تحقيقات

المرتزقة الأجانب يهددون الاستقرار والسلم والأمن.. مقاتلون بـ «الإيجار» لهدم الدول وإرهاب الشعوب

24-2-2021 | 16:57

المرتزقة الأجانب - أرشيفية

أعدت الملف ـ هاجر دياب

أكد خبراء أن ظاهرة المقاتلين الأجانب تؤثر فى استقرار وأمن الشرق الأوسط بالكامل، حيث تعيث فيه الفوضي،وتقوض أى تسوية سلمية فى الدول التى ينتشر بها هؤلاء المقاتلون مثل سوريا والعراق وليبيا،مؤكدين ضرورة تضافر الجهود الدولية والتعاون الدولى من أجل مواجهة هذه الظاهرة التى تضر دول العالم كلها وليس الدول المنتشرة بها فقط،موضحين أنه حتى الدول التى تمول الإرهابيين ذاقت ويلات هجماتهم الإرهابية،وحول هذه الظاهرة وطرق مواجهتها كان هذا الملف.


بداية يقول د. محمد مجاهد الزيات المستشار الأكاديمى للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية : بالنسبة لسوريا على سبيل المثال الأمر تغير من بين 2011 وحتى اليوم، طوال السنوات العشر الماضية تغيرت الأمور فيما يتعلق بالمقاتلين الأجانب، لأن سوريا شهدت تنامى ظاهرة الإرهاب والتى بدأت بمجموعات عسكرية جرى تمويلها من بعض الدول، وحسب تقديرات رئيس الوزراء القطرى السابق حمد بن جاسم فى حديث تليفزيونى مسجل أكد أنهم أنفقوا حتى عام 2015 مبلغ 168 مليار دولار لتمويل نشاط المجموعات الإرهابية والتى سماها العمليات العسكرية لإسقاط النظام فى سوريا ولم يسقط النظام، فما بالنا بعد 2015.

ويضيف: «كانت الخريطة الإرهابية وخريطة المقاتلين الأجانب فى سوريا تتركز فى منطقتين أساسيتين،المنطقة الشمالية عبر تركيا التى سمحت بدخول المقاتلين سواء من تنظيم القاعدة وفصائلها، أو تنظيم داعش الإرهابي، وكانت هناك غرفة فى شمال سوريا على الحدود التركية كأن اسمها غرفة الموم،وكان يتم تجميع العناصر الإرهابية واعدادها ودفعها للقيام بأنشطة معادية للنظام فى سوريا».
تجميع وتجنيد وإغراء

وقال: ثم كانت هناك غرفة عمليات أخرى فى الأردن اسمها غرفة الموج حيث كان يتم تجميع عناصر إرهابية ويتم إدخالها إلى سوريا أو سحب عناصر أو إغراء عناصر من الجيش السورى وعمل تنظيمات عسكرية فظهر بعد ذلك ما يسمى جيش الإسلام بلغ أعضاؤه 30 ألف شخص من بينهم مجموعات سلفية من عدد من دول المنطقة من بينها مصر،وظهر فيلق الشام وتنظيم داعش بفصائله المختلفة وتنظيم النصرة أو فتح الشام التابع لتنظيم القاعدة وحراس الدين وما إلى ذلك من مجموعات.

وأضاف: قدرت التقارير الاستخبارية أعداد الإرهابيين فى سوريا من 2016 إلى 2018 بحوالى أكثر من 150 ألف مقاتل،60 % على الأقل من خارج سوريا،وكانت مجموعات كبيرة منهم من تونس والمغرب والجزائر ومن مصر ومجموعات من دول أوروبية مختلفة ومن اسيا من باكستأن وأفغانستأن، ومن الصين من الإيجور ومجموعات من روسيا،وتطور عمل هذه المجموعات العسكرية فيما بعد فأصبح هناك مجموعات تابعة لجنسية محددة لها تنظيم مستقل مثل التركمانستان والمقاتلين الذين جاءوا من الشيشان لهم مجموعة خاصة بهم وأصبحت هناك قيادة مركزية تساعدهم جميعا وتمويل خارجى مكثف لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية تعلن 3 مرات أن هناك شحنة عسكرية أسقطتها طائرات الهليكوبتر للمجموعات المعتدلة وسقطت فجأة فى أيدى المجموعات الإرهابية.

وقال إنه بعد سقوط داعش كان هناك حسب تقدير رئيس الأركان الأمريكى 25 ألف مقاتل أجنبى موجود فى داعش فى سوريا والعراق أين ذهبوا؟ الذين ألقى القبض عليهم منهم لدى الأكراد فى العراق لايزيد على 3 آلاف،الباقى خلع رداء داعش وأنضم إلى تنظيم فتح الشام والتنظيمات الأخرى التابعة للقاعدة فى المنطقة،ومازالوا موجودين هناك حتى الآن.

وأضاف أن روسيا والنظام السورى أجريا مفاوضات مع تنظيمات عسكرية كانت قد تمت محاصرتها فى جنوب سوريا وحول دمشق ووسط دمشق، وكان الحل أن يذهبوا دون الاسلحة الثقيلة إلى الشمال،فتمركز الارهابيون والمقاتلون الأجانب فى المنطقة الشمإلية على الحدود مع تركيا ووجدت تركيا فى ذلك عاملا يمكن استثماره فبدأت تتعامل معه وأنشأت ما يسمى بالجيش الوطنى ضم معظم هؤلاء المقاتلين ومنعت الجيش السورى من التمدد واستعادة الاراضي،وتمركز فتح الشام بمقاتليه وحراس الدين وفيلق الشام والتركمانستيون فى محافظة ادلب تحت سيطرة تنظيم القاعدة،ولايزالون يتلقون مساعدات من تركيا ومن عدد من الدول الأوروبية، ومنعت الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا الدولة السورية من استعادة إدلب.

وقال إنه تم استثمار هؤلاء المقاتلين بعدما حدثت اتفاقات بين روسيا وتركيا وايران للإبقاء على الوضع العسكرى الحالى حيث تسيطر الدولة السورية على حوالى 70 % وتركيا فى الشمال والولايات المتحدة والأكراد يحتلون مناطق فى الشرق، فكان المقاتلون الأجانب والسوريون الذين كانوا فى هذه التنظيمات بلا عمل فتم نقلهم إلى ليبيا من خلال تركيا لتقديم الدعم لحكومة الوفاق بمساعدات مالية كبيرة.

وأضاف: النقطة الثانية استغلتها تركيا فى عملية المساومة بها مع دول الاتحاد الأوروبى حيث تسمح بالهجرة لهذه العناصر الإرهابية وبالتالى تقوض الأمن فى أوروبا، ولابد أن تحصل على مساعدات بهذا الخصوص.

وقال إن المقاتلين الأجانب فى سوريا لا يقتصرون على التنظيمات الإرهابية فقط ولكن هناك المقاتلون الأجانب التابعون لايران،هناك حزب الله وتتمركز قواعده وتنظيمات النخبة منه فى سوريا وتحتل مناطق، نعم كانت تساعد النظام السورى ضد التنظيمات الإرهابية إلا أنها بدأت تنفذ أجندتها الخاصة، وهناك تمركز لتنظيمات مثل الفاطميين وهو تنظيم شيعي، والعباسيين وتنظيمات أخرى تابعة للحشد الشعبى العراقى تتمركز فى منطقة دير الزور وفى وسط سوريا بمنطقة حمص وشمال حلب وفى القلمون وفى جنوب سوريا وقرب الجولان وهى التنظيمات التى تقوم إسرائيل بضربها بين حين وآخر حيث تمت 300 ضربة إسرائيلية على تلك التنظيمات التابعة لإيران.

أضاف: بالنسبة للعراق أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنتهاء تنظيم داعش وأعلن الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب أنه تم القضاء على التنظيم،والحقيقة أنه لم يقض عليه فمازال لداعش فلول تقوم بعمليات تفجير داخل بغداد وكركوك،ولكن لا أعتقد وجود مقاتلين أجانب كثيرين فى العراق فى الوقت الحالى بعد عملية تصفية داعش بالدرجة الأولى ولكن هناك خلايا نائمة يمكن أن تتحرك عند الضرورة وهو ما نراه بين الحين والآخر.

تهريب السلاح والبشر
ويوضح أن المقاتلين الأجانب فى ليبيا من عدة جنسيات بدأت بعد سقوط حكم القذافى بدخول مجموعات إرهابية من منطقة الساحل والصحراء،حيث ينتشر تنظيم القاعدة هناك وتمتد من موريتانيا حتى تشاد،وفى شمال مالى وبوركينافاسو والمنطقة التى لا تخضع لسيطرة حكومات جنوب ليبيا وجنوب الجزائر وهى منطقة أمن رخو، هذه المنطقة خارجة عن السيطرة وتمتد فيها تنظيمات تهريب السلاح والبشر وتجارة المخدرات،واستثمرتها التنظيمات الإرهابية، وبعد سقوط القذافى دخلت فى منطقة الجنوب ومارست إتاوات على السكان،وهناك أيضا المعارضة التشادية وتقوم بعمليات مدفوعة الأجر لمصلحة أى من الأطراف للسيطرة على مناطق فى ليبيا ودخلت أيضا، هناك ميليشيات عسكرية انتشرت فى ليبيا ويقودها تنظيمات كأنت مرتبطة بالقاعدة وأصبحت مشروعة الآن، فهناك قادة للميليشيات فى شرق ليبيا يصنفون إرهابيين لكنهم مشاركون فى الحكم،ولهم عناصر أجنبية تنضم اليهم.

وأضاف أن الجديد هو وصول الإرهابيين والمسلحين السوريين ومن جنسيات أخرى التى جندتها تركيا ولايزالون موجودين هناك،وهناك حديث عن مقاتلين روس يساعدون الجيش الوطنى الليبى.
وقال: «فيما يتعلق بمصر فإن المقاتلين الأجانب والتنظيمات الإرهابية التى تمركزت فى ليبيا تمثل خطرا شديدا على الأمن القومى المصري،وهو ما فرض المزيد من اجراءات الحماية على الحدود المصرية الغربية،وتعددت محاولات الاختراق للحدود،ولكن نجحت القوات المسلحة المصرية فى تأمين الحدود ومواجهة عمليات الاختراق،والعام الماضى انتهى دون محاولات اختراق،فى سيطرة كاملة للقوات المسلحة على هذه الحدود».

وأضاف أن الدول الأوروبية ترفض استعادة المقاتلين الأجانب وتطلب محاكمتهم فى دولهم، وهناك ظاهرة الذئاب المنفردة حيث عادت هذه العناصر مرة أخرى من مناطق الإرهاب لدولها وبدأت تتحرك منفردة بعمليات إرهابية رأيناها فى فرنسا وبلجيكا، وهنا الدول التى ربت الوحش بدأت تعانى منه،ولن يتم مواجهة التنظيمات الإرهابية على اتساعها الا بتعاون جاد يتم من خلاله تبادل المعلومات الاستخبارية والامنية واتخاذ إجراءات مشتركة، ففى الوقت الذى تحارب فيه مصر الإرهاب كان مفترضا أن يكون هناك دعم أكبر من الدول الأوروبية لها لأن مواجهة التنظيمات الإرهابية لا تقتصر على تأمين المنطقة التى يعملون بها وإنما يمكن أن تهرب عناصر أو تتحرك إلى مناطق أخرى وتهدد الدول الكبرى وهو ما يحدث الآن.

من جانبه يقول د. أشرف سنجر أستاذ السياسات الدولية فى جامعة بورسعيد إن المقاتلين الأجانب لهم تأثير على الأمن القومى العربي،حيث يتم استئجارهم والدفع بهم لتهديد الدولة القومية وهذا أخطر تهديد على الأمن القومى العربي،على اعتبار أن الدولة القومية هى الأساس المكون للنظام الدولي،وتكسير الدولة القومية له انعكاسات سيئة جدا على المجتمع والشعوب، موضحا أن سوريا والعراق واليمن وليبيا واجهت هذا التحدى بشكل خطير.

ويضيف أن انهيار الدولة القومية والتعدى على السيادة الوطنية يعطى انعكاسات سلبية جدا مثل ظهور حالات من الهجرة الكبيرة التى تبحث عن مكان آمن سواء فى دول عربية مجاورة أو الهجرة إلى دول الشمال وهذا يتسبب فى تحديات للمجتمعات الأوروبية.

ويشير إلى أن المقاتلين الأجانب أجندتهم للأسف تخدم سياسات خارجية لدول لها مصلحة فى انكسار الترابط الأمنى العربى وانكسار الدول العربية، وهم أداة فى يد دول أكبر تحركهم لتحقيق هذه الأهداف.
وأضاف أن المقاتلين الأجانب هم مرتزقة يتلقون المال وليس لهم عقيدة سوى عقيدة القتل والدم فى مقابل الحصول على التمويل،يأتون من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة عن البلد التى يتواجدون فيها ويمارسون الإرهاب فى تلك الدول التى توجهوا اليها.

وقال إن المقاتلين الأجانب ليس لهم كيان كدولة يمكن أن تكون جزءا من الكيان الدولى لكن يعملون فى النظام الدولي،وتوجد دول كبيرة على المستوى الدولى والاقليمى تحركهم وتسهل لهم التحرك، ويقدمون أجندة معينة لتحقيق بعض الاهداف السياسية سواء كانت دينية أو غيرها، وهم جماعات إرهابية تعمل فى إطار بلد معين.

جيل جديد من داعش
أضاف أن هؤلاء المقاتلين انضموا على سبيل المثال لتنظيم داعش الإرهابي، وهم جيل جديد من أفكار تنظيم القاعدة الإرهابى وهم كونوا تشكيلات لمجموعات إرهابية، موضحا أن هؤلاء المقاتلين جاءوا من إفريقيا وأوروبا بعدما تم عمل غسل عقولهم كى يأتوا إلى دول المنطقة.

وقال إنه فى محنة ما يسمى الربيع العربى فى 2011 دول كثيرة واجهت هذا التحدى مثل ليبيا وسوريا واستطاعت مصر أن تقف كدولة محورية قوية لعدم الانكسار أمام هؤلاء الإرهابيين واستخدام هؤلاء القتلة لكسر مفهوم الدولة القومية فى ليبيا وسوريا والعراق وإليمن،واستطاعت مصر أن تقف مرة أخرى بشكل كبير ولكن للأسف الدول العربية الأخرى نظامها السياسى أو نظامها الاجتماعى لم يكن مثل مصر فتعرضت لوابل من الانكسارات.

وأضاف أن سوريا دفعت ثمنا كبيرا بسبب التدخل التركى والقطري، ووجود جماعات الشام وداعش وجبهة النصرة وجبهة تحرير الشام كل هذه المجموعات لعبت دورا سلبيا، وللأسف أصبحت سوريا الآن حطاما ولكى تبنى مرة أخرى تحتاج مليارات من الدولارات.

وقال بالنسبة لليبيا هناك انقسام بين طرابلس وبنغازى وشبه حرب أهلية، وسنجد جماعة الحوثيين تهدد أمن السعودية.

وأضاف أنه لابد من تكاتف العمل الدولى لمواجهة هؤلاء المرتزقة والحد منهم لأنهم على المدى الطويل سيؤثرون على الأمن القومى العربى.

وقال: هناك للأسف بعض الدول العربية البترولية تقدم دعما ماليا وإعلاميا لتلك المجموعات وفى ظنى أن السحر ينقلب على الساحر، من التجارب التاريخية،الولايات المتحدة قديما انقلب تنظيم القاعدة على أمريكا فى 11 سبتمبر، وهؤلاء المقاتلون الأجانب سينقلبون فى وقت ما على الدول التى تدعمهم ماليا وإعلاميا.

وأضاف: كلما تنكسر الدولة القومية ولا يكون لها وجود يتمكن هؤلاء المقاتلين أكثر من تلك الدولة فأصبح ذلك تحديا كبيرا على الدول العربية.

وقال من هنا كان تفكير الرئيس عبد الفتاح السيسى لبناء تجمع استخباراتى أمنى كبير لمقاومة تلك التحديات وتقديم العون لتلك الدول.

وأضاف أن الدول التى دعمت الإرهابيين مثل أمريكا وأوروبا خاصة بريطانيا تألموا مثلما تألمنا واستشعروا الخطر، لأن داعش على سبيل المثال كانت مسئولة عن 150 عملية إرهابية حدثت فى أوروبا أسفرت عن 371 قتيلا، وقال إنه يجب توجيه الرسائل لهم لتغيير هذه السياسة الرديئة القبيحة لدعم هؤلاء المقاتلين.

وقال إنه مهم جدا العمل بين مصر واليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا لمحاولة وقف عدم الرشد من السياسة التركية باستخدام هؤلاء القتلة كأهداف لتحقيق مأرب للسياسة التركية وهذا يحتاج إلى عمل جماعى من جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى لمقاومة هؤلاء.

وأشار إلى أن هناك من 14 إلى 18 ألف مقاتل أجنبى موجودين فى سوريا وهو رقم ضخم جدا وعددهم فى ازدياد ومن السهل استئجارهم.

مواجهة وعمل جماعى
أضاف أن المقاتلين الأجانب ظاهرة رديئة وتمثل خطرا كبيرا على الدولة القومية وعلى الأمن القومى العربى ومواجهتهم تتطلب عملا جماعيا تشارك فيه الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا لمحاولة وقف الدعم التركى والقطرى لهؤلاء المقاتلين، وبناء تعاون دولى كبير لمواجهة الإرهاب الذى يتخطى مفهوم الدولة القومية وأن الحفاظ عليها هو أساس بناء مجتمع دولى مستقر لمواجهة كل التحديات.،ويجب على الدول العربية أن تتكاتف وتتبنى وجهة النظر المصرية لإعادة الاستقرار للدول العربية.

من جانبه، يقول عبد الحليم محجوب الخبير فى القضايا العربية، من الضرورى فى البداية أن نفرق بين أكثر من فئة من المقاتلين الأجانب فى الساحات العربية الأكثر اشتعالا، فهناك أولا التنظيمات الجهادية المدفوعة بفهم معين للدين الإسلامى لا يقبل التراجع أو المهادنة ومن أبرز تلك التنظيمات تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام( داعش)، وتنظيم القاعدة، ويوجد ثأنيا الجيوش النظامية التابعة لبعض الدول التى تعمل على تحقيق أهداف سياسية فى الأساس دون أى اعتبار لحرمة الدولة وسيادتها اللهم إلا حسابات توازن القوى وطبيعة المنافسة مع قوى أخرى إقليمية، أو عالمية، وتمارس عملياتها على الأرض العربية سواء منفردة مثل تركيا أو ضمن تحالف معلن تتولى هى قيادته والتخطيط له مثل الولايات المتحدة، ومع تفاوت فى حجم وفعإلية الدور من دولة لأخري، هناك من يدفع بقواته لاحتلال الأرض والسيطرة على مصادر الثروة فيها بل استثمارها لمصلحة الدولة الأجنبية كما يحدث فى سوريا وقد سبق للرئيس الأمريكى السابق ترامب أن أعلن ــ دون مواربة أو حتى رغبة فى التجمل ــ بأن قوات بلاده هى المسئولة عن إدارة حقول النفط الموجودة فى الشمال الشرقى من سوريا لخدمة العمليات العسكرية الدائرة فى هذه المنطقة بالاشتراك مع قوات سوريا الديمقرطية والتى تعد الجناح العسكرى للأكراد السوريين.

أضاف: نشير هنا أيضا إلى التوغل العسكرى التركى الذى يتكرر من وقت لآخر فى شمال العراق بزعم ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستانى.

ويقول: «يندرج تحت هذه النوعية الوجود العسكرى الروسى المباشر فى سوريا وتدخله لإنقاذ النظام من مخاطر تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك دفع إيران بخبرائها العسكريين فى عديد من المواقع السورية بالتوازى مع عناصر حزب الله وإن كان وجود هذين الطرفين قد استمد شرعيته من اتفاقات موثقة مع الدولة السورية قبل وفى أثناء أندلاع الحرب الأهلية السورية على أثر احتجاجات 2011، وأخيرا الوجود الروسى الداعم لقوات حفتر فى ليبيا».

يضيف: «أما الصنف الثانى فيأتى تحت مسمى الحرب بالوكالة وذلك باستخدام مقاتلين من أبناء الدولة المستهدفة وتولى مهام القيادة والسيطرة بواسطة الدولة الأجنبية وهو ما يحدث فى سوريا من خلال تبنى تركيا وقطر لمجموعات جهادية معينة تعمل وفقا لمخططاتها مثل ما يسمى «جبهة النصرة» و»جيش سوريا الحر» وغيرهما من التنظيمات، وإشراف إيران المباشر على ميليشيات مسلحة تتبنى أفكارها وتعمل ضمن منظومة حماية النظام القائم، ومثاله أيضا ما يحدث فى اليمن من تبنى إيران وحزب الله لجماعة الحوثيين فى اليمن وتزويدهم بالمال والسلاح والخبرات وصولا لتخطيط العمليات العسكرية والهجمات التى تستهدف منافسيهم فى المنطقة وفى مقدمتهم المملكة السعودية»

وقال: «أما النوعية الثالثة فقد تم استحداثها على يد تركيا عندما اتفق رئيسها رجب طيب أردوغان مع رئيس وزراء ليبيا فايز السراج على استقدام مقاتلين سوريين إلى ليبيا لمواجهة محاولة الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر استعادة طرابلس وإعادة توحيد أقإليم ليبيا تحت قيادة واحدة، حيث دخلت تركيا بكل ثقلها فى هذه العملية ( مدعومة فى الغالب بموافقة ضمنية من إدارة ترامب السابقة ) مستهدفة فرض معادلة جديدة ليس فى ليبيا وحدها، بما يمهد لهيمنتها على ثروتها النفطية والمشاركة بقوة فى عملية إعادة الإعمار عندما يحل أو انها، وممارسة تهديد مباشر لمصر التى تعد أكثر الدول تضررا مما يجرى فى ليبيا على صعيد أمنها القومي، بل العمل على اكتساب نفوذ مباشر فى شرق البحرالمتوسط يسمح لها بالوجود الفعال فى الخريطة الجديدة للنفط والغاز والتى اكتملت معالمها بتوافق غالبية الأطراف المعنية على دور كل طرف فيها وفقا لتقسيمات الحدود البحرية فيما بينها، وأخيرا تقوية الوجود التركى فى شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي».

الفوضى وعدم الاستقرار
أضاف: لقد ولدت هذه الصور الثلاث من التدخل الأجنبى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار سواء على صعيد الشرق الأوسط بكامله أو داخل الدول التى شهدت موجات الربيع العربى على وجه الخصوص ويمكن القول إنها ساهمت فى تفريغ هذه الموجات من مضامينها الحقيقية والرغبة فى إحداث تغييرات جذرية فى النخب الحاكمة بما يضمن فرض العدالة والمساواة بين الفئات المختلفة فى كل مجتمع والإدارة السليمة للموارد وإعلاء سيادة القانون على الجميع وحولّها إلى صراعات بين قوى إقليمية ودولية تهدف كل منها لإنهاك الأخرى أو توريطها فى عملية استنزاف طويلة المدى.

ويقول: «كما هيأ التدخل الأجنبى المجال لحالة من الزيف والارتباك فى صنع القرارات الكبرى ذات الآثار الخطيرة وليس أدل على ذلك من الاتهامات التى وجهتها إدارة أوباما فى خريف 2013 للنظام السورى باستخدام الغازات الكيماوية ضد معارضيه ثم جاء الكاتب الأمريكى سيمور هيرش ليفضح زيف الاتهامات مؤكدا أن الأمر كله لم يتعد كونه ترتيبا مابين الأجهزة التركية وقادة جبهة النصرة لنقل بعض المواد الكيماوية إلى ساحات القتال وأن خبراء بريطانيا وبعض القادة العسكريين الأمريكيين نصحوا بعدم التصعيد وقتها».

أضاف: استغلت إسرائيل من جانبها هذه الظاهرة فى تكثيف غاراتها على المواقع التى توجد بها قوات إيرانية أو تابعة لحزب الله بدعوى العمل على إبعادها وإخراجها كلية من سوريا، فى نفس الوقت الذى أسست فيه تفاهما مع روسيا يضمن إطلاق يد إسرائيل فى سوريا ومنع الاحتكاك مع القوات الروسية وعملياتها.

ويقول: «تسببت الحرب بالوكالة فى توسيع رقعة الصدام فى كل هذه الساحات لكن الثابت عدم قدرة أى من الأطراف المحلية المتحاربة على اتخاذ قرار مستقل حيث أصبحت كل القرارات فى يد القوة الأجنبية القادمة من الخارج، ومع اقتناعنا بقدرة الأطراف المباشرة فى كل ساحة قتال على صياغة تسوية تخدم الوطن وحده دون سواه، فإن هذه القوى الأجنبية تعمل فقط لتحقيق مصالحها وتصر على تحصيل الثمن دون نقصان فى مواجهة الآخرين، والمثال الحى على ذلك ما يصدر عن تركيا من إشارات تعكس رغبتها فى إفشال المصالحة الليبية وإصرار إيران على قطع الطريق على أى تسوية محتملة فى إليمن».

ويضيف: أن «هؤلاء المقاتلين الأجانب وعائلاتهم سواء حركتهم أيديولوجيات معينة أو طموحات سياسية للدول التى تعمل على توظيفهم لمصلحتها أو حتى منافع مادية بحتة سوف يشكلون عقبة أمام فرص التهدئة للأزمات الساخنة حاليا، وأمام رفض بلدانهم الأصلية فى عودتهم قد يتحولون إلى بؤرة للعنف والصدام داخل المجتمعات ليس العربية فقط بل الأوربية أيضا ومصدر تشويه للدين الإسلامى.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة