دنيا ودين

«وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ»

19-2-2021 | 21:36

القران الكريم

د:مفيدة إبراهيم على

لا ننكر - أننا نعيش أزمة حقيقية فى القيم، وهى واضحة السمات، وتعمل كل المؤسسات التربوية والإعلامية على توجيه الناس إلى منظومة القيم التى تعد أساس التعايش بين الناس، فكثرة متطلبات الحياة، وطغيان المادة على ما حولها، وهذا التقدم الهائل فى الصناعة والعمران والاكتشاف جعل الناس ينصرفون لاهتماماتهم الشخصية وتقديم مصالحهم على من سواهم من بنى جنسهم، واهتزت القيم داخلَ الإنسان.

وأدى ذلك إلى مشكلات اجتماعية خطيرة، ولن يتجاوز الإنسان هذه المشكلات ويعيش فى وئام مع مجتمعه إلا بالتربية على التسامح الاجتماعي، ولن تتحقق سعادة الفرد والمجتمع، ولن ينتظم سلوك الناس إلا بالتربية على التسامح بحيث يكون مرتبطاً بسلوكنا اليومي؛ فهو وحده الذى يضمن الخير للمجتمع ويجعله يداً واحدة، ويضمن للناس مصلحتهم وقوتهم وتماسكهم، ويحقق المواطنة بينهم، والمواطنة هى ضمانة المجتمع من الانحلال، والتسامح الاجتماعى حينما يصبح سلوكاً تلقائياً غير متكلف هو أول دعامة فى المواطنة.. و بالتالى لا يمكن ان تنشأ حضارة سلام و تقدم ورقى الا بتربية الأجيال و تنشئتهم على قيم كونية وروحية تتمثل فى ثقافة السلام و التسامح و نبذ ثقافة العنف بكافة أشكاله.

إن ثقافة التسامح فضيلة إنسانية إسلامية حث عليها الدين الإسلامى وغرسها فى نفوس وضمائر البشر من أجل التخلى عن المشكلات الاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية كالكراهية والحقد والضرب والعنف والقلق التى تترك آثاراً مهمة فى حياة الافراد داخل المجتمع.

فالقرآن يقرر أن الناس خلقوا من نفس واحدة فى قوله تعالى :«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا » الحجرات- 13. وقد جعل الله الغاية من خلق الناس هى (ليتعارفوا) فيما بينهم، والتعارف يقتضى التقارب، والتحاور، والمسامحة، ولطف المعاملة، وإذا كان أصل الجنس البشرى واحداً، والبشر كلهم قد تشرفوا بنسبتهم لأبيهم آدم، فلا ينبغى أن تفرق بينهم اللغات والأديان؛ بل يجب أن تحل المحبة والتسامح والتعايش الإيجابى بين أبناء آدم الذين جمعت بينهم رحم الإنسانية، بقوله تعالي:«وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ» النساء- 1. والأرحام هنا هى أرحام البشرية المخلوقة من أصل واحد؛ ولهذا فإننا نجد الإسلام أعلى من شأن هذا الجانب الإنسانى الذى يجمع الناس ولا يفرقهم، ودعا إلى التسامح مع بنى الإنسان حتى الذين يخالفوننا فى ديننا، قال تعالي: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» الممتحنة- 8.

فالله رب الجميع، وهو الذى يحاسب البشر يوم يصيرون إليه، ولولا هذا التسامح الاجتماعى لما انتشر الإسلام بهذه السرعة بين أهل الأديان والثقافات والفلسفات فى بداية وجوده، وكان صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للتسامح، فكان يعامل الناس بصفة الإنسانية التى تجمع بين بنى آدم قاطبة، لا على أساس دين أو عرق أو انتماء، ويعلمنا ذلك بأخلاقه النبوية، ولقد قام صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي، وقال ما أراها إلا نسمة؛ ذلك ليكون التسامح طبعاً متأصلاً فى نفس كل مسلم.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة