عرب وعالم

صورايخ أربيل.. رسالة بعلم الوصول من ملالى طهران إلى «بايدن»

20-2-2021 | 15:05

صورايخ أربيل

عبدالخالق صبحى

ربما تكون الهجمات الصاروخية العنيفة التي استهدفت مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق يوم الاثنين الماضي جزءا يسيرا من الفاتورة التي يتعين علي قوات الاحتلال الأمريكية تسديدها ـ كممثلة للإدارة الأمريكية ـ بأثر رجعي جراء ما فعله الساسة الأمريكيون في هذا البلد العربي الشقيق قبل حوالي عقدين من الزمان. فالإدارة الأمريكية التي قررت احتلال العراق في العام 2003 وتفكيك الجيش العراقي، ونشر الفوضي والخراب والفقر في هذا البلد، وإثارة النعرات المذهبية، والاستيلاء علي ثروات البلاد ثم تمكين الجارة الشيعية من مفاصل الدولة بميليشيات مسلحة قبل الانسحاب الجزئي منها بغرض تقسيم العراق إلي ثلاث دويلات.. واحدة سنية والأخري شيعية والثالثة كردية، وهي التي سمحت لإيران بالتغول في المنطقة علي حساب كل جيرانها العرب في العراق وسوريا واليمن ولبنان من خلال أذرعها العسكرية من ميليشيات مسلحة تنشر القتل وتزعزع استقرار الدول المجاورة وتقوم بتسليح الجماعات الموالية لها .. هي الإدارة التي تستقبل الآن الرسالة الموجهة إليها من ملالي طهران في صورة هجمات صاروخية عنيفة ضد مدينة عراقية كردية مفادها أن الذراع العسكري الإيراني قادر علي الوصول إلي المصالح الأمريكية داخل العراق وربما في منطقة المشرق العربي التي تعربد فيها منذ عقدين من الزمان وبالتزامن مع الاحتلال الأمريكي للعراق.

الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة ترامب شددت الخناق على إيران بعقوبات اقتصادية قاسية، واستهدفت برنامجها النووي، رغم أنها سبق وأفسحت لها المجال للتغول ولعب دور الفزاعة النووية لجيرانها العرب، وإيران من جانبها تحاول الثأر لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليمانى وتحاول الثأر لمقتل أكبر عالم نووى بها تم اغتياله بعملية استخباراتية نوعية محكمة هو محسن فخرى زادة، وغيرهما من العاملين فى المنشآت النووية الإيرانية، إلا أن الرد لا يمكن أن يكون مباشرا ضد مصالح أمريكية حقيقية حتى لا تتعرض طهران لمزيد من العقوبات، وهذا يفسر قلة عدد ضحايا الهجوم الصاروخى المكثف الذى تبنته إحدى الميليشيات العراقية الموالية لإيران.

واشنطن من جانبها تلقت الرسالة وفهمت فحواها رغم ميل الإدارة الحالية برئاسة بايدن إلى التفاوض حول البرنامج النووى الإيراني.

يقول المحلل السياسى الأمريكى مايكل نايتس فى معهد واشنطن، المتخصص فى شئون الميليشيات المدعومة من إيران فى العراق واليمن فى مقال مطول على الموقع الإلكترونى للمعهد تحت عنوان «الصواريخ تسقط على أربيل.. كيفية الرد على غضب المليشيات العراقية»:

اتخذت الميليشيات المدعومة من إيران خطوة غير مسبوقة بقصف مدينة رئيسية وقاعدة أمريكية بالصواريخ فى «إقليم كردستان العراق»، بإمكان الولايات المتحدة استخدام قدراتها الاستخباراتية الداخلية لربط «جبهات» الحملة الدعائية، على غرار «سرايا أولياء الدم» و«أصحاب الكهف»، بتحركات إرهابية وميليشياوية كبري، مثل «عصائب أهل الحق». يجب على إدارة بايدن أن تجد بسرعة صيغتها الخاصة لاستعادة الردع.

فى 15 فبراير، تعرّضت مدينة أربيل عاصمة الإقليم لهجوم صاروخى عنيف أسفر عن مقتل مقاول يعمل لصالح التحالف بقيادة الولايات المتحدة فى مطار أربيل، وجرح 5 آخرين من أفراد التحالف (بمن فيهم جندى أمريكي)، وجرح ما لا يقل عن ثلاثة مدنيين من السكان المحليين. وربما تمت محاولة إطلاق ما يصل إلى 28 صاروخاً، سقط أكثر من 12 منها فى المدينة المكتظة بالسكان، فى عملية قصف متهورة بشكل غير مسبوق لمركز سكانى مدني.

وعلى الرغم من الجهود لتعكير الأجواء من خلال استخدام جماعات «واجهة» لكى تعلن مسئوليتها عن الهجوم، إلا أنه من المحتمل أن تكون الميليشيات المدعومة من إيران هى المسئولة، نظراً إلى أنماطها فى الإعلان عن الهجمات السابقة. وتُواجه إدارة بايدن الآن مهمة صعبة تتمثل بإعداد رد مدروس بل حازم، ويجب أن تتخذ بعض القرارات المهمة حول كيفية تصنيف وردع مثل هذه الهجمات التى تستهدف مواطنين أمريكيين وشركاء الولايات المتحدة فى المستقبل.

المحلل الأمريكى مع الأخذ فى الاعتبار أنه لا يعد ممثلا للحكومة الأمريكية ولا متحدثا باسمها ـ أقر فى تحليله بأن إيران وراء تلك الهجمات، وبأن الرئيس الأمريكى جو بايدن مطالب برد حازم على تلك الهجمات لأنها تستهدف جنودا أمريكيين، وأغفل أن هؤلاء الجنود هم جنود احتلال فى الأساس، وتغافل عن أن من سمح لإيران بأن يكون لها مثل هذا النفوذ فى العراق هم الأمريكيون أنفسهم، عندما انسحبوا انسحابا جزئيا من العراق وتركوا مفاتيحه فى أيدى الجارة الفارسية.

وفى سياق تحليله المطول اعتراف ضمنى آخر بأن الاستخبارات الأمريكية موجودة بقوة فى الأراضى العراقية حيث وصف وصفا تفصيليا ما جرى خلال تلك الهجمات الصاروخية على مدينة أربيل.. يقول مايكل نايتس:

فى تمام الساعة 21:15 (بتوقيت أربيل)، تمّ إطلاق وابل من الصواريخ من عيار 107 ملم من سيارة متسترة خارج سوق زراعى على بعد خمسة أميال جنوبى غربى أربيل. ويبدو أن السيارة دخلت إلى «إقليم كردستان العراق» من أرض زراعية فى العراق الاتحادي، إما من سهل نينوى إلى الغرب أو من منطقة سرجران إلى الجنوب. وكانت حيلة التمويه المستخدمة بارعة، حيث أن العديد من الشاحنات الزراعية تدْخُل إلى «إقليم كردستان» من العراق الاتحادى محملةً بالمواد الغذائية إلى أربيل، وكانت هذه الشاحنة تحتوى على مجموعة مخفية من أنابيب الإطلاق «المنبثقة» تحت منطقة التحميل. ويُعتبر الهجوم الضربة الثانية التى تتلقاها أربيل فى الآونة الأخيرة، علماً بأن الضربة الأولى كانت هجوماً بصاروخ بعيد المدى بالقرب من مطار أربيل فى 30 سبتمبر 2020، كان قد تمّ إطلاقه من خارج «إقليم كردستان» من قرية برطلة الخاضعة لسيطرة الميليشيات، شرقى الموصل.

وتَعَقّب رادار التحالف إطلاق 14 صاروخاً باتجاه شمال غرب مدينة أربيل والمطار، الذى يضم قاعدة التحالف، رغم أن العدد الفعلى للصواريخ ربما كان 24 صاروخاً. ولم يتمّ تفعيل أى دفاعات جوية، ويعزى السبب على الأرجح إلى تجنب خطر ضرب أى مبان شاهقة (ناطحات سحاب) عن طريق الخطأ. وسقط صاروخان على مطار أربيل، مما أسفر عن مقتل مقاول أجنبى غير أمريكى وإصابة خمسة آخرين، بالإضافةً إلى جندى أمريكي. كما جُرح ما لا يقل عن ثلاثة مدنيين من السكان المحليين نتيجة سقوط أحد عشر صاروخاً كما يُعرف على المدينة، وهو عدد منخفض بأعجوبة نظراً إلى الشوارع المزدحمة. وتعرضت القنصلية الصينية للقصف، بينما سقطت صواريخ أخرى بالقرب من قنصلية «السلطة الفلسطينية». وإذا ما اشتعلت النيران فى إحدى ناطحات السحاب فى أربيل، لربما كان عدد القتلى فى العشرات أو المئات.
ويتساءل مايكا نايتس: من هى الجماعة التى نفذت الهجوم؟

أعلنت جماعة تُعرف بـ «سرايا أولياء الدم» مسئوليتها عن الهجوم، كما أعلنت هذه الجماعة مسئوليتها أيضا عن هجمات بين الحين والآخر: وفى الآونة الأخيرة، تبنت تفجيراً بقنبلة مزروعة على جانب الطريق فى 25 يناير 2021 استهدفت سيارة مقاول يعمل لدى التحالف فى جنوب العراق. تجدر الملاحظة أن هذه الجماعة ليست سوى علامة على وسائل التواصل - شعار وقناة تلجرام وبعض التغريدات. والأهم من ذلك هو (1) تسلسل التغطية الإعلامية للهجوم و(2) العلاقات المثبتة للجماعة بميليشيا واحدة على الأقل مدعومة من إيران، هى «عصائب أهل الحق»، التى صنفتها الولايات المتحدة «منظمة إرهابية أجنبية» فى 3 يناير 2020. ووقع الهجوم فى أربيل فى نهاية اليوم، عندما ادّعت جبهة إعلامية أخرى تابعة لـ «عصائب أهل الحق» هى «أصحاب الكهف»، بإطلاق صاروخ بعيد المدى مركّب على شاحنة على قاعدة تركية فى شمال العراق، فى حادثة عكست الانتقاد الذى وجهته الميليشيات العراقية مؤخراً للعمليات العسكرية التركية الرامية إلى تقييد تحركات «حزب العمال الكردستاني» فى «إقليم كردستان العراق» وسنجار. وانتهزت الميليشيات المدعومة من إيران مثل «عصائب أهل الحق» الفرصة لتبدو وكأنها «تدافع عن العراق» ضد تركيا، وتنتقد القيادة العراقية-الكردية، وتؤدى إلى تفاقم التوترات داخل «إقليم كردستان» بشأن قضايا «حزب العمال الكردستاني» وتركيا وسياسة الحزب العراقى الكردي.

لسنا فى حاجة إلى استعراض كل ما جاء فى المقال التحليلى لمايكل نايتس من بيانات غزيرة وتوقيتات دقيقة يعجز أى محلل سياسى وحده على الحصول عليها إلا من مصادر استخباراتية وعسكرية موجودة على الأرض فى زمن قياسى حتى قبل أن تنتهى جهات التحقيق المحلية من عملها إلا فى التدليل على أن الوجود الأمريكى لا يزال مستمرا فى العراق حتى الساعة، وعلى أن الإيرانيين أيضا موجودون يمارسون العربدة الإرهابية فى بلد عربى فيما يمكن وصفه بعبارة «انقلب السحر على الساحر».

فالأمريكيون هم من حضر السحر وجاء بالإيرانيين إلى العراق وغيره، وها هم الإيرانيون والميليشيات الموالية لهم مع اختلاف مسمياتهم من «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«سرايا أولياء الدم» وغيرها ينقلبون على من حضرهم ويهددون مصالحه ويقتلون جنوده لأمر لا يخص العراق من قريب أو بعيد!

ويواصل مايكل نايتس تحليله للهجوم الصاروخى على أربيل ليصل إلى النتيجة النهائية ويصيغها بمنتهى الوضوح فيما يتعين على الإدارة الأمريكية أن تفعله إزاء هذا الهجوم بعد استجلاء حقيقته والأهداف المرجوة منه من جانب الجناح العسكرى الذى قام بتنفيذه وفقا لأهداف الملالى فى طهران بقوله: تميل المعلومات الاستخباراتية السرية الأمريكية إلى الكشف بسرعة كبيرة عن مدى ضلوع إيران، الأمر الذى سينير إدارة بايدن بشأن دور طهران فى الحادثة. وسواء كانت إيران تعتزم إجراء مثل هذا الاختبار أم لا، فإن النتيجة واحدة - يتعين على إدارة بايدن الآن إما صياغة رد يبدو حازماً وقابلاً للردع، أو مواجهة فقدان مبكر لمصداقيتها فى نظر الشركاء الإقليميين. وتواجه الحكومة الأمريكية أزمة دقيقة فى العراق، الذى لطالما كان موقعاً محتملاً لاختبار مبكر لإدارة بايدن. وترغب الإدارة الأمريكية فى ردع الهجمات على الأمريكيين وشركاء الولايات المتحدة، فى وقت تنتهج فيه نبرة مختلفة عن لجوء إدارة ترامب المتكرر إلى التهديدات العسكرية، والانتقام القاتل فى بعض الأحيان وفرض عقوبات جديدة. ومثل هذه الأهداف ترفع مستوى المعايير أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، وستختبر من دون شك براعتها وقدرتها الإبداعية.

وعليه، يجب أن تتمثل أولى أولويات الإدارة الأمريكية فى مراقبة أعمال الميليشيات المدعومة من إيران عن كثب، من أجل تقديم أدلة يمكن مشاركتها علناً عن مصدر الهجمات مثل الضربة الصاروخية على أربيل. ويمكن للولايات المتحدة استخدام قدراتها الاستخباراتية الداخلية والمجتمع التحليلى النافذ المفتوح المصدر لربط «جبهات» الحملة الدعائية، على غرار «سرايا أولياء الدم» و «أصحاب الكهف»، بتحركات إرهابية وميليشياوية كبري، مثل «عصائب أهل الحق».

مما سبق يمكن القول أن ما جرى فى مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق من هجمات صاروخية مكثفة وعنيفة لا يخرج عن كونه مباراة بين الولايات المتحدة وإيران فوق الأراضى العراقية بشأن البرنامج النووى الإيرانى الذى تراه إيران حقا أصيلا لها، وتراه واشنطن خطرا داهما على حليفتها إسرائيل.


آثار التدمير جراء الهجوم علي أربيل


آثار التدمير التي أحدثها الهجوم الصاروخي علي أربيل

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة