آراء

ضد التصور الأسطوري للمرأة (8)

21-2-2021 | 15:37

هل تجاوز الخطاب الديني البشري التقليدي حدود الوحي في تفسيره للقرآن الكريم؟ وكيف استخدم التصورات والقوالب النمطية المتوارثة من بعض الأعراف الاجتماعية أو من قصص الأولين دون أسانيد من الوحي الكريم؟

ما الدليل على أنها طريقة تهدر السياق فى فهمها للقرآن الكريم؟ وما الدليل على أنها لا تفسر القرآن بالقرآن، ولا بالسنة الثابتة بيقين؟ وما الدليل على أنها تعكس التصورات والقوالب النمطية المتوارثة من بعض الأعراف الاجتماعية أو من قصص الأولين دون أسانيد من الوحى الكريم؟

تؤكد المرويات التى يعتمد عليها بعض المفسرين أن الثقافة الأكثر شيوعًا آنذاك تسلم بأن (المرأة عورة)، وأن (الذكر أفضل من الأنثى)، مع أن الآيات الكريمة موضوع حديثنا (الآيات 33- 37 من سورة آل عمران)، إذا فهمناها فهمًا مباشرًا فى حدود تفسير الكتاب بالكتاب، وفى حدود السياق العام للأحداث كما يقصها الكتاب، لا تدل على ذلك.
كيف؟

نوضح ذلك فى النقاط التالية:

أولا- تلك الروايات التى ذكرها البغوى فى تفسيره (معالم التنزيل فى تفسير القرآن)، والزمخشرى المعتزلى فى تفسيره (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل)، والقرطبى فى تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، والسيوطى الأشعرى فى تفسيره (الدر المنثور فى التفسير بالمأثور)، وغيرهم من بعض المفسرين، ليس لها أصل من الكتاب والسنة الثابتة بيقين، وغير مذكور مصدرها التاريخى سوى روايات الرواة المجهلة أو الموضوعة أو ضعيفة السند أو غير المنسوبة أصلا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يوجد أى دليل تاريخى علمى على صحتها ونسبتها إليه صلى الله عليه وسلم.

ومن الملاحظ أيضا أن المعتزلة دعاة العقل لم يكونوا خارج هذا المشهد، فقد لاحظنا فى المقال السابق كيف أن الزمخشرى المعتزلى يقع فى الخطأ المنهجى نفسه عندما يستند إلى مرويات غير ثابتة النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن المعتزلة شأن غيرهم وقعوا كثيرا فى فخ القوالب النمطية، واعتمدوا على مرويات لا ترجع إلى أصليّ الدين: القرآن والسنة الثابتة بيقين.

ثانيا- تنص تلك الرواية التى ذكرناها فى المقال السابق والتى أوردها السيوطى فى (الدر المنثور فى التفسير بالمأثور) دون سند يقينى عن ابن عباس رضى الله عنه، وأخرجها إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس، على أن الأنثى فى حد ذاتها عورة، فهل جاء فى هذه الآية الكريمة أو غيرها من آيات القرآن الكريم ما يدل على ذلك؟ أم أن كل آياته المعنية بذكر الأولين من الصالحين تدل على الفاعلية الإيجابية للمرأة فى أحداث كثيرة ومتنوعة، راجع مثلا قصة موسى عليه السلام مع أمه وأخته وامرأة فرعون التى احتضنته فى بيتها، ثم قصة موسى مع ابنتى شعيب عليهم السلام، هل تجد ما يدل فى ذلك على أن المرأة عورة أو كانت عورة؟! ونحن نرجع هنا إلى القصص القرآنى المتعلق ببنى إسرائيل، لأن امرأة عمران وابنتها مريم اللتين تدور حولهما الآيات محور حديثنا هنا من بنى إسرائيل. وأحد الضوابط التى نؤكد عليها هى تفسير القرآن بالقرآن.

وفيما يتعلق بقصة موسى مع أمه وأخته وامرأة فرعون التى احتضنته فى بيتها، انظر إلى الآيات التالية: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص: 6 – 13).

فهنا ثلاث نساء يظهرن فى المشاهد القرآنية: أم موسى، امرأة فرعون، أخت موسى؛ فهل يجد القارئ الكريم ما يشير إلى فكرة أن (المرأة عورة)؟ أم أن النساء الثلاث متفاعلات فى الأحداث؟

وفيما يتعلق بقصة موسى مع ابنتى شعيب عليهم السلام، اقرأ معى هذا المشاهد القرآنية: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قَالَ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص: 23 – 28).

فى المشهد الأول: بعد خروج موسى من قلب مصر، جاء موسى إلى مدين، فوجد مجموعة من الناس عند عين الماء التى يستقى منها أهل مدين، ووجد امرأتين تبعدان وتدفعان ماشيتهما، بعيدا عن الماء، لأن عليه مزاحمة. فتحدث معهما موسى بطريقة عادية جدا، لاحظ موسى عليه السلام يتحدث مع امرأتين لا يعرفهما لأنه أشفق عليهما، وقال: ما شأنكما؟ أى لماذا أنتما هكذا بعيدتين عن الماء لا تسقيان كما يسقى القوم؟ فردت المرأتان بكل بساطة وبطريقة مباشرة: لا نسقى حتى ينتهى الرعاء من ورودهم بئر الماء، (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

وفى المشهد الثاني: (فَسَقَى لَهُمَا).

والمشهد الثالث: (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).

والمشهد الرابع: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). حيث رجعت واحدة من الاثنتين تمشى بحياء وتحدثت معه مرة أخرى موجهة له دعوة من أبيها النبى شعيب عليه السلام، حتى يكافئه على تطوعه بمساعدة ابنتيه.

وتتوالى المشاهد، حتى تتكلم واحدة منهما، (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).

لاحظ هنا أن الفتاتين من بيت النبوة، فهما ابنتا شعيب النبى عليه السلام، ولا حظ أنهما فى أكثر من مشهد تتحدثان باحترام واتزان مع رجل أجنبى عنهما، ولا حظ أيضا أن موسى يتحدث معهما باحترام، فأين هى إذن فى هذه المشاهد قضية أن «المرأة عورة»؟

عزيزى القارئ الكريم.. لم تتسع المساحة المقررة للمقال إلا لنقطتين فقط، ونواصل الحديث عن بقية النقاط فى المقالات التالية إن شاء الله تعالى.

نقلاً عن

ضد التصور الأسطوري للمرأة (9)

رأينا فى المقالات السابقة كيف أن الخطاب الدينى البشرى التقليدى تجاوز فى كثير من الأوقات حدود الوحى فى تفسيره للوحي، وأهدر السياق فى فهمه للقرآن الكريم،

ضد التصور الأسطوري للمرأة (7)

يظهر لنا يوما بعد يوم بطلان طريقة التفكير القائمة على إصدار أحكام عامة دون تمييز، تلك الطريقة التى نجدها فى الخطاب الدينى البشرى التقليدي، والتى تكرر الأنماط

ضد التصور الأسطورى للشيطان (11)

سوف تستمر المعتقدات المزيفة طالما ظل يتمسك البعض بإتباع الفرق وتقديس الرجال، وسوف يستمر الإيمان بالأباطيل طالما يصر بعض المتحدثين باسم الدين على التمسك

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة