آراء

متحف للذاكرة الشعبية

23-2-2021 | 17:51

في الحديث عن عقلية المصرى المقاومة لكل قوى البغي، من احتلال وافتراءات وأكاذيب، تستوقفك مساحات شاسعة من العبقرية والقدرة الخلاقة على الإبداع، لا أتصور أن القضية اختلفت كثيرًا عن قرن مضى من الزمان، فالأطماع الأمريكية والأوروبية لا تزال قائمة، وأيضًا المقاومة المصرية  لا تزال كذلك.

قبل قرن من الزمان، ولدى عودة الزعيم سعد زغلول من منفاه، ووصوله إلى ميناء الإسكندرية كتب بديع خيرى أغنيته الشهيرة «سالمة يا سلامة»، التى تتضمن مفردات رائعة تنبض بالوطنية والحب لمصر وترابها.. يقول مطلع الأغنية التى لحنها سيد درويش:
سالمة يا سلامة.. روحنا وجينا بالسلامة
صَّفر يا وابور اربط عندك.. نزلنى فى البلد دي
بلا أمريكا بلا أوروبا.. ده ما فى شيء أحسن من بلدي

والمتأمل لهذه الكلمات يجد نفسه أمام سهل ممتنع، فالكلمات بسيطة لأبعد الحدود - ولكنها فى ذات الوقت - تحمل مضامين غاية فى القوة، فهى كلمات تدعو للمقاطعة بشكل مباشر وصريح بقوله «بلا أمريكا.. بلا أوروبا»، وهى موجهة إلى المواطن البسيط، وتحديدًا عامل الميناء، الذى كان يستخدمه المستعمر بصورة بشعة فى عمليات شحن البضائع إلى السفن الأجنبية الراسية بالموانئ المصرية، وهو ما يتضح فى قوله «اربط عندك» و«يا أسطى بشندى»، واسم بشندى هنا يرمز إلى أبناء محافظات الصعيد الذين كانوا يمثلون الفئة الغالبة من عمال الشحن والتفريغ بالموانئ المصرية.

ومن أعظم سمات سيد درويش أنه وليد «الشارع»، وابن للحارة المصرية بكل أبعادها، وهى السمات نفسها التى تجلت فى رقيقته بديع خيرى ومحمود بيرم التونسي، فقد جاءت الألحان لتكمل وتعمق الفكرة التى تهدف إليها الكلمات.

وهذا ما أوجد نوعا من «التوءمة» بين بديع خيرى وسيد درويش، تجلت فى أعمال خالدة رصدت نبض الشارع المصرى من مختلف الزوايا.. وسر هذه العبقرية لدى الاثنين؛ أنهما تناولا مفردات كل مهنة بلهجاتها الحقيقية، مما ساهم فى انتشار هذه الأغنيات بين مختلف الطبقات.

ولعل خير مثال على ذلك هو أغنية «الجلل القناوى»، الذى كتب كلماتها بديع خيري، ولحنها سيد درويش، ضمن أوبريت «قولوله»، الذى قدمته فرقة نجيب الريحانى عام 1919.. ولهذه الأغنية على وجه التحديد قصة طريفة.. فقد كان سيد درويش يسير فى أحد شوارع حى بولاق بالقاهرة، ورأى بائعًا صعيديًا متجولًا ينادى على نوع من البلح يقوم ببيعه، فأُعجب بأسلوبه فى المناداة على بضاعته، وفى المساء يجلس الشيخ سيد إلى صديقه بديع، ويحدثه عن الجملة الموسيقية التى سمعها من البائع، ويطلب من بديع أن يكتب كلمات على نفس الوزن الموسيقي، فكانت أغنية «الجلل القناوي» ( القلل).. التى تتضمن ألفاظها جملًا صريحة تدعو للمقاطعة خاصة قول بديع خيرى «خسارة قرشك.. وحياة عيالك على اللى ماهوش من طين بلدك»..

وهناك أغنية لا تقل أهمية عن القلل القناوي، وهى من أغنيات نفس الأوبريت.. الأغنية هي شد الحزام من تأليف بديع خيرى وألحان وغناء سيد درويش والمجموعة.. كلمات الأغنية تحث المصريين على الجلد، وتحمل الشدائد فى سبيل نيل الاستقلال..تقول الكلمات:
شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك..لا بد عن يوم برضه يعدلها سيدك..
إن كان شيل الحمول على ظهرك بيكيدك..أهون عليك يا حر من مدت إيدك..

الذاكرة الشعبية المصرية، حافلة بمواقف تحتاج إلى إعادة تنشيط، فلا أتخيل أن دولة بحجم مصر وعمقها الحضاري، وهى تخطط لكل هذه الكم من المتاحف من العاصمة الإدارية وحتى المتحف الكبير مرورًا بمتحف الحضارة، ولا يكون فى أجندة أعمالها متحفًا للذاكرة الشعبية، خاصة فى المقاومة بكل أشكالها، فمن حق العالم أن يرى كيف قاومت مصر أعداءها.. ومن حق المصريين أن يروا إبداعات آبائهم فى المقاومة!

التراث هو رمز للهوية الإنسانية للشعوب.. والذاكرة الوطنية المصرية تنتظر إنعاشها!

نقلاً عن الأهرام المسائي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
شريف عارف يكتب: أغاني المهرجانات .. المنع وحده لايكفي

قلبي مع نقيب الموسيقيين الفنان الكبير هاني شاكر، في قرار مجلس نقابة المهن الموسيقية، بمنع عدد من المؤدين الشعبيين من العمل، والمعروفين بـ مغني المهرجانات

شريف عارف يكتب: تجديد "الخطاب الديني".. يبدأ من "المقاهي"

تابعت باهتمام الحملة، التي يقوم بها عدد من دعاة الأزهر الشريف، بالنزول إلى المقاهي والتحدث مع الناس، مما يسهم بشكل أو بآخر في قضية تجديد الخطاب الديني ، وهي من القضايا المهمة لمصر ومستقبلها الآن.

شريف عارف يكتب: "الشارقة للكتاب".. أمة تقرأ وتبدع

أعظم نتائج حرب أكتوبر المجيدة أنها وحدت العرب على كلمة واحدة وفعل واحد، ليس للانتصار على العدو، بقدر ماحققت انتصاراً أكبر على النفس. فقبل أكثر من خمسة

شريف عارف يكتب: " كنج مو".. إعادة هيكلة لأخلاق الرياضة

ربما كانت حكمة المولى عز وجل في أن يأتي الفرعون المصري ، من مصر العظيمة أصل الحضارات إلى قلب أوروبا وأقدم الإمبراطوريات، ليضرب المثل في مكارم الأخلاق،

شريف عارف يكتب: حديث الوعي في "مدينة الأشباح"

حديث فريد من نوعه دار مع اللواء عبد المجيد صقر محافظ السويس، على هامش الندوة التثقيفية، التي نظمتها جامعة السويس برئاسة الدكتور السيد الشرقاوي قبل أيام

شريف عارف يكتب: "حلاوة المولد" .. حلال شرعًا

لا ألوم دار الإفتاء المصرية، في إجابتها على السؤال الذي تناقلته وسائل الإعلام، خلال الأيام القليلة الماضية حول شرعية شراء وأكل حلوى المولد النبوي الشريف.

شريف عارف يكتب: سلامة الغذاء .. قضية أمن قومي

في اعتقادي أن تصريح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدم السماح بدخول أي منتجات رديئة أو منخفضة الجودة إلى مصر وفقًا للمعايير والموصفات العالمية، هو مقدمة

شريف عارف يكتب: "مسرح الهواة".. البداية من هنا

الهواية أصل الاحتراف، ولولا الهواة ما ظهرت الدراسات، ولما تأسست الأكاديميات التي تحول الممارسات إلى علم.. الفن الحقيقي، الذي يخرج من الشارع وإلى الشارع،

شريف عارف يكتب: ضحكات ناضجة .. وأفكار لن تموت

قالوا قديمًا إن الشعب المصري، هو شعب ابن نكتة ، ساخر بالفطرة من كل شيء، ويحول غضبه وأزماته إلى نكات ساخرة هذا هو السبب فى بقاء النكتة عمومًا والسياسية

شريف عارف يكتب: عن "سيرة بورسعيد" .. والحراك الثقافي

على مدى الأيام القليلة الماضية، تشرفت بالمشاركة في معرض بورسعيد الرابع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج على ضمن

شريف عارف يكتب: "ثقافة مصرية" بمواصفات عالمية

ملامح بسيطة من مشروع عظيم وعملاق، تلك التي بدت أثناء زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام إلى مقر مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية الجديدة.

شريف عارف يكتب: "دكاكين الفضائيات" .. وأخلاقيات التيك توك

قبل أيام ودعنا واحداً من جيل الرواد في العمل الإعلامي، وصوتاً إذاعياً فريداً، ارتبطنا به وبفكره في سنوات الحرب والسلام.. الإذاعي الكبير حمدي الكنيسي، كان

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة