عرب وعالم

«مسبار الشيخين».. أسسه الأباء على الأرض ووصل به الأبناء إلى السماء

23-2-2021 | 16:46

صورة أرشيفية

أحمد خالد

منذ نهايات القرن التاسع الميلادى حتى بدايات هذا القرن، يمكننا القول ببعض الاطمئنان إن علاقة العرب والمسلمين بما يسمى علوم الفضاء، كانت علاقة الذى يسمع ولا يعرف، والذى يشاهد ولا يشارك، والذى يتلقى ولا يتمكن، كما يمكن القول إن الألف سنة الماضية كانت شاهدة على انتهاء علاقتهم بالعلوم والمعرفة، إلا من بعض محاولات فردية لعلماء ارتبطوا بالمنجز الغربى، لا بالواقع العربى، كفاروق الباز فى علوم الفضاء مثلا، فقيل إن العرب خرجوا من التاريخ وأصبحوا عالة على الحضارة، حتى ظهر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد آل مكتوم طيب الله ثراه، ليؤسسا اتحادا على رمال، وإذا بالرمال تتحول إلى دولة معرفية، وإذا بالمعرفة تحولها إلى كوكب أرضى، وإذا بالكوكب يحاول أن يصل ما بينه وبين السماء، وإذا بالمحاولة تنجح وتصبح الإمارات أول دولة عربية وإسلامية تصل إلى المريخ.


بدأت المحاولة بالقرن التاسع الميلادى، لأن القرن الذى عاش فيه العالم الكبير عباس بن فرناس، وقد كنا قبل أيام قليلة، إذا ذكر الفضاء تذكرناه تذكر الفخور بتليد لم يمتد وهو لا يملك سواه، والمتحسر على الواقع، الذى يشى بأن مستقبله لن يطال حتى ماضيه.


والناس يعرفون أن بن فرناس أول من قام بمحاولة طيرانٍ ناجحة، وهو من اخترع آلة ذات الحلق، التى كانت تقوم إجراء العمليات الحسابيّة والملاحظات الفلكيّة التقريبيّة، حيث تشبه هذه الآلة الاسطرلاب فى رصد الشمس والقمر والنجوم والكواكب وأفلاكها ومداراتها، وشيد فى بيته قبة، حيث مثلت السماء بكل ما تحويه من الشمس والقمر وباقى النجوم والغيوم والبروق والرعود والكواكب والمدارات وغيرها، حتى كان الناس يتوافدون على بيته يوميا للاستمتاع بمشاهدة عجائبها، وربما كان يحدث ذلك فى الوقت الذى كان فيه أهالى أوروبا يتجمعون حول حرق العلماء، كعقوبة لهم على اتهامهم بالسحر والشعوذة المخالفة لتعاليم الكنيسة صاحبة صكوك الغفران، إلا أنهم فيما بعد، وجدوا غفرانا حقيقيا فى العلم، ودارينا جهلنا فى السحر.

ولماذا أتذكر بن فرناس، ولا أتذكر ما هو أوقع، وأعمق دلالة على الفرق بين المتحسرين على الماضى والمتطلعين بشوق إلى المستقبل،، وذلك فى شهادة العالم الكبير فاروق الباز، وهو يقول: فأول لقاء جمعنى بالمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان فى عام 1974، وسألنى أسئلة تفصيلية عن القمر، والكواكب الأخرى، ورواد الفضاء، وأبدى اهتماماً واسعاً بمعرفة ما نقوم به فى وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، الأمر الذى جعلنى أرشح الإمارات لاستضافة لقاء تعريفى لرواد مركبة الفضاء، إذ كان هذا مؤشراً قوياً لديّ بأن هناك رغبة قوية من مؤسسى الاتحاد فى الاهتمام بالعلوم الحديثة، وبالفعل سعيت لترتيب زيارة لعدد من طاقم رحلة (ابولو) للإمارات، حيث اجتمع ثلاثة من المشاركين فى هذه الرحلة مع المغفور له الشيخ زايد، واستمع لشروحهم من خلال بعض المجسمات.


ما يعنينى هنا التواريخ، فلقاء الباز مع الشيخ زايد والشيخ بن راشد تم عام 1974 أى بعد الإعلان عن تأسيس الاتحاد الإماراتى بثلاث سنوات، ومن كان يصدق أن الشيخين الذين كانا مهتمين وقتها بتخطيط الطرق والمدن على الأرض، استمرارا لتنفيذ خطة تحديث الإمارات، يخططان لما هو على المريخ.

وما أسسه الشيخان المؤسسان على الأرض، وصل به الابنان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارت ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد أبو ظبى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى السماء، والمعنى واضح وعميق الدلالة، فالقضية ليست فقط فى التأسيس العبقرى لدولة الاتحاد، بل وأيضا فى المواصلة المستمرة فى التحديث والتطوير، التى اعتمدت على تنمية إنسان الإمارات الصانع الأول للدولة المعرفية، وهم مصطلح أصر عليه فى وصف الإمارات الحديثة، إمارات المريخ.


لكننى لابد أن أتوقف حول ما أشاعه مبغضون وكارهون ومشككون للإمارات المعرفية، وقولهم البغيض إن الإمارات ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه دون أموالها، يقولونها قول الباحث عن العيب، لا المفسر للنهضة.

وهل فى ذلك عيب ابتداء؟

أم لم يقل أمير الشعراء أحمد شوقى:
بالعلم والمال يبنى الناس ملكهم.. لم يبن ملك على جهل وإقلال
ثم إننى أتجاوز ذلك وأسأل، ألم يغير إنسان الإمارات الصورة النمطية التى نجح الإعلام الغربى بل وبعض إعلامنا، ونجحت أفلام هوليوود بل وبعض أفلامنا فى تثبيتها عن ذلك الخليجى شديد الثراء.


الثراء الإماراتى هنا، ارتبط بالعلم والمعرفة، وأكرر من خلال إنسان الإمارات، الذى شارك بعلمائه الدارسين والباحثين، ومن الشباب خاصة فى كل مراحل مسبار الأمل.


ولا أنسى هنا ونحن فى غمار فرحتنا بنجاح المسبار، إلى حدث قد يكون مر مرور الكرام على البعض، فقبل أيام أعلنت جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا عن جاهزية “ظبى سات”، القمر الصناعى المصغر للانطلاق إلى الفضاء .


وليس الخبر فيما سبق، وإنما المعنى فى الآتى:”ويسعى القمر الصناعى كمهمة رئيسية، فى توفير الفرصة للطلبة لتصميم نماذج البرمجيات المتعلقة بأنظمة التحكم وتحديد الاتجاهات، وتوظيفها واختبارها، حيث تم العمل على هذا المشروع فى مختبر “إلياه سات” للفضاء فى مركز جامعة خليفة لتكنولوجيا الفضاء والابتكار، وتم تصميم “ظبى سات” وتطويره على أيدى طلبة الجامعة، أكرر تصميمه وتطويره على أيدى طلبة الجامعة.

ثم يسأل المبغضون والكارهون، وما الفائدة من إنفاق كل هذه الأموال على مسبار المريخ؟؟


وأجيب عليهم بما رد به العالم الكبير فاروق الباز عن جدوى دراسات الفضاء ذات الكلفة المادية الكبيرة، التى تبقى بمثابة أعباء هائلة دون طائل على ميزانيات الدول قائلا: الجهلاء لا يقدرون أهمية دراسات الفضاء، وتكفى الإشارة إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن كل دولار تم إنفاقه فى الولايات المتحدة الأمريكية على مجال أبحاث الفضاء أدر دخلاً قيمته 142 ضعفاً.


وعلى سبيل المثال لم يكن من الممكن أن نستمتع بثمار الاختراعات الحديثة دون هذه الدراسات المرتبطة بالفضاء، ولن تكون هناك وسيلة لنقل الصوت أو الصورة بين قارات العالم المختلفة، فى ذات اللحظة، وغيرها من منجزات التكنولوجيا المعاصرة، فى حال غياب تلك الدراسات.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة