Close ad

أوروبا وأمريكا لا تريدان بريطانيا «نصف صديق»

17-2-2021 | 14:05
أوروبا وأمريكا لا تريدان  بريطانيا «نصف صديق لندن تبحث تجديد دورها العالمى بعد البريكست
منال لطفى
الأهرام اليومي نقلاً عن

«لا أحد يريد نصف صديق».. هكذا حذر الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بريطانيا بعد مرور أسابيع قليلة على خروجها من الاتحاد الأوروبى. فالأسابيع الأولى للبريكست شهدت مواجهات دبلوماسية مريرة بين لندن والاتحاد الأوروبى، على خلفية «سباق المصل»، وتنفيذ بروتوكول أيرلندا الشمالية، وتطبيق اتفاقية البريكست. هذه المواجهات المبكرة تركت مذاقا مرا وأسئلة كثيرة، حول مستقبل علاقات لندن والاتحاد الأوروبى بعد البريكست.

موضوعات مقترحة

الانطباعات الأولى تنبئ بعلاقات مستقبلية تنافسية، يسودها عدم الثقة.وإذا كان مسار الأسابيع الأولى بعد البريكست مؤشراً لما سيأتى، فيمكن توقع الكثير من «المطبات» فى علاقات لندن وبروكسل خلال الأشهر والسنوات المقبلة. وهو ما سيشكل تحدياً كبيراً للندن، خاصة أن علاقاتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة ليست بلا مشاكل أو عقبات، بالرغم من أن الرئيس الأمريكى جو بايدن، لم يكمل شهرا فى البيت الأبيض.

فهناك تباينات ظهرت بالفعل بين لندن وواشنطن، فيما يتعلق بمبيعات السلاح الهجومية لمنطقة الشرق الأوسط. فالإدارة الأمريكية الجديدة جمدت مبيعات الأسلحة الهجومية للمنطقة، من أجل الدفع نحو تسوية سياسية للصراع فى اليمن، وإنهاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة فى ذلك البلد، والتى وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم منذ أكثر من 40 عاماً.

وقبل قرار بايدن وقف مبيعات الأسلحة الهجومية للمنطقة، قررت ألمانيا وإيطاليا نفس الشئ، فى تضافر للجهود الأوروبية ــ الأمريكية لوقف الحرب.

لكن بريطانيا التى تريد الحفاظ على أسواق لمبيعات صناعاتها العسكرية بعد البريكست، سمحت بتصدير ما يقدر بحوالى ١٫٤ مليار جنيه إسترلينى من الأسلحة للمنطقة خلال الأشهر الماضية. ما دعا نواب بارزين فى الكونجرس الأمريكى، لدعوة لندن لإعادة التفكير، والوفاء «بمسئوليتها الأخلاقية» والمساعدة فى إنهاء حرب اليمن عبر وقف مبيعات السلاح الهجومية.

وقال السناتور الديمقراطى رون وايدن، رئيس اللجنة المالية فى الكونجرس: إن على حلفاء أمريكا مثل بريطانيا وفرنسا، أن يحذوا حذو واشنطن. فيما قال السناتور الديمقراطى كريس مورفى، إن الكثير فى بريطانيا يريدون أيضاً إيجاد مسار للتسوية السياسية، عبر وقف بيع الأسلحة الهجومية لأطراف الصراع، موضحاً لصحيفة «الجارديان» البريطانية: «الفوائد الاقتصادية لهذه المبيعات لا تفوق أمننا القومى والمسئولية الأخلاقية، لإنهاء التواطؤ فى هذا الكابوس المستمر».
الضغوط على الحكومة البريطانية ليست أمريكية فقط، فهناك ضغوط داخلية متزايدة. فرئيس لجنة الدفاع فى البرلمان البريطانى، النائب عن حزب المحافظين توبياس الوود، ووزيرة الخارجية فى حكومة الظل العمالية، ليزا ناندى، كلاهما دعا جونسون، لوقف مبيعات الأسلحة الهجومية للمنطقة لدعم جهود التسوية السياسية فى اليمن.

لكن الحكومة البريطانية ترى أن القرار «مسألة تتعلق بكل حكومة». وأوضح المتحدث باسم الحكومة البريطانية لـ«الأهرام»: «أن القرارات بشأن مبيعات الأسلحة، هى مسألة تخص كل حكومة. تتعامل المملكة المتحدة مع مسئولياتها المتعلقة بتصدير الأسلحة على محمل الجد، وسنواصل تقييم جميع تراخيص التصدير وفقًا لمعايير الترخيص الصارمة».

وأضاف أن «المملكة المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء الصراع المستمر والأزمة الإنسانية فى اليمن، وستواصل العمل مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين لإيجاد حل سلمى. نحن ندعم جهود مبعوث الأمم المتحدة الخاص، مارتن جريفيث، للتوصل إلى حل سياسى، وتعهدنا بتقديم ما يقرب من مليار جنيه إسترلينى من المساعدات البريطانية، للاستجابة الإنسانية منذ بدء النزاع».
لكن فى واشنطن هناك قلق من التباينات فى التحالف الغربى. وحذر السناتور كريس مورفى، من أن التحالف الغربى يضعف نفوذه ويفقد تأثيره، عندما «تتباين السياسات والقرارات»، وأنه كى تنجح مساعى الحل السياسى، لابد من تضافر وتكامل الجهود الأوروبية ــ الأمريكية.

دبلوماسية فرد العضلات

وستكون هناك ضغوط أمريكية على لندن لتوحيد الصف، لكن أى ضغوط ستتم على الأرجح بهدوء وسرية، وذلك على النقيض من الطريقة التى أدار بها الرئيس السابق دونالد ترامب خلافاته مع لندن. فخلال الأشهر الأخيرة من ولاية ترامب، ولدى ظهور خلافات حول تعاون لندن مع شركة «هواوي» الصينية العملاقة، لبناء الجيل الخامس من شبكة الاتصالات الفائقة السرعة، أرسل ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو إلى بريطانيا، لممارسة أقصى درجات الضغط والإحراج العلنى، وهو ما دفع بريطانيا لإلغاء تعاقدها مع «هواوي» لعدم تأزيم العلاقات مع ترامب. «دبلوماسية فرد العضلات» هذه لن تحدث مع الإدارة الأمريكية الجديدة، لكن هذا لن يقلل من مشاكل لندن. فمنذ الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة، تحركت الدبلوماسية البريطانية فى دائرتى أوروبا وأمريكا كأكبر حليفين للندن. النهج الاستراتيجى البريطانى خلال تلك العقود، كان أن تكون لندن «الصديق الأول» لأمريكا و«الحليف الأقوى» لأوروبا، وأن تلعب دور الوسيط بينهما كلما كانت هناك خلافات او تباينات. هذا العماد للدبلوماسية البريطانية اهتز بعمق مع البريكست. لكن البريكست لم يكن المشكلة الوحيدة، فهناك أيضا حالة حراك فى واشنطن وبروكسل. فجو بايدن لم يلتق بوريس جونسون وجها لوجه من قبل، والانطباعات لدى بايدن وفريقه عن جونسون ليست تفضيلية، بسبب دور رئيس الوزراء البريطانى فى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. ومن وجهة نظر واشنطن، فإن البريكست غير ديناميكيات العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن، فهو لم يضعف الاتحاد الأوروبى فقط، بل أضعف دور ومكانة بريطانيا الدولية، ودورها كهمزة وصل ووسيط بين أمريكا والتكتل الأوروبى.

وهذا بدوره أضعف أمريكا أيضاً، وفى وقت حساس للغاية خلال تركيز طاقتها واهتمامها ومواردها وأولوياتها نحو آسيا والباسفيك، وتحديداً روسيا والصين. وفى نظر الإدارة الأمريكية، فإن قوة لندن فى التأثير من هذين الملفين وغيرهما من الملفات، تراجعت مع خروجها من الاتحاد الأوروبى.

نبذ بريطانيا

وعلى الصعيد الأوروبى، أدى خروج بريطانيا من التكتل الأوروبى، إلى بروز حقيقة جيوسياسية صعبة، وهى أن بريطانيا أصبحت الآن منبوذة ومطرودة من مداولات ومناقشات الاتحاد الأوروبى، حول مسارات السياسة الخارجية الأوروبية، كما أن مكانة وصورة جونسون فى باريس وبرلين، يشوبها كثير من الانطباعات السلبية.

طبعاً لا تريد بريطانيا أن يكون البريكست سبباً فى «أزمة دور على المسرح الدولي». فالمملكة المتحدة تواجه هذا التحدى منذ الخمسينيات والستينيات، أى منذ تراجع نفوذها الدولى بعد خسارة معظم مستعمراتها خلال هذين العقدين. ومعضلة البريكست إنهاء بريطانيا للنقطة التى كانت عندها فى الستينيات من القرن العشرين، والتى لخصها، دين أتشيسون، وزير الخارجية الأمريكى الراحل فى إدارة الرئيس الأمريكى الراحل هارى ترومان بين 1949 و1953 بقوله: «هذه دولة خسرت امبراطوريتها ثم فشلت فى ايجاد دور».

ففى كلمة لاتشيسون مطلع الستينيات أمام «أكاديمية ويست بوينت»، وكان آنذاك يشغل منصب المستشار الخاص للرئيس الأمريكى الراحل جون كينيدى لشئون الناتو، قال اتشيسون إن «محاولة بريطانيا لعب دور قوة منفصل - أى دور بعيد عن أوروبا ــ يقوم على علاقة خاصة مع الولايات المتحدة، دور يقوم على كونك رئيس منظمة الكومنولث، التى ليس لها هيكل سياسى أو وحدة أو قوة، وتتمتع بعلاقة اقتصادية هشة وغير مستقرة، هذا الدور انتهى».

وأضاف أن «بريطانيا العظمى، التى تحاول العمل بمفردها، وأن تكون وسيطاً بين الولايات المتحدة وروسيا، يبدو أنها تتبع سياسة ضعيفة مثل قوتها العسكرية...إن طلب بريطانيا الانضمام إلى السوق المشتركة، كان نقطة تحول حاسمة. إذا انضمت بريطانيا إلى الدول الست (المجموعة الاقتصادية الأوروبية) فسيتم اتخاذ خطوة أخرى إلى الأمام ذات أهمية كبيرة».

ومع أن رؤية اتشيسون، أحد كبار مهندسى السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، مر عليها أكثر من ست عقود، إلا أن جوهرها ما زال عقيدة قوية فى أروقة الخارجية الأمريكية اليوم. ففى نظر كثير من الدبلوماسيين الأمريكيين، بريطانيا «رصيد استراتيجى» أقوى وأكثر نفوذاً بالنسبة لأمريكا، وهى داخل الاتحاد الأوروبى.

والتحدى المتزايد أمام الدبلوماسية البريطانية، أن تظل قوية وفعالة بعد البريكست. فهناك تناقض بين الطريقة التاريخية التى ترى بها بريطانيا نفسها، وبين تأثيرها الملموس على ارض الواقع اليوم. والبعض يسمى هذه الأزمة، أن بريطانيا «ما زالت أمة عظيمة... لكنها لم تعد قوة عظيمة».

والتباينات الأخيرة حول مبيعات الأسلحة الهجومية للمنطقة، توضح حاجة بريطانيا لإعادة موضعة نفسها ودورها، والذى لن يكون بالشعارات مثل شعار جونسون «بريطانيا العالمية»، كما يقول منتقدو الحكومة البريطانية، بل بخلق أدوار جديدة للمساهمة فى التصدى لمشكلات أزمة المناخ والاحتباس الحرارى، الأزمة الصحية العالمية، النمو الاقتصادى العالمى، إنهاء الحروب والصراعات وإيجاد حلول سلمية.

وهناك حالياً تنافس أوروبى ــ بريطانى على من سيكون «حليف أمريكا الأول» فى هذه الملفات، التى تحتاج تعاونا أمميا. فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، البراجماتية حتى النخاع، وضعت ألمانيا فى موقع ممتاز للعب دور الوساطة مع الصين. والرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون، وضع نفسه للعب دور الوساطة مع روسيا.

وما يجعل موقف لندن أضعف، هو أنها لم تحدد سياسات واضحة المعالم حيال الصين أو روسيا، فهى من ناحية تحتاج إلى الاستثمارات الصينية والروسية بشكل متزايد بعد البريكست، لكنها من ناحية أخرى تستخدم دبلوماسية حادة، لا تسهل دورها كوسيط بينهما وبين واشنطن فى المستقبل. كما أن بريطانيا بسبب التأثيرات الاقتصادية الكارثية لفيروس كورونا، قررت تخفيض المعونة الخارجية وهذا انتقاص من «القوة الناعمة» البريطانية فى وقت حساس.

وبينما يتحدث جونسون عن «بريطانيا العالمية»، لم تتوصل لندن حتى الآن لاتفاقية حول السياسة الخارجية والأمنية مع أقرب جيرانها، أى الاتحاد الأوروبى بعد البريكست. فبريطانيا تريد التعامل مع «أوروبا القارة» وليس مع «الاتحاد الأوروبى كمنظمة»، بمعنى أن لندن تريد تعزيز العلاقات فى السياسة الخارجية مع الدول الأوروبية فرادى، مثل ألمانيا وفرنسا مثلاً، وليس مع الكتلة الأوروبية ككيان سياسى، وذلك كجزء من ايديولوجية البريكست. وبالتالى ستتحرك بريطانيا فى المبادرات الدبلوماسية المستقبلية، من خلال قمة السبع الصناعية وقمة العشرين، وليس من خلال الاتحاد الأوروبى كلاعب سياسى موحد على المسرح الدولى. لكن كيف ستتعامل إدارة بايدن مع هذه التحركات، يظل سؤالاً مفتوحاً ستظهر إجابته خلال الأشهر المقبلة.

تحاول بريطانيا اذن أن تحدد بوصلتها ودورها العالمى الجديد بعد البريكست وفى ظل وباء غير مسبوق، وبينما علاقاتها مع كل أوروبا وأمريكا تمر باختبار كبير.

إنه تحد صعب، فرئيس الوزراء البريطانى الراحل ونستون تشرشل، وصف ذات مرة دور بريطانيا فى العالم عقب الحرب العالمية الثانية، بأنه تحرك ديناميكى فى ثلاث دوائر متشابكة: الدائرة الأولى الإمبراطورية والكومنولث، والثانية أوروبا؛ والثالثة العلاقة الخاصة عبر الأطلنطى مع الولايات المتحدة. هذه الدوائر تتقلص وتضيق حالياً، لكن البريكست كما تقول الحكومة البريطانية، مازال فى أول فصوله، وهو حافل بالفرص كما هو حافل بالتحديات.

وبالتالى لا داعى للاستنتاج المبكر بتهميش دور بريطانيا الدولى. فالدبلوماسية الدولية فى حالة سيولة وبريطانيا الرشيقة خفيفة الوزن خارج بيروقراطية مؤسسات الاتحاد الأوروبى، قد تستطيع أن تملأ فراغات وتلعب أدواراً جديدة.


نبذ بريطانيا من الأوروبيين قد يهمش دورها بعد البريكست نبذ بريطانيا من الأوروبيين قد يهمش دورها بعد البريكست
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: