تحقيقات

على غرار حملة "المجتمع الجديد" بكوريا الجنوبية.. مشروعات شباب القرى تضع مصر على طريق النمور الآسيوية

21-2-2021 | 11:46

إحدى الفتيات العاملات بصناعة السجاد

محمد فتحي حرب

عندما نتحدث عن القرى المصرية أول ما يتبادر إلى الذهن حالة الفقر التي تسيطر على أهلها ورغبة شبابها في الهجرة غير الشرعية، ولكن أصبحت هناك نيّة قوية من قبل الدولة لتغيير تلك الصورة، وذلك مع إطلاق المبادرة الرئاسية لتطوير القرى الأكثر فقرا، هذا بجانب وجود العديد من الصور المغايرة لصور فقر القرى موجودة لدينا وذلك في القرى المنتجة، فالقرى ليست فقرا وهجرة غير شرعية فقط، ولكن هناك قرى استطاع أهلها أن يغيّروا من شكلها بالتركيز على بعض المنتجات، وهي تجارب تحتاج إلى دعم وتشجيع، ويمكن أن تكون أساس التطوير، وخصوصا أن القرى الصغيرة تلعب دورا كبيرا في دفع اقتصادات الدول للأمام، وهذا ما حدث في دول النمور الآسيوية، ونتحدث في التحقيق التالي عن تجارب تلك الدول.. وتجاربنا في القرى المنتجة، والتي قد تكون قادرة على وضع مصر على خطى النمور الآسيوية..

تجربة النمور
في كوريا الجنوبية تم تدشين حملة "المجتمع الجديد" وتنفيذها بقيادة رئيس الجمهورية الراحل "بارك جونج هي" من بداية عام 1971، وذلك من خلال زيادة دخل الأسر الزراعية وتحسين مستوى المعيشة في الإقليم، وبدأت الحملة بتنفيذ مشاريعها لتحسين الظروف في القرى، بإصلاح المساكن والطرق الزراعية وتوسيع الطرق، وتزويد القرى بالكهرباء، ثم التركيز على تعليم وتدريب سكان القرى وترقية الصناعات الريفية، للمساهمة في زيادة الدخل.
وفي تايوان تم توطين معظم المشروعات الصناعية في المدن الصغيرة والقرى، مما أدى إلى تقليل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الأقاليم المختلفة وبين الريف والحضر، ونشر عوائد التنمية على أوسع مساحة ممكنة، وبحيث يستفيد سكان المناطق الريفية من التنمية الصناعية، وضبط الهجرة من الريف إلى المدن أو من الريف إلى خارج الدولة.

القرى المنتجة
هناك العديد من تجارب القرى المنتجة في مصر، والتي يمكن الاستفادة منها والاهتمام بها، وأردنا أن نقوم بجولة على بعض تلك القرى لعرض تجاربها..
والبداية من قرية "كفر ميت الحارون" مركز زفتى بمحافظة الغربية، والتي حصلت على لقب "قرية الذهب الأسود"، فهي قرية صغيرة وجدت في إطارات السيارات المستعملة كنزا كبيرا، حيث يقوم أبناء القرية بتجميع تلك الإطارات من كل مكان، وإعادة تصنيعها في قريتهم وتحويلها إلى العديد من المنتجات.


ويقول أحمد عاصم- أحد العاملين في هذه المهنة بالقرية-: توارثنا هذه المهنة أبا عن جد، ونحقق من خلالها فائدة مزدوجة، حيث نستفيد ماديا من التجربة، وتستفيد الدولة من تدوير تلك الإطارات التي تمثل مشكلة في أماكن عديدة، وبدأت المهنة بقيام أهالي القرية بتقطيع الكاوتش المستعمل لإصلاح الأحذية وعمل "مقاطف" تستخدم في الزراعة، ثم بعد ذلك تطورت المهنة ووجد بعض الأهالي أنهم يمكن أن يعيدوا تصنيع الكاوتش مرة أخرى وتحويلها إلى منتجات مهمة، وأصبح أغلب الأهالي يعملون بتلك المهنة، فلا يوجد شخص بدون عمل في القرية، كما أن القرية جاذبة للشباب من القرى المجاورة لها، ولكننا في حاجة إلى بنية تحتية وأدوات تصنيعية، وقد زارنا العام الماضي د. طارق رحمي محافظ الغربية وشرحنا له احتياجاتنا، وأكد لنا العمل على تحويل القرية إلى قرية نموذجية.


وداخل ورشة صغيرة في القرية يمسك صابر عبد التواب بعض الأدوات الصغيرة ويقوم بتقطيع الكاوتش.. ويقول: القرية بها الكثير من الورش العاملة في تلك المهنة، لا يقل عددها عن 300 ورشة، فهي مهنة لا تحتاج إلى استثمار كبير، وهناك من يقوم بتخصيص جزء من منزله كورشة صغيرة، ويقوم البعض بتجميع وشراء الإطارات المستعملة من القرى والمراكز المجاورة أو من ورش تصليح الإطارات، ثم نقوم بتصنيع العديد من المنتجات، منها المقاطف، و"الطاقية السلك"، والتي تستخدم "لتجبير" الإطارات، لسد أي ثقوب في الإطارات حتى يتم استخدامها مرة أخرى، أو سيور عريضة تستخدمها جرارات حرث الأرض، وتصنيع سيور ماكينات "دراس الأرز" ودواسات السيارات، بجانب العديد من المنتجات الأخرى.

خلية نحل في نجع عون
وفي محافظة البحيرة كانت قرية نجع عون التابعة لمركز كفر الدوار ضمن أفقر القرى في مصر، ولكن سكانها نجحوا في القضاء على الفقر، وذلك من خلال زراعة الخضراوات العضوية على أسطح المنازل، وقضوا على البطالة، لتتحول إلى خلية نحل الكل يعمل فيها..ويروي رجب ربيع- أحد القائمين على المشروعات التنموية بالقرية- ما حدث من تحول داخل قريته ويقول: كنا قرية فقيرة جدا، والمنازل كانت مصنوعة من القش والصفيح، ولكني مع مجموعة من أهالي القرية أطلقنا مبادرة للقضاء على هذه الحالة، ووجدنا أنه أصبح هناك إقبال على الزراعة العضوية، وأنها تحقق مكاسب كبيرة، فلجأنا إليها بدعم من جمعيات تنموية

ولكن معظم الأهالي لا يملكون أراضي زراعية، ولذلك قررنا الزراعة فوق الأسطح، بعد الحصول على قروض صغيرة لتحويل أسطح المنازل إلى أسطح خرسانية، وحصل شباب القرية على دورات تدريبية بالتعاون مع جمعيات أهلية حول كيفية زراعة أسطح المنازل، واعتمدنا على نظام الزراعة المائية العضوية في الأنابيب البلاستيكية، وتحتوي على فتحات لوضع الشتلات بها، وتربط هذه الأنابيب بـ" أكواع" تنقل المياه من خطر إلى آخر، مما يجعلنا نستهلك كميات أقل من المياه، وهناك من يزرع أمام منزله، ونقوم ببيع المنتجات في الأسواق ونحتفظ بجزء للاستهلاك الشخصي.

ويستكمل أشرف عبد الشافي الحديث عن تجربة القرية ويقول: شكل القرية تغير تماما بعد أن كنا تحت خط الفقر، وبعد أن كانت نسبة البطالة مرتفعة لم يعد أحد بدون عمل، وهناك من عمل في الزراعة العضوية ثم بدأ يعمل في صناعة السجاد والأثاث أو تربية الدواجن والماشية، فهناك ورشة سجاد يعمل فيها أكثر من 100 فتاة وامرأة، وتتلقى الورشة الكثير من الطلبات من جميع المدن وحتى القاهرة، واستطاعت التصدير خارج مصر أيضا، وهناك أعمال اليدوية وخاصة الملابس والأقمشة.

تجربة فيومية
هناك تجربة أخرى في محافظة الفيوم، يقوم بها أهالي قرية شكشوك، التابعة لمركز أبشواي، حيث إن معظم سيدات وفتيات القرية يعملن في مهنة مختلفة وهي تقشير الجمبري لحساب تجار السمك والجمبري، مقابل الحصول على قشر الجمبري والذي يتم تحويله إلى أعلاف للطيور.


ولكن هناك بعض الشباب وجدوا استفادة اقتصادية أخرى من قشر الجمبري، من خلال استخراج مادة تسمى" شيتوزان" منها، وهي مادة مفيدة جدا، وهذا ما يقوم به رائدا الأعمال شهيرة يحيى وإيهاب أسامة، وقد أسسا شركتهما لهذا الغرض..


وعن أصل وفكرة المشروع، يقال إيهاب أسامة: فكرة المشروع جاءت من خلال المشاركة في حضور كامب في بحيرة قارون للتعرف علي أسباب تلوث مياه البحيرة، وما تلاه من نفوق الثروة السمكية هناك، ووجدنا أطنان وتلال من قشور الجمبري بدون استخدام فضلا عن أنها من أول المسببات للأمراض هناك، فضلا عن كونها غير مستغله، بوعد البحوث والدراسات تمكنا من معرفة استثمار القشور في تحقيق قيمة مضافة ومنتج يحقق الأرباح.
وقد بحث فريق العمل عن كيفية الاستفادة من النفايات البحرية، ووجد أن مادة الشيتوزان من المواد التي لها استخدامات عديدة منها إطعام الماشية، وتدخل في العديد من الصناعات مثل الطب والصيدلة ومعالجة المياه والزراعة والصناعة، وأصبحت الشركة رائدة في مجال البحث والتطوير والإنتاج الضخم للشيتوزان، وعرضوا شراء قشر الجمبري بدلا من رميه في الشوارع أو القمامة، حيث يتم إرسال القشر إلى المختبرات لاستخراج الشيتوزان، والذي يذهب بعد ذلك إلى المصانع لتحويلها إلى الأسمدة الزراعية.


ويقول أسامة: قشور الجمبري لها أكثر من 250 استخداما سواء في الصناعات الدوائية أو الأسمدة صديقة البيئة والبلاستيك والقطاعات الزراعية، وأول سوق نعمل فيه هو الزراعة، فعندما أجرينا دراسة لجميع القطاعات الحالية، وجدنا أن الزراعة هي القطاع الأنسب للبدء به، ونقوم بشراء قشر الجمبري من السيدات في الفيوم بقيمة 6 جنيهات للكيلو، وتتولى الشركة تجميع واستخراج مادة الشيتوزان.

تحويل المخلفات إلى كنوز
وتوجد لدينا العديد من التجارب الشبابية الناجحة الأخرى في الاستفادة اقتصاديا من القرى، فهناك الكثير من شباب القرى يحاولون حل مشاكل قراهم بطرق مبتكرة وتحقيق عائد مادي، وهو ما يحدث في قرية القرامطة بسوهاج، وذلك على يد رائد الأعمال محمد يسري، حيث وجد مشكلة كبيرة في قريته، وهي مشكلة أطنان مخلفات زراعة الموز.. والتي تتسبب في مشاكل كثيرة بيئية واجتماعية.. ولذلك فكر هو وفتاتان في حل ريادي يقضي على تلك المشكلة..


ويقول محمد يسري: هناك الكثير من القرى التي تزرع الموز في سوهاج، وبعد الحصاد يجب تقطيع الساق ورميها، فكان المزارعون يلقون تلك المخلفات إما في الشوارع أو في نهر النيل والترع أو حرقها، وكانت تحدث خلافات ومشاجرات عديدة بين العائلات داخل قريتنا بسبب ذلك، ولذلك فكرت أنا وفتاتان معي في نهاية 2018 في إيجاد حل لتلك المشكلة، حيث إن مخلفات زراعة الموز في سوهاج فقط 65 ألف طن سنويا، وفي مصر تتعدى المليون طن، وينتج عنها مشاكل بيئية وصحية بسبب حرقها، وفكرنا في التخلص من تلك المخلفات بطريقة آمنة، وبعد بحث وجدنا أن هناك تجربة للاستفادة من تلك المخلفات، حيث إن الهند تستخرج من تلك المخلفات ألياف يمكن استخدامها في تصنيع العديد من المنتجات، وقررنا أن نرى ما يفعلوه هناك، وتواصلنا مع أحد المصنعين ووجدنا أنهم يستخدمون ماكينة لذلك سعرها بالمصري 45 ألف جنيه، ولكننا جمعنا مبلغا بسيطا، ففكرنا في محاولة تصنيع ماكينة بدلا من استيرادها، وكان معنا مهندس زراعي وقام بتصنيع الماكينة بالفعل بتكلفة 9 آلاف جنيه، وبدأنا عملنا واستطعنا بالفعل فى استخراج ألياف، وأطلقنا على مشروعنا اسم Banana Art.

أما عن الخطوة التالية لما بعد استخراج الألياف من مخلفات شجر الموز فيقول يسري: بعد بحث وجدنا أننا يمكننا تصنيع العديد من المنتجات، فبدأنا تلك الفكرة بالفعل وحولنا الألياف إلى منتجات يدوية وحصائر وحقائب وإكسسوارات، وحاليا نقوم بتصنيع الورق من تلك الألياف، كما أننا وفرنا العديد من فرص العمل للفتيات، حيث إن معنا الآن أكثر من 35 فتاة تعمل على تحويل الألياف إلى منتجات، هذا بجانب الاستفادة المادية للمزارعين أنفسهم، فهناك من يأخذ الماكينة ليستخرج الألياف من الشجر، ونقوم بشرائها منه بـ 35 جنيها للكيلو، وقد حصلنا على جائزة أفضل مبادرة في الوطن العربي بمسابقة الشباب التطوعية والإنسانية بالكويت، وحصلنا على جائزة أخرى من أكاديمية البحث العلمي، وشاركنا بمعرض في لندن بالتعاون مع جامعة سوهاج.

تصنيع الأخشاب من بقايا المحاصيل
كنز آخر وجده مجموعة من الشباب في محاصيل الخضراوات غير المستخدمة وإعادة تدوير المخلفات الزراعية في العديد من القرى وخاصة قرى بمحافظة المحلة، حيث يقومون بتحويلها إلى أخشاب، وتوفير مصدر دخل جديد للمزارعين، هذا ما فعله أحمد الميهي ومحمد كفافي وهشام صبحي، بعد أن رأوا أن هناك مخلفات زراعية كثيرة مهدرة، مما جعلهم يفكرون في كيفية الاستفادة منها، وهو ما فعلوه من خلال شركتهم التي أسسوها، والتي تعمل على تصنيع الخشب من المخلفات الزراعية من خلال تكنولوجيا متطورة، وطرق صديقة للبيئة، وهو ما يقلل ٣٠٪ من تكلفة التصنيع، كما تتجنب قطع أشجار الغابات، وتوفر آلاف فرص العمل غير المباشرة في المجتمعات الريفية.


ويؤكد القائمون على الشركة أن الألواح الخشبية تمثل 60٪ من منتجات الألواح الخشبية العالمية، ويبلغ حجم السوق في مصر أكثر من مليار جنيه، وينمو بمعدل الضعف كل عام في العقد الماضي، وتغطي الواردات 90٪ من الاستهلاك الحالي، وتقنيتهم الجديدة هي نتيجة لأكثر من 6 سنوات من البحث والتطوير في مجال هندسة الأخشاب، حيث يعمل حلهم على تقليل تكلفة التصنيع بأكثر من 30٪ من العملية الحالية، ويحل معظم المشكلات التي تواجه الشركات المصنعة المحلية مثل العمالة الموسمية والاستهلاك العالي للطاقة والجودة المنخفضة، وأنشأوا تقنية معالجة جديدة حاصلة على براءة اختراع، والتي يمكن أن تستخدم المخلفات الزراعية غير المستغلة بكثرة، مما يحل مشكلة الشركة المصنعة المحلية لندرة المواد الخام وارتفاع استهلاك الطاقة، ونجحت الشركة في تصدير منتجاتها خارج مصر.


ويؤكد محمد كفافي أن رؤيتهم هي المساهمة في القطاع الصناعي في مصر، وتوفير العملة الصعبة من خلال كونها الشركة الرائدة في السوق في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، والتواجد ضمن أكبر الشركات المصنعة والمصدرة للمواد المركبة الخضراء في العالم ، وكذلك توفير بيئة صحية وتطوير المناطق الريفية، وإنتاج ألواح خشبية ذات قيمة عالية لتلبية احتياجات أسواقنا، وتزويدها بجودة عالية تلبي المعايير الدولية، وذلك بالاستفادة من مواردنا المهدرة.


وفازت الشركة بالعديد من الجوائز المحلية والدولية، حيث تم اختيارها من أفضل 10 شركات ناشئة بأفريقيا من بين 3000 شركة على مستوى القارة والتي تساهم في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتم اختيارها للمشاركة في المسابقة العالمية الأشهر للشركات الناشئة ذات الأثر المجتمعي والبيئي بالولايات المتحدة الأمريكية بجامعة بيركيلي بولاية كاليفورنيا( Global Social Venture Competition)، حيث كان ضمن أفضل ٦ شركات من بين آلاف الشركات المشاركة من ٦٧ دولة في العالم و حصلت على جائزة (People Choice Award).


القضاء على مراكب الموت
هناك خطوة مهمة تقوم بها الدولة في سبيل تحسين الحياة داخل القرى، وهي محاولة القضاء على الهجرة غير شرعية، وذلك من خلال العديد من المبادرات..
من تلك المبادرات مبادرة "مراكب النجاة" والتي تهدف إلى التوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية وبحث الأسباب التي أدت إليها والعمل على حلها، وتدريب وتأهيل الشباب ودعمهم والعمل على توفير الآلاف من فرص العمل، بجانب افتتاح المركز المصري الألماني للوظائف والإدماج، والذي يستهدف تقليل الهجرة غير الشرعية في مصر، من خلال تحديد أسبابها، وإتاحة فرص العمل للشباب المصري وتأهيلهم لسوق العمل، وذلك بالتعاون بين وزارة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وذلك ضمن مبادرة "مراكب النجاة" وبتكليف من الوزارة الفيدرالية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ).

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة