عرب وعالم

اليمن بين مطرقة "داحش" وسندان التقسيم.. «أمريكا وإيران والحوثيون» عشق «باطني» وصدامات مظهرية (2-2)

20-2-2021 | 17:01
اليمن بين مطرقة داحش وسندان التقسيم «أمريكا وإيران والحوثيون عشق «باطني وصدامات مظهرية  اليمن ..بين مطرقة "داحش" وسندان التقسيم
Advertisements
عبد الفتاح أنور البطة

فى كتابه «لعبة الأمم» يؤكد مايلز كوبلاند مسئول المخابرات الأمريكية «السي أى إيه» في مصر قبل وأثناء ثورة 23 يوليو عام 1952، ما مفاده أن أمريكا تخسر أصدقاءها في المنطقة إذا تكلموا علنا عن علاقات العمالة والصداقة، وأن الأفضل انتقاد أمريكا «ظاهريًا» وجعل العمالة والخيانة «باطنية».

فمعظم ما يحدث فى الشرق الأوسط لا تعبر عنه المواقف المعلنة والظاهرة للسياسيين ومن يدور فى فلكهم، وإنما تحدده ما يدور فى الغرف المغلقة وما يتفق عليه رجال المخابرات والعمل السرى، وأصحاب مصانع السلاح والشركات العابرة للقارات وجماعات الضغط، ومنذ قيام ثورة الخومينى فى إيران عام 1979، والعالم يسمع عن عداوات على الورق تحرق بلادا بأكملها تمثلها شعارات من قبيل (الموت لأمريكا – أمريكا هى الشيطان الأكبر، اللعنة على اليهود، الموت لاسرائيل).

لكن لم نشاهد إلا تعاونا مشتركا فى أفغانستان أسقطها فى يد أمريكا وزاد من نفوذ إيران فيها بعد أن كان معدوما أيام حركة طالبان، وأطاح تعاونهما فى العراق بصدام حسين لتحتل الولايات المتحدة العراق، ثم تتركه فيما بعد لإيران تماما كما فعلت الامبراطورية البريطانية عند ضعفها وتراجع نفوذها العسكرى والسياسى والاقتصادى، اختارت من يحل محلها ويكون قريبا منها دينيا وثقافيا واجتماعيا، فسلمت مستعمراتها السابقة فى المنطقة للقوة العظمى الناشئة آنذاك الولايات المتحدة.

والتاريخ يعيد نفسه، فقدرة الولايات المتحدة على التحكم وإدارة كل التفاصيل فى الدول التى تحتلها تقترب من حالة الإمبراطورية البريطانية فى أيامها الأخيرة .

ولذا لابد من التفاهم أو التوصل إلى صيغة معينة تدخل بمقتضاها قوة أخرى تكون وكيلا أو عميلا أو بديلا فى إطار تبادل المصالح، ومن هذا المنطلق تتحرك واشنطن مع إيران، وإن كان بأسلوب يُوحى للناظر المتعجل بأن الأمر مختلف وأن العداوة هى التى تحكم العلاقة.

ولا تغير الصدامات المظهرية التى اقتربت كثيرًا من توقع انطلاق آلة التدمير العسكرية المدمرة للمنطقة العربية من نفى حقيقة أن ما يجمع بين الأمريكى والإيرانى أكثر مما يفرق، وأن التهديدات العسكرية المتبادلة والعقوبات الاقتصادية الخانقة على طهران ليست إلا ضغوطًا لجلب إيران إلى الحضن الأمريكى.

وقبل عاصفة الحزم العربية التي قادتها السعودية بمشاركة الإمارات، أخلت واشنطن الساحة تماما لإيران فى اليمن، وذلك بسحب قواتها الخاصة من قاعدة العند الجوية لتسلمها للحوثيين بعد تعاون استمر منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء فى سبتمبر 2014، فالحوثيون يضربون من الأرض والطائرات بدون طيار الأمريكية تضرب من فوق ولا تصيب أحدًا من الحوثيين.

مواقف كاشفة

وعبرت فلتات لسان جون كيرى وزير الخارجية الأمريكية الأسبق عن حقيقة العلاقة عندما وصف الخليج العربى بالخليج الفارسى، وظهر وهو يتنزه بحميمية وألفة فى شوارع سويسرا مع نظيره الإيرانى، وسبق ذلك الحديث عن رسائل كثيرة سرية متبادلة بين الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما ومرشد الثورة الإيرانية على خامنئى.

وفى العراق، تحدثت وزارة الدفاع الأمريكية عن دور ايجابى لإيران فى العراق خاصة فى مواجهة تنظيم داعش، وضربت الطائرات الأمريكية مئات المرات مواقع وأفراد التنظيم، ولم تُخطىء مرة واحدة وتضرب – مع وجود حالة اشتباك - أحدا من الحرس الثورى الإيرانى أومن مليشيات الحشد الشعبى الشيعى التى تديرها طهران.

وفى لبنان، تعاملت واشنطن مع حزب الله التابع لإيران على أنه حزب سياسى.وقبل كل ذلك، لو كان الحصار الاقتصادى المزعوم على طهران حقيقيا لأتى بنتائج كالتى أحدثها الحصار على الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، أو على السودان أيام عمر البشير، أو على زيمبابوى أيام روبرت موجابى.

مرحلة باراك أوباما

ترتكز السياسة الاستراتيجية لواشنطن الخاصة باليمن والتى يمكن من خلالها تحديد مواقفها المبدئية على خلق عدو جديد لتنظيم "القاعدة" على غرار سياساتها الطائفية في العراق، فهى ترى أن القضاء على التنظيمات الموالية للتنظيم لن يتأتى إلا من خلال خلق عدو جديد للإسلام السني.

وقد وجدت في الإسلام الشيعي الحل؛ فسعت جاهدة لتهيئة الجماعات الشيعية لمحاربة العدو اللدود لها والمتمثل في تنظمي "القاعدة" و"داعش"، ومن هذا المنطلق، اعتبرت واشنطن الحوثيين في اليمن شريكا قويا في محاربة "القاعدة" في اليمن.

وكانت هذه الرؤية قاطرة السياسة الأمريكية أيام كان جو بايدن نائبا لباراك أوباما، ولهذا نظرت إلى تحالف الأعداء و"زواج المتعة "بين الحوثيين والرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، بأنه خلق واقعا جديدا من الصعب تجاوزه. لذلك،دعت لوقف إطلاق النار دون وضع حلول عملية لوقف الصراع، فهي تعي أن من يسيطرون على الأرض ويتحكمون في السلطة داخل البلاد هم من سيكون لهم الغلبة بحكم سلطة الأمر الواقع، خاصة أن المنطقة القبلية العصية التي تتحكم في نظام الحكم عبر التاريخ والمتمثلة في المناطق الممتدة من صعدة شمالا إلى حدود تعز جنوبا خاضعة كليا للحوثيين وصالح مما ساهم في ترسيخ سلطتهم.

وعلى الرغم من الصراع الدائر في اليمن وفي كثير من البلدان العربية مثل سوريا والعراق وليبيا، فإن مصالح الولايات المتحدة لم يلحقها تأثير مباشر، فمصالحها مكفولة من تأمين إمدادات النفط، ومن تواجدها العسكري في البر، أو من خلال بوارجها الحربية في بحار المنطقة ومحيطاتها المجاورة؛ لذلك ترى واشنطن أن الصراع الجاري في المنطقة يساهم في إضعاف الجماعات المناوئة لها ويأمن شرها، ويقلل من تهديدها على الداخل الأمريكي.

كما ترى واشنطن أن مصالحها تكون آمنة أكثر في ظل وجود فوضى مسيطر عليها من خلال سياستها المعتمدة على ما يسمي بـ"الفوضى الخلاقة"، حيث تقوم السياسة الأمريكية على استمرار الصراعات في المنطقة، خاصة في الدول العربية المحيطة بدول الخليج العربي بما يمثله ذلك من تهديد لهذه الدول. لذا نجدها تسمح لدور إيراني في المنطقة دون اتخاذ إجراء يؤمن دول الخليج،مما يجعلها تشعر بخطر إيراني حقيقي يدفعها للتمسك بتحالفاتها معها من جهة، ويساهم هذا الوضع في إبقاء إسرائيل في مأمن مما يحدث في المنطقة من جهة أخرى.

ولذا اتسمت سياسة الإدارة الأمريكية تجاه حل الصراع بالعمومية والغموض، وقد تجلى ذلك في مبادرة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري الذي ركز على وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية دون الدخول في عمق الصراع، وإيجاد حل مقنع لكل الأطراف يحفظ لكل طرف حدا أدنى من تحقيق مطالبه من خلال بنود واضحة وآلية تنفيذية مزمنة.

مرحلة ترامب

لا ريب أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل عام ثابتة ومستقرة من حيث المسار العام،لكنها تختلف من حيث التطبيق من رئيس إلى آخر، وهي بالأساس تقوم على مبدأ حماية المصالح الأمريكية في الشرق وفى القلب منها حماية اسرائيل.

فمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي بشكل خاص منطقة تماس بين أقطاب المعادلة الدولية، لذا فإن الرؤية الأمريكية تقضي بالاحتفاظ بها بيئة قلقة وغير مستقرة حتى تمتص آثار الصراعات الدولية ولا تتأثر أمريكا وأوروبا بذلك الصراع.

ومع تسلم الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، السلطة فى 2020 انخرط بقوة- مشدودا بحسابات مالية محضة-عسكريا في حرب اليمن من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي وإعادة التزويد بالوقود الجوي للطيران السعودي، فلطالما مثلت هذه الحرب لترامب سوقا مزدهرة لبيع السلاح وتقليل معدلات البطالة.ومن بين اثنين من قرارات حق النقض (الفيتو) اللذين استخدمهما بفترة ولايته كان أحدهما بشأن حرب اليمن، ففي أبريل 2019م استخدم الفيتو ضد قرار تبناه الكونجرس سعى لإنهاء مشاركة واشنطن في التحالف العربي.

وبدون سابق إنذار، أعلن وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في 10 يناير الماضى قرار واشنطن إدراج جماعة الحوثي وثلاثة من أبرز قادتها في اليمن ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، مشيرا إلى صلة الحوثيين بإيران ونشاطها الإرهابى بالمنطقة وبالهجوم الدموي على مطار عدن في شهر ديسمبر الماضي عند وصول أعضاء الحكومة اليمنية الجديدة، كما ظلت إيران ووكيلها الحوثى تحت ضغط قاس طوال الفترة الترامبية.

مرحلة بايدن

وقبل فوز بايدن بكرسى البيت الأبيض وأثناء خوضه السباق الرئاسى ظهرت شواهد تشير إلى أن ثمة تغيرا كبيرا بالموقف الأمريكي في عهده سيطرأ على حرب اليمن يشي بالسعي لطي صفحة هذه الحرب ودعم الجهود الأممية للإنخراط بتسوية سياسية ليس فقط رغبة منه لتعرية وإحراج حزب الجمهوريين ورئيسيهم المتعجرف ترامب (الذي يرى كثيرون بأنه قد تصرف خارج كل الأعراف السياسية والدبلوماسية الراسخة منذ عقود وقايض القيم والمبادئ الأمريكية بالمال بشكل مشين)، ولا فقط لكشف عورتهم وإظهار فشلهم الذريع بسياستهم الخارجية أمام الشعب الأمريكي وتشويه سمعة أمريكا الأخلاقية، بل لإعادة الروح الإنسانية والأخلاقية للولايات المتحدة التي ضربت في الصميم في عهد ترامب، وللتخلص من الفوضى العارمة التي نشرها ترامب بالعالم.

ولقد قال بايدن من نيويورك في عام 2019 في أول خطاب له في خضم حملته الانتخابية عن سياسته الخارجية: (لقد مضى وقت طويل على الحروب الأبدية وقد آن الأوان لإنهائها)، وقبل عام أيضا أشار المتحدث باسم حملته في تصريحات نشرتها الواشنطن بوست الأمريكية أن بايدن يرى بأن الوقت قد حان لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب في اليمن.

وسرعان ما ترجم مواقفه فور فوزه بالرئاسة لأفعال قائلا: إن واشنطن ستنهي دعمها للحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وإن الحرب المستمرة منذ أكثر من ستة أعوام "يجب أن تنتهي"، كما عين الدبلوماسي الأمريكي المخضرم تيموثي ليندركينج مبعوثا خاصا لواشنطن إلى اليمن في مسعى لتعزيز الجهود الدبلوماسية الأمريكية لإنهاء الحرب.

ولتبريرهذا الموقف الذى هو بالأساس هدية مجانية للحوثيين وإيران، اعتبرت واشنطن أن لا علاقة لهذا القرار بنظرتها للحوثيين وسلوكهم المستهجن الذي يتضمن هجمات ضد المدنيين وخطف مواطنين أمريكيين،وأن قرارها مرتبط بتأثر المساعدات الإنسانية لليمن التى تشهد أسوأ أزمة إنسانية من نوعها، وأنها ملتزمة بدعم السعودية فى الدفاع عن سياستها وأراضيها ضد هجمات المتمردين الحوثيين".

وتمثل تلك الخطوات المتتالية من قبل بايدن مع وصوله للبيت الأبيض فى 20 يناير 2021 إضافة إلى السعي لإعادة الاتفاق النووي مع إيران تقوية للجانب الإيراني وإضعافا للجانب الخليجي، وهو ما يذكر بمخاوف خليجية أعرب عنها البعض وتتركز حول إعادة بايدن لنفس سياسات الديمقراطيين التي نفذت خلال فترة حكم باراك أوباما، والتي اعتبرها كثير من المراقبين في منطقة الخليج محابية لطهران.

وفهم الحوثيون تماما رسائل بايدن فتصاعدت هجماتهم على السعودية وعلى جنوب اليمن، كما تصاعدت حدة خطابهم بالقول إن "صواريخنا لن تتوقف حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، هناك من بدأوا الحرب، وعليهم إنهاؤها"، فهم يريدون من الطرف السعودى هدايا مجانية، كما تطالب إيران نفسها واشنطن بأخذ الخطوة الأولى فى الملف النووى. وبهذا يتبدى مستقبل اليمن فى عهد بايدن فى تثبيت ـ وربما الاعتراف - بسلطة عبد الملك الحوثى على ما تحت يده من أراضى اليمن، وعودة الجنوب كما هو قبل عام 1990 منفصلا عن الشمال.


ولى عهد السعودية مع ترامب ولى عهد السعودية مع ترامب
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة