آراء

انشطارات الهوية الوطنية والانفجار الهوياتي

18-2-2021 | 17:40

أسهمت سياسة اللا سياسة وموت السياسة التى اعتمدت على القمع المادى والأيديولوجى والرمزى فى إحداث حالة من الإنكار للواقع الموضوعى المتعدد فى تكوين غالب المجتمعات العربية الانقسامية. ويبدو أن الإفراط فى استخدام القوة والقدرة على مواجهة الاضطرابات الداخلية، أو بعض المعارضات الضعيفة أدت إلى نسيان أن إدارة التعدد الدينى والعرقى والمذهبى والطائفى والمناطقى، تحتاج إلى إدارة سياسية، وليست أمنية.

من ثم إلى سياسة للاندماج الداخلى، تتطلب تمثيلات سياسية لمصالح هذه المكونات وثقافاتها، على نحو يؤدى إلى توليد تفاعلات سياسية فيما بينها، تنتج موحدات وطنية، تعلو فوق الانتماءات الأولية. يبدو أن آفة نخب القوة فى العالم العربى، هى النسيان تحت وهم القوة المادية والرمزية الغلابة، التى خايلت صناع السياسات والقرارات عند القمة، دون النظر إلى مستقبل الدول الناشئة ومجتمعاتها الانقسامية ما بعد الكولونيالية.

كانت سياسة واستراتيجيات بوتقة الصهر القسرية بقوة أجهزة الدولة، تبدو تعبيرًا عن غطرسة القوة ومؤسسة لوهم بناء الهوية الوطنية عبر أدواتها. من ناحية أخرى شكلت هذه السياسة الاندماجية العنيفة فى ظاهرها السعى إلى بناء الوطنيات الجديدة، والهويات الموحدة لمكوناتها، وذلك على حدود سياسية خططها الاستعمار البريطانى والفرنسى والإيطالى وان ذلك من الممكنات فى إدراك النخب الحاكمة، وذلك دونما مواريث سوسيو- ثقافية وسياسية تؤصل لهذه الوطنيات الجديدة حول الدولة الوطنية، والأهم نخب سياسية خارجة من أعطاف السياسة ومنافساتها وصراعاتها السلمية حول المصالح والأفكار والبرامج الاجتماعية والسياسية وهو ما ثبت فشله طيلة العقود الماضية وذلك على خلاف المثال المصرى.

غاب عن الكثرة الكاثرة من الحكام والمفكرين العرب أن القومية المصرية تشكلت مع الدولة الحديثة. كان التعدد الثقافى، جزءًا من عمليات تفاعل اجتماعى وثقافى وتعليمى واقتصادى،. من قلب هذه التحولات الكبرى حول الدولة النهرية العريقة –السبع ألفية وفق أنور عبدالملك- والعروة الوثقى بين جنيس إبراهيم باشا، والحركة الوطنية المصرية المعادية للاستعمار، والتى زاوجت بين مطالب التحرر الوطنى والاستقلال، والدستور الحديث والمؤسسات السياسية. فى إطار التفاعل بين السياسى والاجتماعى والثقافى تم تأسيس القومية المصرية الراسخة الجذور. لم تكن الوطنية المصرية بعيدة عن التجانس الداخلى بين المصريين أيا كانت انتماءاتهم الاجتماعية، والدينية والمذهبية والمناطقية فى الريف والحضر والمدن الكبرى.

القومية المصرية لم تكن خيارا نخبويًا أو سلطويا، وإنما تفاعلات ضارية وقاسية لكسر المجتمع التقليدى وعالمه، لبناء الإطار التصورى والتخيلى حول الهوية القومية المصرية، والدولة الحديثة. لأنها هوية حداثية بامتياز تتجاوز التمايزات الاجتماعية، والاختلافات الدينية والمذهبية والسياسية. من هنا شكل النموذج المصرى التاريخى والمستمر استثناء عربيًا وشرق أوسطى بامتياز، مع دولة المخزن فى المغرب الشقيق. أحد أعطاب هشاشة محاولات بناء وطنيات عربية، تتمثل فى أن الأصول العرقية والمذهبية والعائلية والطائفية، والاجتماعية لنخب القوة بعد الاستقلال، أنها ظلت تعتمد على العائلات الكبيرة والعشائر، والبيوتات الحاكمة التى تفرز الحكومات، وقادة النظام حول مراكز القوة داخله عند القمة، وفى أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، والبيروقراطية، والإيديولوجية. ظل أهل الثقة يدورون حول انتماءات الحاكم وحلقته السياسية الضيقة.

من هنا بعد مرور فترات لا تتجاوز ستة عقود - وبعض الدول النفطية أقل من ذلك-، انكشفت هشاشة الوطنيات الجديدة، وخلالها قام بعض المثقفين والمتعلمين من داخل المكونات الأساسية القبلية والمذهبية والدينية والعرقية، بصياغة سياسة لهوياتها، تعتمد على بناء هوياتها وخصوصياتها، وتؤسس لانفصال هوياتى عن الهوية الوطنية فى هذه البلدان، بل امتد ذلك إلى تشكيك بعض أبناء الهويات الكبرى التى فرضت بعد الاستقلال، فى التشكيك فيها.، خاصة مع التعليم واتساع أحجام الفئات الوسطى وشعورها بالمظلومية إزاء هوية المكون الرئيس والمسيطر على مقاليد الثروة والسلطة.

ثمة عديد الأمثلة على ذلك يمكن رصد بعضها فيما يلى: 1- الخطاب حول إفريقية السودان، وقبائل الوسط النيلى، وهوياتها العربية الإسلامية. خاصة مع التحول إلى الأسلمة فى ظل حكم حزب المؤتمر الوطنى الحاكم خلال ثلاثين عامًا، ومن ثم غلبة الهوية الإسلامية على غيرها. بناء القبائل الدارفورية والتاريخية لهوياتها الإفريقية، وكذا الأمر لقبائل شرق السودان. انفصال الجنوب السودانى، وبناء دولة لا تزال هشة بدعوى الانتماء العرقى الإفريقى فى ظل انقسامات قبلية ومناطقية.

2- بناء الهوية الكردية فى شمال العراق، بعد فشل مشروع الحكم الذاتى. من ناحية أخرى انهيار أيديولوجيا البعث والتحول إلى الانفصال الهوياتى حول المذهب والمنطقة، ويتجلى هذا الصراع، فى تحول المرجعيات الدينية الشيعية والسنية إلى جزء محورى فى بناء القوة ما بعد الاحتلال الأمريكى. الأخطر تحول بعض قادة البعث السابقين إلى جزء من تركيبة تنظيم الدولة الإسلامية، وتحت الهوية السنية، ومعهم بعض ضباط وجنود جيش صدام حسين من السنة، بعد حل الجيش العراقى على أيدى برايمر.

3- تحول أيديولوجيا البعث السورى، وسندها الاجتماعى الأقلياتى إلى هوية هذا التحالف الأقلياتى، فى مقابل انفجار الهويات السنية، والكردية والمناطقية الأخرى.

4- بروز أزمات هوية مناطقية وقبلية بعد الحرب الأهلية فى اليمن، بدعم من دول الإقليم النفطى، وإيران بعد وصول جماعة الحوثى المدعومة والمسلحة إلى العاصمة وسيطرتها على غالب العمق الشمالى، وبروز أحزاب وجماعات جنوبية تدعو إلى الانفصال، وذلك على الرغم من التاريخ اليمنى العريق.

5- انهيار الدولة فى ليبيا أدى إلى إحياء الهويات القبلية والمناطقية وأحلام العودة إلى الولايات الثلاث بعد الاستقلال طرابلس وبرقة وفزان، وإلى الهوية القبلية التى كانت سائدة فى ظل حكم الكولونيل القذافى، الذى استخدم الهوية العربية الجامعة أداة للتغطية على قمع الهويات الأساسية الأخرى التى عاشت وتنامت رغم القمع، ولعبه على الهوية الوطنية المترددة بين العروبة والإفريقانية!

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة