آراء

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

21-2-2021 | 16:12

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء كان هذا المصري جالسًا على كرسي السلطة مهما صغرت أو كبرت، سلطة شرعية أو سلطة بالقوة، قوة الجسد أو قوة المال، أو كان مواطنًا عاديًا خاضعًا لها في ورشة أو دكان أو وزارة أو شركة أو مؤسسة أو هيئة..إلخ، علاقة معقدة، صحيح أن القانون يحكمها في الأساس، لكن التقاليد والتاريخ والقيم السائدة لها الغلبة في تحديد مسارات هذه العلاقة وأشكالها.

وقد أثارت أزمة الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب السابق السؤال مجددًا، بعد أن صرح العضو مصطفى بكري بأن الدكتور علي عبدالعال قال له: لن أستطيع الذهاب إلى مجلس النواب في هذا الوقت.

وفسر بكري الأمر بأن الدكتور عبدالعال لا يرغب في حضور الجلسات بصفته نائبًا بعد أن كان رئيسًا للمجلس خلال الفصل التشريعي الماضي.

المعنى واضح وجلي أن الدكتور علي عبدالعال غير مهيأ نفسيًا لقبول التحول من صاحب السلطة الأول داخل البرلمان إلى مجرد عضو فيه، ولا يمكن أن نلومه، فهذه حالة تضرب كثيرًا من المصريين حين يغرب دفء السلطة عنهم، إذ لا يقدرون على العيش في برودة غيابها، فالسلطة هي النداهة التي تخطف عشاقها إلى المياه العميقة، البعد عنها انزواء وعزلة، وقد رصد توفيق الحكيم في رائعته الخالدة يوميات نائب في الأرياف حالة غياب السلطة عن عمدة في قرية، حين عمل وكيلًا للنائب العام، وقال: ومررنا في طريقنا بالقرية، فإذا أصوات حزن وولولة نساء ترتفع من دوار العمدة، فقلت وأنا أُوقف السائق بإشارة: العمدة مات؟، ومر بقربنا خفير نظامي، وسألته عن الخبر، فأجابني أنه قد صدر اليوم أمر برفت العمدة الحالي وتعيين آخر مكانه من الأسرة المنافسة في القرية.

يستكمل الحكيم وصفه للمشهد بدقة وبساطة كاشفتين لخفاياه، فالبكاء والعويل وولولة النساء صاحبت (نقل تليفون الحكومة) من بيت العمدة القديم إلى بيت العمدة الجديد، وقال الحكيم: التليفون في مقام الصولجان، إنه مظهر السلطة والحكم وأداة الاتصال بالحكومة، وإن خلعه إنما هو رمز زوال السلطة.

وعن الإحساس بالسلطة روى الحكيم مشاجرة في غاية الدلالة، بين حرم مأمور المركز  وحرم القاضي، فماذا قال؟

طلعت المرأتان فوق الأسطح، ونزلا في بعض ردحا من النوع النظيف، امرأة المأمور لبست سترة زوجها الرسمية بالتاج والضبورة، وقالت لزوجة القاضى بالصوت العالي: ( أنتم حواليكم إلا قلة القيمة، لا يمشى وراكم إلا حاجب روبابيكيا، نُص عمر مِكسَّر صابغ شعره، لكن المركز كله بالخفر والعسكر تحت أمرنا يضرب لنا سلاما). ردت امرأة القاضى بلبس الوسام الأحمر فوق فستانها وقالت لها: (قطع لسانك، أنتم صحيح لكم إمارة على غفيرين مغفلين، لكم مَن فى البلد كلها يقدر يحبس ويشنق ويقول حكمت المحكمة غيرنا).

طبعا الدنيا تغيرت والصورة تبدلت ويستحيل أن تحدث هذه الواقعة أو تلك الآن، لكنها تنم عن ثقافة مجتمع، ولا نعرف ما الذى يصيب المصرى من السلطة حين يمسك بها، إذ يتعملق ويتحول إلى الاشكيف المخيف أو مستبد بالسليقة، يُسخف على عباد الله، ويستفز مشاعرهم كما لو أنه يمتحن قدرتهم على الانصياع والصمت، بل إن القريبين منه لا يتوقفون عن تصرفات تغيظ الناس وتبعث لهم رسالة ثقيلة نحن حماية، أنت عارف أنت بتكلم مين.

وإذا كان واقعا بين براثن السلطة يتقزم وينحنى وينصاع أو يعزل نفسه عنها ، لا يكتفى بأن يمشى جنب الحائط، ربما يدخل إليه، ولا يتقاطع معها إلا فى الضرورات القصوى، كأن يتعرض لتهديد مباشر يستحيل التعايش معه.
أذكر صديقا مجتهدا مثقفا كان يعمل فى مؤسسة كبرى مهمة، ومن المنحازين إلى قيم الحق والخير والجمال، لا يعجبه رئيس مجلس إدارته الذى كان مشهورا وقريبا من مراكز صناعة القرار، والسبب أن رئيس مجلس الإدارة يتصرف كأنه الحاكم بأمر الله، إذا دخل مكتبا يقفز الموظفون منتصبين كالأعمدة الصامتة وأيديهم مدلاة إلى جنوبهم، إذا تحرك يتحركون، ولا يجلسون إلى مكاتبهم حتى لو لم يكن أغلبهم طرفا فى الحديث، وفى أى اجتماع مع المديرين يتزلفون له، إذا نظر يسارا نظروا، إذا تحدث انصتوا، إذا قال رأيا ، فعبارات الإشادة تنطلق أسرع من الصاروخ، وإذا عارض رأيا تنهال كلمات التسفيه قتلا وشنقا، وإذا غادرهم  يسرعون خلفه حتى باب مكتبه، لم يبق إلا أن يقدسوه أو ينصبوا له مقاما فى مدخل المؤسسة. 

ودارت الأيام وجرت السنون، فإذا بصديقى يحتل المنصب الرفيع ولم يكن ذلك متوقعا، وقبل أن يهل الشهر الثالث رأيته يتصرف بنفس الطريقة التى كان ينتقد بها رئيس مجلس الإدارة إياه. وبعد سنوات حين سألته  فى لحظة صفاء، قال لي: الكرسى له قوة السحر، يقف أمامه الناس كما لو أنهم فى محراب عبادة، يسهلون لى كل شىء مهما يكن دون أى طلب مني، أقف يقفون، أمشى يمشون، أصمت يصمتون، أقول رأيا يتحول إلى قرار ويجدون له المخارج القانونية، بعد فترة شعرت أننى راكب بساط الريح حسبما أحلم يطير بي..يوما بعد يوم آلفت الوضع وصار جزءا من روتين أيامي، لا أستطيع الاستغناء عنه سحر أقوى من قدرتى على مقاومته. وبعد نزوله من على الكرسى انزوى تماما ولم أعد اسمع له حسا ويرد على التليفون بالعافية. نعم ليست حالة فردية، لكنها ظاهرة  تفسد عنصرا أساسيا فى النهوض بأى مجتمع وهو العمل الجماعى الجيد، وقد نكون رقم واحد على العالم فى الفردية وضعف العمل المشترك، يستثنى من ذلك المؤسسة العسكرية لقيامها على عنصر حاسم وهو الانضباط التام، وبعض التجارب المبهرة هنا أو هناك التى تمارس فيها السلطة بحرفية وعلم دون تسلط وعنجهية.

وأدعو مراكز الأبحاث  والدراسات الاجتماعية أن يعكفوا على دراسة هذه الظاهرة، فإذا فهمنا وأصلحنا سنكون قطعنا شوطا مهما نحو التحديث الشامل.

نقلاً عن

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة