منوعات

طاقة نور.. طرف صناعى

24-2-2021 | 17:15

طرف صناعى

على حافظ

ما بك اليوم يا محمد.. هل أنت متعب؟! يسأله زميله فى العمل، متعجبًا من كثرة سؤاله عن الوقت، لكن «محمد» لا يرد، شيء ما يشغل عقله وفكره، لا، بل هناك ما يثقل قلبه، كأن همًا لا يعرف سببه ولا مصدره يجثم على أنفاسه، لا علاقة للأمر بجو الورشة التى يعمل فيها، وهذا الضيق ليس بسبب غبار الرخام حوله، ويجعل الهواء ثقيلا، والرؤية ضبابية، فمحمد، وزملاؤه فى العمل، لا يتذمرون من هذا الجو الخانق، ولا يفكرون فى مصيرهم والمخاطر التى تنتظرهم، يتجاهلون أثر ذلك على صحتهم، واحتمالات إصابتهم بأمراض مزمنة، إنهم ببساطة يفكرون فى «الآن» وليس «الغد»، فى الحاضر وليس المستقبل، إنهم فى أمس الحاجة لـ»يومياتهم» الآن، لإطعام الأفواه المفتوحة، وتلبية الاحتياجات الضرورية لمن يعولون.


يعيد الزميل سؤاله مرة أخري، لكن فى هذه المرة كان مشفقًا على محمد، الذى بدا شارد الذهن على غير عادته، يلح عليه أن يخبره عمّا به، لعله يحتاج إلى شيء، مبلغ من المال على سبيل القرض مثلا، يعرف الزميل أن محمدًا، الشاب العشريني، أب لطفلين، وينتظر، بعد أيام، إنجاب طفله الثالث، وتلك مسئولية ومصاريف ربما يكون عاجزًا عن توفيرها، وهو عامل باليومية، مما يقض مضجعه ويشغل فكره، لكن «محمد» يبتسم له، ويقول، فى صوت واهن: لا شيء، لكن قلبى مقبوض قليلا.. لعله خير. ينهى محمد عمله، يغسل وجهه من التراب الجيرى العالق به، يخلع ملابس العمل ويضعها فى كيس بلاستيكي، سيأخذها إلى البيت لتُغسل، يتجه إلى دراجته النارية، يدير محركها لتنطلق، قبضة فولاذية تعصر قلبه، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، يتذكر وجه طفليه الصغيرين فيشعر ببعض الراحة، تعلو وجهه ابتسامة، يشتاق إلى هذين الصغيرين مع أنه تركهما قبل ساعات، يتمنى لو يدركهما قبل أن يناما، يقود دراجته على الطريق الدائري، فى طريقه إلى عرب غمازة الكبرى فى مدينة الصف، لكن أمرًا ما يقع فيغير كل شيء. على الطريق الدائري، وأثناء عودته إلى منزله بعد يوم عمل شاق، يقع له حادث، يسقط على الطريق وفوقه دراجته النارية، يتجمع الألم، كل الألم الذى تعرفه الدنيا، ويعصف به، ألم فى رأسه، فى ظهره، فى ساقيه، وفى عظامه التى يشعر أنها تهشمت كلها بلا استثناء، وينبثق الدم يغطى الإسفلت، ولوهلة يشعر أن الموت قريب منه، يغمض عينيه ينشد بعض الراحة، فلا يفيق إلا فى المستشفي. قدر الله وما شاء فعل، لا بأس عليك، حمدًا لله على سلامتك، تحدق فيه الوجوه، وجوه يعرفها، هذا أخوه وهذا جاره، ووجوه بدت غريبة، تبتسم له فى محبة، إنهم أطباء وممرضات المستشفى العام الذى نقل إليه، عن أى سلامة تتحدثون؟ يقول محمد بصوت واهن ولسان متلعثم، ماذا حدث؟

فى الحادث الذى وقع لمحمد انغرس مقود الدراجة البخارية فى فخذه، فقطع الأوردة، وأصيب بنزيف حاد، كانت حياته مهددة تمامًا، لولا أن أدركته العناية الإلهية، نجا محمد من موت محقق، لكن ساقه اليسرى لم تنج، رغم محاولات الأطباء علاجها فإن البتر من أعلى الفخذ كان هو الحل الوحيد. نحو مائة وخمسين يومًا قضاها محمد؛ إما فى المستشفي، أو مترددًا عليه، ليعالج جروحه التى نجمت عن الحادث، كانت أيامًا صعبة، أرهقته وأسرته ماديًا ومعنويا، بالطبع انقطع مصدر دخله، فقد كان عاملا باليومية، لا تأمين ولا مدخرات، الرزق صباحي، والنوم فى المستشفى معناه انقطاع الدخل، وشح النقود، بل اختفاؤها، واللجوء إلى الأقارب والأصدقاء لتغطية النفقات بالاستدانة، ورغم ضيق الحال بهم فإنهم لم يدخروا جهدًا فى دعم محمد والوقوف بجانبه.

محمد، أب لثلاثة أطفال، أصغرهم طفلة عمرها شهور، فى الرابعة والعشرين من عمره، يقيم فى عرب غمازة الكبرى التابعة لمركز الصف ــ الجيزة، كان عاملا باليومية فى قطاع الرخام، وكانت أمور حياته تسير على ما يرام، رغم ضيق اليد والعمل المضني، تعرض لحادث بدراجته النارية على الطريق الدائرى منذ نحو خمسة أشهر، خرج من الحادث بندوب لا تشفي، فقد ساقه اليسري، واستبدل بدراجته النارية عكازين، وأصبح غير قادر عن العمل.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة