عرب وعالم

منصة الحداثة الثقافية والسياسية.. «الكويت» لؤلؤة الخليج وحائط الصدّ

23-2-2021 | 16:28

صورة أرشيفية

⢴ نبيل شرف الدين

تعرضت على مدار تاريخها لأطماع وصراعات قوى كبرى نتيجة لموقعها الإستراتيجى وظهورها كقوة مؤثرة فى محيطها

نجحت فى الحفاظ على طابعها ككيان حضارى يتميز بطبيعته المدنية بحكم الدور التجارى البحرى
فى عام 1961 عقب استقلالها قرر الشيخ عبد الله السالم الصباح تأسيس نظام ديمقراطى يشارك فيه الشعب الحكم وسبق بهذا محيطه الإقليمى
تأسست خلال القرن السادس عشر وكان معظم سكانها يمتهنون الغوص لجمع اللؤلؤ
تحتفل فى 25 فبراير بيومها الوطنى الذى يمثل ذكرى استقلالها وتشكل ملامح الدولة الحديثة بمؤسساتها وبنيتها وسيادتها


تبدو الروايات التى أسست لنشأة دولة الكويت كالأساطير التى استقرت فى وجدان أبنائها، وانتقلت من جيل لآخر، لكن الوثائق والأدلة التاريخية تشير إلى أن تاريخ الكويت المعاصر، يرجع إلى أكثر من ثلاثة قرون حينما استوطنها «آل صباح والعتوب» منذ عام 1613.

وذكر حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح فى رسالته المؤرخة عام 1912، للمقيم البريطانى فى الخليج ما نصه «الكويت أرض قفراء نزلها جدنا صباح» وتحولت القبائل التى استقرت بالكويت إلى مجتمع متحضر له كيان سياسى يتسم بالازدهار، وشهد له الرحالة الذين زاروا المنطقة، ومنهم مرتضى بن علوان عام 1709.

وتؤكد وثائق الأرشيف البريطانى استقرار المجتمع الكويتى، وانطلاق أنشطته حتى بدت الحاجة ملحة إلى قيادة يرجع إليها الناس فى شتى أمورهم، وتمتلك الشرعية والقدرة على تأمين وحماية مجتمعهم ومصالحهم، وتمثيلهم لدى الجهات والمجتمعات التى تحيط بهم، فعهدوا بالرئاسة إلى رجل من آل صباح رأوه متميزا، وهكذا استقر الحكم فى هذه الأسرة يتوارثه الأرشد الأكبر منهم حتى اليوم.

منذ عام 1716 تعاقب على حكم الكويت أكثر من 15 شيخًا، لكن مواطنيها اتفقوا حينذاك على أن يتولى صباح الأول الرئاسة وشئون الحكم حتى اليوم، غير أن الشيخ مبارك الصباح يعتبر المؤسس الحقيقى للدولة، لهذا نص الدستور الكويتى فى مادته الرابعة, على أن جميع الحكام من أبنائه وأحفاده.

وتعرضت دولة الكويت منذ نشأتها وعلى مدار تاريخها لأطماع وصراعات قوى كبرى، نتيجة أنشطتها النامية وازدهارها وظهورها كقوة مؤثرة فى محيطها، نظرًا لموقعها الإستراتيجى فى الخليج العربى، الذى أصبح خلال تلك الحقبة محط أطماع وصراعات بين القوى، الراغبة بالسيطرة على خطوط المواصلات العالمية, التى تمثل الكويت حلقة وصل مفصلية بين أطرافها. لكنها نجحت فى الحفاظ على طابعها ككيان حضارى يتميز بطبيعته المدنية بحكم الدور التجارى البحرى لأبنائه، بينما غلبت على الكيانات المجاورة أنماط اجتماعية واقتصادية شتى، تتراوح بين الإقطاعى والبدائى التى لم تنتقل بعد إلى مرحلة المجتمعات الحداثية.

«النوخذة» الماهر

فى كتابها «أربعون عاماً فى الكويت» تروى فيوليت ديكسون ما سمعته بنفسها من «النوخذة» أى الربان على بن خليفة شاهين الغانم، الذى أصبح قبطانًا لسفينة من طراز «البغلة» اشتراها بمساعدة والده من البحرين، وهو فى الثامنة عشرة من عمره عام 1912: «مرت السفينة بمسقط فى المحيط الهندى وهى تبحر فى منطقة عميقة يسمونها «غبة» وهبت عاصفة شديدة فى الليل, فتسلق الربان الصارى محاولا إنزال الشراع الكبير، لكن السفينة كانت تتأرجح بشدة، فلم يستطع حفظ توازنه فسقط فى الماء وسط الظلام، ولم يدرك البحارة ما حدث إلا عندما لم يجب على نداءاتهم فأنزلوا الشراع، وبحثوا فى السفينة دون أن يعثروا على القبطان، وكان البحر عميقا بما لا يسمح بإنزال المرساة".

وسط أمواج البحر المتلاطمة شديدة البرودة، كان «النوخذة علي» يحاول السباحة، لكنه لم يتمكن من معرفة موضع السفينة فى الظلام، وزاد من قلقه أنه كان بمنطقة لا تمر بها السفن كثيرًا، لكنه استمر بالسباحة, بينما كانت أسماك خطيرة كالقرش تحوم حوله، لكنها لم تمسه بسوء، وكى يستريح كان يستلقى أحيانًا على ظهره ثم يستأنف السباحة، وحينما أشرق الفجر بدأ يشعر بتأثير ابتلاع كمية كبيرة من ماء البحر، وتقلصت ساقاه من الإجهاد والبرد، وصار لا يستطيع مواصلة السباحة إلا بشق النفس، وقبيل أن يفقد الأمل بالنجاة، ظهر فجأة أمامه صارى سفينة وإذا بها سفينته، فالتقطه البحارة ورفعوه بعدما قضى فى الماء زهاء ثمانى عشرة ساعة.

تأسست الكويت خلال القرن السادس عشر، وكان معظم سكانها يمتهنون الغوص لجمع اللؤلؤ والتجارة البحرية بين الهند وشبه جزيرة العرب, مما أسهم بتحويلها إلى مركز تجارى شمال الخليج العربي، وميناء رئيسية لشبه الجزيرة والعراق، وبلغت مهنة الغوص ذروتها زمن حكم مبارك الصباح، إذ بلغت السفن بالكويت قرابة الثمانمائة سفينة بعد اكتشاف النفط وبدء تصديره فى منتصف القرن العشرين، وهكذا شهدت مدينة الكويت وقراها نهضة عمرانية واسعة، فكان ذلك نقطة تحول فى تاريخ الدولة، حيث هُدم سور المدينة القديمة واستوطن البدو الرحّل، وتغير نمط البناء والحياة بشكل جذرى شمل كل مناحى الحياة.

استقلال الكويت

تحتفل دولة الكويت فى 25 فبراير سنويا، بيومها الوطنى, الذى يمثل ذكرى استقلالها وتشكل ملامح الدولة الحديثة بمؤسساتها وبنيتها وسيادتها، ويرجع تاريخ أول احتفال إلى 19 يونيو 1962، وهى المرة الوحيدة التى أقيم فيها احتفال بالاستقلال بهذا التاريخ، ففى عام 1963 تم ترحيل «عيد الاستقلال» ودمجه مع تاريخ جلوس الراحل عبد الله السالم الصباح، الذى يصادف 25 فبراير، عقب مبايعته بالإجماع من قبل أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث كان الاستقلال فى عهده، ومنذ ذلك الحين والكويت تحتفل بعيد استقلالها بالتاريخ الجديد.

وترجع البداية إلى عام 1896، حين تولى الشيخ مبارك الصباح سُدّة الإمارة فى الكويت خلفًا لأخيه الشيخ محمد بن صباح الصباح، مما أدى إلى خلافه مع الدولة العثمانية التى حاولت فرض سيطرتها بشكل كامل عليها، فما كان من الشيخ مبارك الصباح إلا أن طلب الحماية البريطانية عام 1897، الذى قابلته بريطانيا بالرفض أولاً، ورأت أنها لا ترى ضرورة للتدخل فى شئون المنطقة، لكن الحال لم تستمر هكذا، حيث غيرت بريطانيا موقفها، وأبرمت الاتفاقية فى 23 يناير 1899، خشية امتداد النفوذ الألمانى، الذى كان يسعى لمد سكة حديد من برلين إلى «كاظمة» شمال «جون الكويت» أو خليجها.

وحتى عام 1899 ظلت الكويت خاضعة للنفوذ العثمانى إلى ارتباطها بمعاهدة مع بريطانيا وقعها الشيخ مبارك الصباح مع ممثلها، التى عرفت باسم «معاهدة الصداقة الأنجلو - كويتية» التى وقعت بالكويت فى 23 يناير عام 1899، ونصت بنودها على امتناع الشيخ مبارك عن قبول أى وكيل أو قائم مقام من جانب أى حكومة، وأن يمتنع عن منح أو بيع أو رهن أو تأجير أى قطعة أرض كويتية لدولة أخرى دون إجازة بريطانية.
وعلى صعيد العلاقة بين شعب الكويت وحكامه فقد اتسمت على مدار التاريخ بطبيعة خاصة، لاحظ المؤرخون المحليون والأجانب، تميزها عن الكيانات السياسية المحيطة بها، فصباح الأول بن جابر المتوفى سنة 1743، كما يذكر المؤرخ سيف الشملان، «كان يشاور أهل الكويت فى أهم الأمور ولا يقطع أمرا دون استشارتهم»، والحاكم الثانى عبد الله بن صباح بن جابر (1743 / 1813) وصفه المؤرخ الشيخ يوسف بن عيسى بأنه «كان رجلا حازمًا قريبًا من الحق، مُحبًا للعدالة، حسن السياسة لا يبت فى أى أمر إلا بعد مشاورة جماعته، ولا يخالفهم فيما يرونه صوابا» ويصفه السير «هارفرد جونز» (1793) بأنه «كان رجلا مهيبا قوى الشخصية يكن له أهل المدينة أبلغ مشاعر الإجلال فقد كان لهم بمثابة أب لا حاكم».
وفى 25 فبراير عام 1950 تولَّى حكم الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح، وقد أُنشئ المجلس الأعلى خلال فترة حكمه، ولُقب لاحقًا بـ «أبو الدستور»، لأنه هو الذى أمر بصياغة دستور لتنظيم الحياة السياسية فى الدولة، وفى 19 يونيو 1961، تقرر إلغاء معاهدة الحماية البريطانية التى وقعتها الكويت معها فى 23 يناير 1899، وأُعلن عن استقلال دولة الكويت.

وفى عام 1961، عقب استقلال الكويت قرر الشيخ عبد الله السالم الصباح تأسيس نظام ديمقراطى يشارك فيه الشعب الحكم، وسبق بهذا محيطه الإقليمى، وكانت البداية بوضع دستور للبلاد تمت الموافقة على مشروعه فى 11 نوفمبر 1961، حدد نظام الحكم فى الكويت بالديمقراطى، على أن تكون السيادة فيه للأمة بوصفها مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين به، ويأخذ بالنموذج النيابى الديمقراطي، حيث يقرر وجود مجلس منتخب «مجلس الأمة» لميقات معلوم، ويحدد أسلوب انتخاب أعضائه، ليصبحوا بعد انتخابهم ممثلين للأمة بأسرها.

أزمات الحدود

ظلت مسألة ترسيم الحدود بين الكويت والعراق (قلقة) وهو ما يقودنا لرصد وقائعها التى بدأت لأول مرة بين الكويت والدولة العثمانية عام 1913، بموجب المعاهدة الأنجلو - عثمانية، التى نصت المادة السابعة منها على أن يبدأ خط إشارات الحدود من مدخل خور الزبير شمالا ويمر مباشرة إلى جنوب أم قصر وصفوان وجبل سنام حتى وادى الباطن، وأن تكون تبعية جزر (بوبيان، وربة، فيلكا، قاروه، مسكان) للكويت، كما أكدت المادة السادسة تبعية القبائل الداخلة ضمن هذه الحدود للكويت.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، احتلت بريطانيا أراضيها فى العراق، وطالب أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح فى إبريل عام 1923، بأن تكون الحدود هى ذاتها التى كانت زمن العثمانيين، فرد المندوب السامى بالعراق السير بيرسى كوكس، على طلب الكويت باعتراف الحكومة البريطانية بهذه الحدود.

وفى مستهل القرن العشرين ومع بدية استقلال الدول العربية حرصت على إعلان حدودها مع جيرانها، ومن بينها العراق الذى تبادل المذكرات حول ذلك مع الكويت، وأسفر ذلك عن اعتراف تفصيلى متبادل بشأن الحدود فى 21 يوليو عام 1932، حين أقر رئيس وزراء العراق نورى السعيد حدود بلاده مع الكويت، وفى 4 أكتوبر 1963، اعترف العراق رسميا باستقلال الكويت، والحدود المشتركة بتوقيع محضر مشترك بين البلدين من خلال اجتماع حضره كل من الشيخ صباح السالم الصباح، ولى العهد الكويتى حينذاك، وأحمد حسن البكر، رئيس الوزراء العراقى فى تلك الحقبة.
منذ أن تميزت حدود الكويت مع جيرانها ككيان سياسى وحضارى مستقل فى القرن السابع عشر، فإن الوضع كان واضحا فى الأعمال الكارتوجرافية Cartography (علم رسم الخرائط) التى نشرت عن جزيرة العرب ومنطقة الكويت التى رسمها علماء مشهورون ينتمون لدول مختلفة خلال ثلاثة قرون، وهى أعمال تاريخية نشرت قبل أن يثار أى نزاع حول حدود الكويت، ومنها خريطة الأخوين «أوتنز» التى تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر، ثم خريطة «كارل ريتر» عالم الجغرافيا الألمانى الشهير التى أعدها عام 1818، وخريطة «بالجريف» الرحالة البريطانى فى العام 1862، وتظهر فيها حدود الكويت مع جيرانها, خصوصا الحدود الشمالية فى هذه الخرائط بشكل متكرر ومستقر يكاد يكون متطابقا ويزداد وضوحا ودقة مع تطور الكارتوجرافيا خلال القرن التاسع عشر، وتماثل خطوط الحدود التى نشاهدها فى هذه الخرائط إلى حد كبير الوضع الحالى لحدود الكويت، التى وردت فى الاتفاقيات التى وقعتها دولة العراق.
وفى العام 1991، شكل مجلس الأمن لجنة لترسيم الحدود بين البلدين.

ووافق العراق على الالتزام بقرارات اللجنة، وفى عام 1993 صدر قرار مجلس الأمن رقم "833" لترسيم الحدود بين الكويت والعراق, واعترفت به الأولى بينما أقرته الثانية عام 1994، وبرغم ذلك لا تزال الخلافات الحدودية قائمة، إذ يعتبر العراق أن حدوده البحرية تمنعه من الوصول إلى الخليج، الأمر الذى يعتبره حيويًا لاقتصاده، لذلك تعتقل البحرية الكويتية الصيادين العراقيين المخالفين، لكن عمومًا تحسنت العلاقات بشكل كبير بين البلدين، وفى العام 2018 استضافت الكويت مؤتمرا للمانحين لإعادة إعمار العراق وأسهمت بمبلغ مليارى دولار.
وفى هذا السياق، يُذكر أن الحدود التى اعترفت بها العراق مرتين قبل غزو نظام صدام حسين للكويت عام 1990 هى ذات الحدود التى انتهت إليها اللجنة الدولية لترسيم الحدود بين البلدين التى شكلتها الأمم المتحدة بعد تحرير الكويت من العدوان العراقي، وقد اعتمد تقريرها النهائى مجلس الأمن الدولى فى قراره رقم 833 فى مايو عام 1993، وهى الحدود ذاتها التى اعترفت بها العراق أخيرا للمرة الثالثة فى نوفمبر من العام 1994.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة