، وقد تم استقباله بتشكك كبير من جانب الأوساط العلمية والطبية خاصة فى ظل السرعة الكبيرة التى تم بها انتاج اللقاح، ولكن خلال ثلاثة أشهر حدث تحول جذرى بخصوص هذا الأمر، خاصة بعد أن نشرت المجلة الطبية البريطانية المرموقة المعروفة باسم لانست، أن الدراسات أثبتت أن لقاح سبوتنيك يتمتع بدرجة فاعلية تصل إلى نسبة 92%، وهى نسبة أعلى من بعض اللقاحات التى انتجت فى الغرب. و بدأت الطلبات تنهال على روسيا من العديد من دول العالم للحصول على لقاح سبوتنيك.

تطوير لقاح سبوتنيك فى روسيا أحدث هزة فى الأوساط العلمية والاستراتيجية فى العالم، وأظهر جانباً من التقدم الروسى لم يكن معروفاً لدى الكثيرين، ومخالفا لما تردده وسائل الإعلام الغربية عما تسميه حالة التردى الشاملة التى تشهدها روسيا، وتراجع مكانتها العالمية.

وأتذكر أننى شاركت منذ شهور قليلة فى ندوة كان ضيفاً فيها أحد الخبراء الاستراتيجيين الكبار بالولايات المتحدة الأمريكية، وفى إجابته عن سؤال بشأن مكانة روسيا فى الشرق الأوسط والعالم وهل الولايات المتحدة تعتبرها منافساً استراتيجياً، ذكر أن الولايات المتحدة تركز على الصين كمنافس استراتيجي، وأن روسيا لم تعد تملك إمكانات القوى الكبرى.

اكتشاف لقاح سبوتنيك جعل العديد من المحللين يقومون بمراجعة وجهة نظرهم بشأن روسيا، خاصة إمكاناتها البحثية والعلمية. وبدأت وسائل الإعلام الغربية تفتح هذا الملف مرة أخرى، وبدلاً من التركيز على الأزمات التى تواجهها روسيا، بدأت تنشر مقالات وتحليلات حول جانب من التقدم الروسي، الذى قد يكون له تأثير على التوازنات الاستراتيجية فى العالم.

أحد التقارير الإعلامية الغربية الذى نشر حديثا فى مجلة الإكسبريس الفرنسية، أشار الى أن روسيا تكافح لاستعادة مكانتها كقوة علمية كبرى بعد الأزمة التى تعرضت لها عقب انهيار الاتحاد السوفيتى، وتدنى رواتب العلماء التى وصلت الى نحو عشرة دولارات شهريا، مما تسبب فى مغادرة عشرات الآلاف من العقول إلى الخارج.

ويقتبس التقرير حديثا لأحد العلماء الروس يقول فيه: لقد تحسنت الكثير من الأشياء فى السنوات الأخيرة. فى التسعينيات، كان تمويل الأبحاث قريبًا من الصفر، أما الآن فيمكن مقارنته مع فرنسا أو إنجلترا، كما زادت رواتب الباحثين لدرجة أن بعضهم يكسبون الآن أكثر من نظرائهم الفرنسيين.

ويشير التقرير الى أن نقطة التحول حدثت تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين. ففى عام 2016، أعاد الرئيس الروسى تحديد أولويات العلماء، وطلب منهم مضاعفة عدد براءات الاختراع والمقالات التى تنشر عالميا. ومن جانبها، تعهدت الدولة بتخصيص 635 مليار روبل للبحث وتعزيز عودة العقول المهاجرة الى روسيا.

وأصبح الهدف المعلن هو أن تصبح روسيا واحدة من أعظم خمس قوى علمية فى العالم. ويشير التقرير الى أن العديد من دول العالم تشككت فى قدرة روسيا على تحقيق ذلك، ولكن نجاح المعامل الروسية فى تطوير لقاح سبوتنيك، هو دليل نجاح هذه السياسة.

وتراهن روسيا أيضًا على مجال الذكاء الاصطناعي، وتسعى للبناء على الشهرة الدولية التى تتمتع بها فى مجال الرياضيات، والتى ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالذكاء الاصطناعي. وفى السنوات الأخيرة، أحرزت روسيا بالفعل تقدمًا كبيرًا فى مجال المركبات ذاتية القيادة، وأصبحت تحتل المرتبة الثالثة فى هذا المجال، بعد الولايات المتحدة والصين. وأصبح سيرهذه المركبات ذاتية القيادة فى شوارع موسكو أمرًا شائعًا.كما تعمل الدولة الروسية على الاستفادة من سجلها التاريخى فى تطوير مجالات مثل الطاقة النووية والفضاء، بالإضافة لصناعة السلاح والأمن السيبراني.

باختصار لقاح سبوتنيك، كشف أن روسيا لا تزال موجودة على خريطة تفاعلات الدول الكبرى، و أن الاستثمار فى البحث العلمى كفيل بتعزير مكانة الأمم.

نقلاً عن

سياسة خارجية للطبقة المتوسطة

لسنوات طويلة ركزت السياسة الخارجية المصرية؛ سواء من حيث الأفكار أو مسارات الحركة على التوجهات المرتبطة بالجغرافيا السياسية أو ما يعرف بالجيو بوليتيكس، أى تلك التى تربط ما بين الجغرافيا والأمن.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة