آراء

حول دعوات تغيير النظام في تونس

20-2-2021 | 16:24

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي أم النظام البرلماني؟. وهذا السؤال فى حد ذاته ليس جديدًا ولا هو وليد العقد الأخير، لكنه طرح نفسه بقوة مع انفتاح آفاق التغيير السياسي.

وبسبب الخبرة السيئة لتطبيقات النظام الرئاسي في الدول العربية رجّح كثيرون الأخذ بالنظام البرلمانى، حدث هذا فى تونس عام ٢٠١١ واستمر إلى أن تم وضع دستور عام ٢٠١٤، ونصت مسودة الدستور اليمنى على التحول للنظام البرلمانى على مستوى الأقاليم الستة، وبدا كما لو أن النظام البرلمانى هو المفتاح لحل جميع مشكلات الدول العربية.

ومثل هذه النتيجة تغاضت عن أمرين أساسيين، الأمر الأول هو أن العبرة ليست بشكل نظام الحكم ولكن بتطبيق هذا النظام، فالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة قائم على توازن السلطات، وقد رأينا كيف أن ترامب عندما حاول تعطيل سلطة الكونجرس فى التصديق على انتخاب بايدن قامت الدنيا عليه ولم تقعد، كما رأينا فى المقابل كيف أن نانسى بيلوسي رئيسة مجلس النواب عندما تجاوزت صلاحياتها واتصلت بكبار القادة العسكريين لمنع ترامب من استخدام الحقيبة النووية تم اتهامها بالانقلاب على الدستور. وبالتالي فعندما يقال إنه حدث تجميع للسلطات في يد زين العابدين بن على فى تونس مثلاً فإن هذا له علاقة بسوء تطبيق النموذج الرئاسي ولا علاقة له بفشل النموذج نفسه.

أما الأمر الثانى فهو أن النظام البرلمانى يَلزَمَه نظام حزبى قوى لأن السلطة تكون بيد حزب الأغلبية، والأحزاب السياسية فى الدول العربية هى أحزاب هشة لا يتحصل أى منها على الأغلبية البرلمانية، وبالتالى نكون إزاء تركيبة برلمانية مفتتة كتلك التى نشهدها حاليا فى تونس. وظاهرة ضعف الأحزاب العربية لها أسباب كثيرة، بعضها يعود للتضييق عليها والبعض الآخر يعود لأنانية هذه الأحزاب نفسها.

اعتباراً من دستور عام ٢٠١٤ اتجهت تونس للأخذ بنظام حكم هجين أى مختلط يجمع بين خصائص النظامين البرلمانى والرئاسى، وجاء هذا التحول بعد معاناة شديدة من النظام البرلمانى الذى ساد من ٢٠١١ وحتى ٢٠١٤. فخلال هذه المرحلة وجد رئيس الجمهورية المنصف المرزوقى أن دوره رمزى بامتياز، وعبّر عن احتجاجه على هذا الوضع بأشكال مختلفة منها الاعتكاف فى قصر قرطاچ فى يونيو ٢٠١٢ بعد أن اتخذ رئيس الحكومة حمادى الجبالى قراراً مهماً دون مشاورة المرزوقى فيه ولا حتى إعلامه به. ومن هنا جاء النظام الهجين فى دستور ٢٠١٤ ليعطى لرئيس الجمهورية بعض السلطات الإضافية وإن ظلت أقل من سلطات رئيس الحكومة، وفى الوقت نفسه، ترك الدستور بعض المساحات الرمادية التى قد تكون موضع تنازع.

لنأخذ مثلاً الفصل ٨٩ من الدستور المتعلق بتشكيل الحكومة وسنجده ينص على أنه لو فشل مرشح حزب الأغلبية فى الحصول على ثقة البرلمان، فإن رئيس الجمهورية يقوم خلاله بالتشاور مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر.
مثل هذا النص يثير السؤال عمن ياترى يكون صاحب الشخصية الأقدر وماهو تعريف القدرة؟ وهل لابد أن يكون الشخص من الأحزاب الممثلة فى البرلمان أم يمكن ألا يكون له ظهير حزبى أصلاً ؟ كما أن النص ألزم رئيس الجمهورية بالتشاور مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية, لكنه لم يلزمه بالتقيد بنتيجة هذه المشاورات.

وهذا بالضبط هو ما فعله قيس سعيد عندما كلّف هشام المشيشى، فلقد تشاور مع الأحزاب وطرحت عليه مرشحيها واستمع إليها جيداً ثم اختار المشيشى الذى لم يرشحه أحد، وبدأت الأزمة التى تطورت إلى ماوصلت إليه حالياً، أراد رئيس الجمهورية تأكيد وجوده مستغلاً غموض نص الشخصية الأقدر ودافعت الأحزاب البرلمانية عن حقها فى اختيار رئيس الحكومة، ثم وقعت صفقة غير معلنة للانتقام من قيس سعيد.

لذلك ترتفع الأصوات بين وقت لآخر فى تونس لتطالب بتغيير نظام الحكم. يدعو قيس سعيد لنظام حكم رئاسى، لأن هذا النظام يسمح له بتعزيز وضعه، كما يسمح له بتحقيق حلمه الانتخابى الأثير فى بناء نظام سياسى من القاعدة للقمة «محليات منتخبة تنبثق عنها مجالس جهوية تتولى اختيار أعضاء البرلمان». أما الغنوشى فإنه يدعو لنظام حكم برلمانى صرف يكون فيه مجلس نواب الشعب هو مركز السلطة ومحورها، وهنا نلاحظ أن دعوة الغنوشى للنظام البرلمانى تنبع من إدراكه صعوبة أن يصل مرشح إسلامى لقصر قرطاچ بسبب المزاج السياسى للشعب التونسى، ومادام الأمر كذلك ،فليسع الغنوشى إذن لتهميش دور رئيس الجمهورية، وليراهن على تحقيق الأغلبية حتى ولو كانت نسبية داخل البرلمان والاحتفاظ لحركته برأى فى اختيار رئيس الحكومة. والأمر كله سياسة فى سياسة ولا علاقة له بأى نظم الحكم أكثر ملاءمة لتونس.

من يتصور أن بالإمكان فى هذه الظروف التى تمر بها تونس تعديل الدستور لتغيير نظام الحكم هو واهم، فليست هناك أصلًا محكمة دستورية لتحكم بأن التعديل المقترح ممكن ولا يمس الأمور المحظور تعديلها ، وذلك قبل أن نتحدث عن صعوبة توفر أغلبية الثلثين لتمرير التعديل داخل البرلمان . لكن من المؤكد أنه متى تهيأت الظروف السياسية فإن الشعب قد يرى تصويب هذه التجربة بتحديد واضح للسلطات ودعم موقع رئيس الجمهورية فى إطار النظام المختلط ، أو باختيار نظام آخر يناسب ظروف تونس ويتحرر من الأحكام المسبقة عن النظامين البرلماني والرئاسي.

نقلاً عن الأهرام اليومي

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة