آراء

المنسيون في أعياد الحب

16-2-2021 | 11:00
Advertisements

في أفضل الأحوال تراهم عالقين على هامش الذاكرة، ودائمًا لا يخرجون عن طي النسيان، ولا نذكرهم بكلمات الثناء والود إلا فيما ندر، وكثير منهم في أمس الحاجة لإحساسه بفرحة تكريمه في أبسط معاني التقدير، برغم أن مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الفضائيات تتزاحم بعبارات تحض على تبادل كلمات الحب بين أفراد الأسرة والأصدقاء؛ سواء في أعياد الحب أو في المناسبات الاجتماعية، وحتى لا يذهب عقل البعض بعيدًا، هذا التزاحم يغمرنا بالتفاؤل، ولكن لا ننساهم وسط غمرة سعادتنا.


ويستحق كذلك منا الرجل أو الشاب السريح كلمة شكر مصحوبة بابتسامة صادقة، فقد حمل على كتفه بعد صلاة الفجر صندوقه الخشبي الصغير، ورص عليه عددًا محدودًا من منتجات زهيدة الثمن، لكي يسرح بها في الموصلات العامة، أو آخر يقبض على يدي عربته الخشبية ويدفعها متجولًا، وينادي على المارة لشراء بضاعته المتواضعة.

وفي نهاية اليوم يعود إلى بيته أو إلى حجرته، ويضع القرش على القرش أملًا في إطلاق مشروعه الصغير، وإذا كان يعول أسرة، يفتح لفة معه فيها طعام، ويفرشها لإطعام أولاده، ونشاهد الآن سيدات يتجولن داخل المواصلات لبيع بضاعتهن.

ومن اليوم فصاعدًا لابد أن نحرص على قول كلمة ود حين نشتري منهم لندعمهم نفسيًا، أو نكتفي برسم ابتسامة على الوجه أثناء الشراء، ولا تختلف معاملاتنا الحسنة أيضًا مع رجال ونساء يهبطون من سيارات النظافة، وينتشرون بين الشوارع.

وعلى قدر جهدهم وإمكاناتهم ينظفون أقذار الآخرين، وفي المقابل منا نوجه لهم عبارات الثناء، وبدون أن تشعر تزرع في صدورهم أحساسًا بالامتنان، ويشعرون أنهم ليسوا أقل مكانًا من الموظف على مكتبه.

وما يمنعنا من التعبير بكلمة ثناء لأي سائق نقل عام أو خاص وقت نزولنا وصعودنا حافلة الركاب، وبهذه الكلمات نكسر بداخلهم الملل والتعب من قيادتهم السيارة لزمن طويل وسط الزحام، وفي جميع أحوال الطقس الحارة أو الباردة.

ومن المنسيون المفروض ذكرهم بأسمى كلمات الود في أعياد الحب فئة كبيرة، هم كبار السن المقيمون في دور المسنين، ويليهم الأيتام والأطفال وفاقدو النسب، وجميعهم عطشى لضمة صدر، أو مصافحتهم بابتسامة، أو بمن يمسح بكف يده على رأسهم، وغالبًا يعقبها تساقط دموعهم، وهو شعور تلقائي منهم لطرد الحزن من صدورهم.

ولا تقل عن هذا البائع المتجول يبيع بضاعة رديئة، لأنها ستجد زبونًا في أحتياج إليها، وهي في واقع الأمر لا تساوي بضع جنيهات، وإذا كان لك رغبة في إلقاء اللوم على سوء البضاعة، فلك أن تنتقد كما شئت الأفراد المتقاعسين في الأجهزة الرقابية، وتبتعد عن هؤلاء البسطاء، ولا تتذمر من طلب عامل نظافة صدقة منك، فحاول أن تبتسم في وجهه، إذا رفضت التصدق إليه، وكذلك في حالة وضع صدقتك في يده.

وبدون أن تشعر تمنح ذمرة المنسيين جميعًا قبلة الحياة والأمل، وكلما أغدقت عليهم بكلمات الثناء والود نزعت من قلوبهم مشاعر الحقد والعداء على الآخرين في المجتمع، وتجعلهم في محاولة جادة ومستمرة للتصالح مع أنفسهم ومع بقية أفراد بلدتهم، والاعتياد على التعبير بكلمات الثناء والود تتشابه مع تعليمات عقائدنا الدينية ومع نتائج أبحاث علماء علم الاجتماع والنفس.

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
حسين خيري يكتب: الرقيب الصيني يفرض مقصه على هوليوود

بدون مبالغة الصين تحدد حاليًا ما يراه المشاهد من أفلام في أي بقعة على الأرض، وأثبت ذلك في دراسته جيمس تاجير الباحث الأمريكي في صناعة السينما، وقال جيمس

حسين خيري يكتب: الشخصية المهزوزة علة المجتمعات

هل اعتدنا في شارعنا العربي رؤية عجز المارة الدفاع عن الضعيف؟ وحجتهم في ذلك شعورهم بالخوف من تعدي الجاني عليهم، وتلك الحقيقة المؤلمة توضح عظم المصيبة في

حسين خيري يكتب: الفاشل الجزء الأكبر من كل مشكلة

كلما قرأت عن جريمة، أجاهد نفسي في البحث بين السطور عن صفات فاعلها، ودائمًا ما تفسر عن تجسيد لملامح شخص فاشل حاصل على أدنى درجات المعرفة.

حسين خيري يكتب: "نشوة الموت" لعبة تنشر الكراهية

نشوة الموت كارثة جديدة تبعث القلق في نفوس رواد التواصل الاجتماعي، ويتزايد الخوف من انتشارها وسط مجتمعنا العربي، فقد مات في يونيو الماضي مراهقان بالولايات

حسين خيري يكتب: اقرؤوا إنصاف المستشرقين للعرب

قبل أن يصيب أي عربي التخاذل والتكاسل في تقديم عطائه لبلاده، يجب عليه قراءة كتاب معروف أسمه شمس الله تشرق على الغرب بفضل تراث العرب ، وكاتبته المستشرقة

حسين خيري يكتب: الاحتفالات تدعم الانتماء للوطن والأخلاق

لسنا وحدنا المصريين من يحب إحياء الحفلات في كل مناسبة، ويضعون طقوسًا مختلفة في أشكالها لكل مناسبة، فجميع البشر على الكرة الأرضية مهما تنوعت ثقافاتهم يعشقون

حسين خيري يكتب: السلاح الخفي لقتل الفلسطينيين

حروب خفية تمارسها إسرائيل في حق الفلسطينيين، ولا تعتمد فيها على القتل المباشر بالرصاص الحي، وتسعى منذ عقود لتدمير البيئة الفلسطينية، رغم أن الاحتلال الإسرائيلي

حسين خيري يكتب: الروح العدائية سببها كفاءة المدير

مفهوم الكفاءة لا يقتصر على أداء الموظفين، وإنما يشمل العديد من مجالات الحياة، فالزواج السعيد وليد حسن إدارة الزوجين، والأبناء الصالحين ثمرة الكفاءة الواعية

حسين خيري يكتب: البحث عن بديل "النفخة الكدابة"

شخص يدفع ما يقرب من 230 دولارًا لمجرد إجراء مكالمة مع فنان مشهور، ويقترح البعض بالحجر على أمثال هؤلاء، وهو ما حدث بالفعل في المملكة المغربية، وتشهد ضجة

حسين خيري يكتب: العلم والبركة في حكاية..

لايكيل العلم بالبتينجان عبارة يروجها المصدقون لمن يمشي على الماء، ويؤمن بها الذين شيدوا صرحا وسقط على الفور لافتقاره إلى دراسة طبيعة التربة، والفشل في

للوهم أوجه كثيرة وأزياء من كل لون

لم يقتل الجن عروس حلوان وقتلها جهل أسرتها، فمصيبة المجتمعات العقول التي يأكلها إدمان الوهم بتصديقهم لمروجي الأكاذيب، وينساقون مغمضي العينين خلف مروجيها

حسين خيري يكتب: المتسامحون لا يشعرون بالشيخوخة

يبلغ من العمر 65 عامًا، وما زال ينشر بمنشاره الخشب بنفس عزيمته، وهو في عمر الأربعين؛ حينما شاهدته لأول مرة في ورشته بحي السيدة زينب، كأنه يبعث برسالة أمل

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة