تحقيقات

دورها أن تكون شريكا للدولة فى جهود التنمية.. منْ يضبط عشوائية الجمعيات والمنظمات الأهلية فى مصر؟

14-2-2021 | 14:52

مبادرات الجمعيات الأهلية تشارك فى حل مشكلات المجتمع

محمد القزاز
  • مصطفى زمزم : أكثر من 80% من الجمعيات غير نشط وغير فاعل
  • د. أيمن عبدالوهاب: آن الأوان أن تكون إعادة تنظيم العمل الأهلى هدفا أساسيا
  • د. صلاح عرفة : المجتمع المدنى عنوان بلا تفاصيل وأزمته غياب العمل الجماعى

منْ يضبط عشوائية الجمعيات والمنظمات الأهلية فى مصر؟
ومن يصحح الصورة الذهنية المشوهة لدى المواطن عنها؟
وهل الجمعيات الأهلية بالفعل هى حلقة الوصل بين الفرد والدولة؟
وهل تقوم بدورها فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقا لسياسات الدولة وأهدافها التنموية؟
وكيف تكون الجمعيات والمنظمات الأهلية شريكة فى تنمية المجتمع والنهوض بالمواطن المصري؟
بداية، فإن المجتمع المدنى فى مصر يأخذ أشكالا متعددة، فهناك الجمعيات الأهلية، والنقابات المهنية، والنقابات العمالية، ونادى القضاة، وجمعيات رجال الأعمال، والغرف التجارية والصناعية، والحركات الاجتماعية، ويعرفه عبد الغفار شكر نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان بأنه «التنظيمات التطوعية المستقلة عن الدولة، والتى تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة».

فى مصر، يوجد ما يقرب من ٥٥ ألف جمعية، ما بين أهلية وتنموية وحقوقية، لكن الفاعل والناشط والمعروف منها لدى البعض فى مصر لا يمثل إلا جزءا ضئيلا جدا قد لا يتعدى ٥٠ جمعية، والباقى فى غياهب النسيان، واكتفى بوضع لافتة على مقر وهمى قد يستخدم فى أعمال غير مشروعة أو غير معروفة، وبالتالي، تاهت القيمة الأساسية للمجتمع المدنى فى مصر بأن يكون ضلعا ثالثا مع الدولة والقطاع الخاص لإحداث التنمية المطلوبة.

وبمناسبة بدء المشروع القومى لتنمية وتطوير القرى المصرية، وقيمة وأهمية الجمعيات الأهلية فى هذا المشروع، نناقش هنا كيفية إعادة تنظيم هذا القطاع وإحيائه وعلاج تشوهاته وعشوائيته.
ويرى مصطفى زمزم رئيس مجلس أمناء مؤسسة «صناع الخير» أن عدد الجمعيات الأهلية فى مصر ليس كبيرا مقارنة بالسكان ممن هم فى حاجة إلى خدمات، والذين يصل عددهم إلى ٥٠ مليونا، فلو تمت قسمة الـ٥٠ مليونا على الـ٥٥ ألف جمعية فستكون النسبة والتناسب ضعيفين جدا، فحين تعرف أن أكثر من ٨٠٪ من هذه الجمعيات غير فعالة وغير ناشطة فهذا معناه أننا أمام أزمة مجتمع مدنى حقيقية، بسبب افتقاد عوامل مهمة، منها على سبيل المثال: تدريب وتأهيل هذه الجمعيات، وقد يكون هذا دور الجمعيات الكبرى فى التصدى لهذه المهمة، حيث يصل عددها تبرعا ومتطوعين إلى نحو ٥٠ جمعية.
ولكن هل مطلوب منها القيام بذلك؟

الحقيقة هو مطلب غير عادل وغير منطقي، ولكن ـ والكلام لمصطفى زمزم ـ فى ظل ظرف استثنائي، وهو مبادرة «حياة كريمة»، من الممكن أن تقوم بتدريب هذه الجمعيات خلال السنوات الثلاث المقبلة، وإذا لم يتم تدريب هذه الجمعيات والاستفادة منها الاستفادة العظمى وتغيير نمط الأعمال التى تقوم بها، فلن يحدث فى تاريخ العمل الأهلى أى تقدم يذكر، وسيكون المجتمع المدنى مثله مثل أى مجتمع مدنى فى دولة متأخرة، ومن المهم هنا أن نجرى مقارنة ببعض الدول التى لديها مجتمع مدنى قوى لنعرف الفروق ونسعى لتقليلها، ففى الهند يوجد ٣٫٣ مليون جمعية فاعلة وناشطة، وفى فرنسا هناك نحو ١٫٥ مليون جمعية لعدد سكان نحو ٨٠ مليون نسمة، وهى تهتم بقضايا التعليم والبحث العلمى والتأهيل والتدريب، وفى كندا والولايات المتحدة هناك نحو ٢٫٥ مليون جمعية، كلها قائمة على إنشاء الجامعات، وتحسين التعليم، على الرغم من أن أهدافها فى التنمية أقل كثيرا من أهدافنا، حيث توجد لدينا قضايا الفقر والريف والعشوائيات، بينما فى ألمانيا تنشط الجمعيات والمجتمع المدنى أكثر فى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، والأمر نفسه فى دول شرق آسيا.

الضلع الثالث
ويشير زمزم إلى أن هذه الجمعيات فى الدول السابق ذكرها هى القطاع الثالث بحق، وهى التى تساعد الدولة فى تحقيق أهدافها، وفى تنمية المجتمع، وعليه، فإن أنشطة المجتمع المدنى والقطاع الخاص ممثلا فى المسئولية المجتمعية يجب أن يكون هدفها تحقيق رؤية الدولة، فى ظل قيادة سياسية لا تجبر تلك الجمعيات، ولكن تعطى الفرصة لها للمشاركة فى تنمية المجتمع والنهوض بالمواطن المصري، فقد تم تحديد ألف وخمسمائة قرية من أجل إحداث تنمية مستدامة فيها من صرف صحى وبنية أساسية وبنية تحتية، من خلال تمكين اقتصادى واجتماعى بسيط، وسوف يتم التمويل من أجل التنفيذ، أى أن الدولة أتاحت كل السبل لعمل تلك الجمعيات، ففى السابق كان بعض الجمعيات يتحجج بعدم وجود تمويل لتلك المشروعات، وفى مشروع كمشروع تطوير القري، حددت الدولة الأنشطة والأهداف، وخصصت ما يقرب من ٩٠٪ من حجم التمويل المطلوب للتطوير، ويتبقى فقط ١٠٪ تتحملها تلك الجمعيات، بحيث تكون مشاركة فى التطوير، ولذا قررت كل الجمعيات الكبيرة التى تعمل فى مجال التنمية المستدامة المشاركة فى هذه المبادرة، ولم تكن المشاركة إجبارية، بل إنها تقوم بدورها الحقيقى والفعلى فى مساعدة الدولة فى تنفيذ أهدافها وسياستها التنموية، بحيث تأخذ الأمور فى النهاية شكل التنظيم، سواء للمجتمع المدنى أو للقطاع الخاص فيما يخص المسئولية المجتمعية، وهذه فرصة حقيقية لنجاح المجتمع المدنى بعد عقود من الظلم والتشويه لصالح عدد محدود جدا من جمعيات حقوق الإنسان، فما نراه الآن هو طاقة نور لتعبر عن نفسها فى ظل اهتمام القيادة السياسية بدوره.


منظومة القيم

يطالب عبدالوهاب نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بإعادة بناء قدرات المجتمع المدنى للانتقال من فكرة المساعدات والأعمال الخيرية إلى القيام بدور تنموى وثقافى وفكرى يغذى المجتمع ويجعله فى حالة حراك اجتماعي، ففى السابق كانت هناك نواة كبيرة فى بداية العمل الأهلى فيما يتعلق بالدورين الثقافى والتوعوي، لكن نلاحظ غياب هذين الدورين بشكل ملحوظ.

ويقول إنه على الرغم من أن الفترة من ٢٠٠٥ وحتى ٢٠١٠ كان بها زخم كبير فى إنشاء الجمعيات والمنظمات الأهلية، فإن ذلك لم ينعكس جديا فى بلورة رؤية مجتمعية لدور المجتمع المدني، لأننا افتقدنا وجود أجندة تنموية وثقافية، والتى على أساسها يظهر دور ملموس للمجتمع المدني، لذلك نطالب دائما بأن تتم إعادة تنظيم المجتمع المدنى فى مصر كى يشارك الدولة فى أدوارها التنموية وتوعية المواطن وبناء الدولة الحديثة، ولعل غياب هذا الدور قد برز بشكل أكثر وضوحا فى أزمة كورونا، إذ كشفت عن عدم وجود منظمات إغاثية، فالجمعيات العاملة فى القطاع الصحى أغلبها يقوم بأدوار تقليدية رغم أنها تشكل نحو ٣٥٪ من هذا القطاع، فلو كانت لدينا منظومة نستطيع من خلالها ربط القطاع الأهلى الصحى مع القطاع الخاص والقطاع الحكومى لوجدنا إمكانيات أفضل ومساحة أكبر نستطيع من خلالها تلبية الاحتياجات، ولأن منظومات المجتمع المدنى منظومات فرعية وليس بها نوع من التشابك والتعاون، وجدنا الخلافات الكبيرة بين الحكومة والقطاع الخاص فيما يتعلق بهذه الأزمة وغيرها من الأزمات.
ومن حسن الطالع - كما يرى عبد الوهاب - أنه فى ظل قانون جديد للجمعيات الأهلية ولائحته الجديدة له، فإنه آن الأوان أن يكون الهدف الأساسى هو إعادة تنظيم العمل الأهلي، بحيث يستطيع تلبية الجزء التنموى والثقافى والقيمي، فهناك أدوار مهمة لا يقوم بها سواه، ومنها على سبيل المثال مظاهر الخلل الاجتماعى والأخلاقى فى المجتمع، فالدور الضابط اجتماعيا المنوط به هو مؤسسات المجتمع المدني، مثل قضايا التحرش والإدمان والإلحاد، وهو عدد من القضايا الجديدة تعكس نوعا من الخلل المجتمعي، فالخلل الحادث فى الطبقة الوسطى فى مصر ناتج عن أن منظومة الضبط الاجتماعى اهتزت، وأن منظومة القيم الحاكمة أصبح فيها تباين، ولا تستطيع أى جهة أن تضبط هذا الخلل سوى المجتمع المدني.
لكن يلاحظ د. أيمن عبد الوهاب أنه مع صدور القانون ولائحته التنفيذية لم نجد حوارا جديا من أجل تنظيم المجتمع المدنى والأهلى فى مصر، كما أنه لا يوجد ربط بين الخريطة التنموية والاحتياجات والقدرات المتوافرة فى العمل الأهلي، فعلى سبيل المثال لا نزال نجد قطاعا كبيرا من الجمعيات يركز أكثر على المساعدات والرعاية، ورغم أهمية تقديم ذلك فيما يسمى الأمن الاجتماعي، لكن فى المقابل نلحظ ندرة فى عدد الجمعيات العاملة فى المجال التنموي، ولذا، فإنه من المهم حين نضع أى سياسات اقتصادية وخطط للتنمية أن يكون المكون الخاص بالمجتمع حاضرا بمفهومه التنموي، وليس بمفهوم المساعدات، كما أننا فى حاجة إلى تشجيع قانونى لهذه المؤسسات والجمعيات من جانب الدولة لدفع أجندة العمل الأهلى لتبنى المكون الثقافى بشكل أكبر وأوسع، وهو ما تستطيع الجمعيات القيام به للضبط الاجتماعى المطلوب، ففى مشروع الدولة الكبير فى تطوير القري، لابد من ربط تلك الجمعيات بهذا المشروع ليس فقط من الجانب التنموى من تقديم الخدمات فقط، بل من الجانب الثقافي، وهذا مهم جدا للاستمرارية، فهذه القرى فى حاجة إلى تغيير ثقافى فيما يخص العمل والتعليم والمحافظة على ما تم تقديمه وتطويره لتلك القري، وهذا لابد أن يكون مطروحا بقوة ومرتبطا بأجندة الجمعيات الأهلية المعنية بالجانب التنموي، كما أننا حين نعيد تنظيم هذا المجتمع، فإن علينا أن ننظر إلى قمة المثلث بين العمل الأهلى والحكومى والخاص ونعمل على توسعته، خاصة الجمعيات الكبرى فى مصر، فأعداد هذه الجمعيات قليلة، وهى تسمى الجمعيات المظلة، نحن فى حاجة إلى توسعة وزيادة عدد هذه الجمعيات، فدورها الأساسى هو دعم قدرات وتشبيك مع بقية شرائح الهرم، بحيث تكون هناك رؤية متوافقة مع فكرة الشراكة مع القطاع الخاص والقطاع الحكومي، وأن نبحث عن المساحات المشتركة لتعميق وتوسيع الأدوار والمسئوليات والقيم.


الجيش الأخضر
يقول د. صلاح عرفة الأستاذ بالجامعة الأمريكية، والناشط فى مجال المجتمع المدني ، أن أى دولة متقدمة لابد أن تأخذ من المجتمع المدنى وسيلة الوصول إلى المجتمع بجميع فئاته، لكن لنكن صرحاء، فلدينا - كما فى معظم الدول العربية - قصور واضح يتمثل فى الوصول بالمعرفة من حيث توجد وتنتج لمن يحتاجها، وعلينا أن نسعى لتحقيق ذلك، وهو الوصول بالمعرفة من العودة للجذور، فعلى كل من يرغب فى تنمية المجتمع المدنى ويملك المعرفة أن يبدأ بمكانه الذى ولد فيه، وإن لم يستطع الذهاب فعليه استغلال التكنولوجيا الحديثة فى نقل المعرفة، ومن القصور الواضح أيضا فى العمل الأهلى عدم الاستمرارية، بسبب أن هناك الكثير من المتعلمين لكن غير فاعلين فى مجتمعهم، فلا يقومون ببناء الجسور بين الجامعة والمدرسة والمجتمع، فلن يبنى هذه الجسور إلا عامل تكوين لخدمة المجتمع يبحث عن المعلومة وينقلها لمجتمعه الأم كالقرية على سبيل المثال.


الحوار الحر المفتوح
هناك شعار رائع ومهم وأساسى للتنمية المستدامة وهو الحوار الوطني، لكن لا يتم بطريقة صحيحة، وليس المقصود بالحوار الوطنى أن يكون بين الحكومة والمجتمع المدني، بل يكون بين العاملين فى الجمعيات وبين العاملين والمستفيدين، بين الجمعيات والأهالي، فالحوار الحر المفتوح والديمقراطى الذى يجمع كل المهتمين والمهمومين بقضية ما لابد أن يجد الحل، فليس الحوار هو الاستماع إلى شكاوى المستفيدين، بل الاستماع إلى الحلول.
 

شرط مشاركة الجمعيات فى تنمية القري
وعن دخول الجمعيات الأهلية لتنمية وتطوير الريف المصري، يرى أنه لابد من وضع شروط لهذه الجمعيات قبل البدء بالتنمية، بحيث تتكون لجنة من داخل كل قرية تبحث مشكلاتها، فلا يصح إرسال أحد من خارج القرية لتنميتها، لابد أن يكون ذلك مشاركة مع الأهالى المحليين، كما ننسى فى عملية الحوار ونقل المعرفة أن الأطفال هم المستقبل، فلابد فى كل برامج الجمعيات من وجود الأطفال ومشاركتهم، وبجانبهم كبار السن للاستفادة من خبراتهم. فالمجتمع المدنى فى مصر هو عنوان بلا تفاصيل، وأزمته فى شخصنته، وغياب العمل الجماعي، فتنمية القرى تحتاج الجميع، الاقتصادى والاجتماعى والسياسي، وتحتاج مشاركة حقيقية.


تنظيم عملية التطوع
غياب منظومة التطوع وعدم وجود حصر بأعداد المتطوعين أكثر ما يقلق د. خالد عبد الفتاح، أستاذ مساعد علم الاجتماع السياسى جامعة حلوان، ويرى أننا حين نتحدث عن إصلاح المجتمع المدني، فإننا يجب أن نقر بأن هناك أشياء تستوجب التدخل، فالمنظمات والجمعيات الأهلية هى شكل مؤسسى لعملية التطوع، تتم إدارتها تحت مظلة القانون، وفق أطر معينة، تأخذ أبعادا رسمية وشكلا قانونيا وحيثيات، وذلك لتنظيم عملية التطوع، أما إصلاح منظمات المجتمع المدنى وتحديدا المؤسسات والجمعيات الأهلية وليس أى قطاعات أخرى فى المجتمع المدني، فإن أهم أسس الإصلاح هو معالجة ظاهرة التطوع فى المجتمع، وعلاج ذلك ينبغى أن يكون له وجود محددات اجتماعية تسهل وتساعد فى عملية التطوع من حيث الحجم ونوعية الأنشطة.
والإصلاح يبدأ من التساؤل: هل حجم التطوع فى مصر مناسب وصحي والمعيار الأساسى هنا ينطلق من حجم السكان مقارنة بحجم المتطوعين؟
الإجابة بكل أسف: أنه لا يوجد فى مصر أى رقم رسمى يكشف عن حجم وعدد المتطوعين فى الجمعيات والمنظمات الأهلية فى مصر، فلا توجد جهة فى مصر تملك معلومة عن عدد المتطوعين، ولا أحد يستطيع أن يقدم لك إجابة أو حصرا حتى لعدد المتطوعين الرسمي، بمن فيهم أعضاء مجالس إدارات ومجالس أمناء المؤسسات والجمعيات التطوعية، وليس الجمعيات والمؤسسات الأهلية، لكن ما يطمئننا إلى حد بعيد أن هناك تطورا جديدا حدث فى القانون ١٥٣ لسنة ٢٠١٩ الخاص بتنظيم العمل الأهلى فى مصر، ونحن نعوّل عليه فى إصلاح عملية التطوع لدى تلك المؤسسات، حيث أصبح منوطا بوزارة التضامن الاجتماعى أن تدير المنظمات والجمعيات الأهلية، وتدير المتطوعين إدارة إلكترونية، وبناء على ذلك، تسعى الوزارة جاهدة لإنشاء قواعد بيانات التزاما بالقانون الجديد ولائحته التنفيذية، هذا بالنسبة للمستوى التنظيمي.
لكن على الجهة الأخري، فإن السؤال الأهم: هل الثقافة المجتمعية لدى المصريين تروج وتدعم العمل التطوعي؟
بكل تأكيد، نعم، فهناك فصيل فى الثقافة المجتمعية فى مصر له أصل دينى يحث بشكل دائم على تقديم العون والمساعدة وعدم التأخر عن نجدة الآخر، وأن لها أجرا دينيا وثوابا، لكن لا يوجد نماذج من التقدير المجتمعى للتطوع، وهذا الأمر ليس فى مصر فقط بل فى كثير من البلدان العربية، وتكاد تكون تلك النماذج محدودة جدا.


إعادة تعريف للمجتمع الأهلي

ويطالب د. عبد الفتاح بإعادة تعريف للمجتمع الأهلى فى مصر، فليست كل الجمعيات الأهلية تقدم فقط أعمال الخير، وليس معنى إنشاء جمعية أن يتم تقديم مصلحة الجمعية على المصلحة الشخصية، وبسبب عدم التعريف بدورها وتنظيمه نجد أن المجتمع الأهلى فى كل الدول العربية أكثر ميلا للعمل التطوعى العشوائي، فهو غالبا تطوع تلقائى وليد المصادفة وغير متكامل، وليس تطوعا إلزاميا مرتبطا بمؤسسة ونشاط ومواعيد محددة، ولعل من الإصلاح المطلوب للجمعيات الأهلية تغيير مفهوم النظرة العامة للجمعيات الأهلية بأنها تعمل فى مجال البر والخير، حيث إنها تمثل أكبر نسبة من عدد الجمعيات التى تعمل فى مجال المساعدات الاجتماعية، مقارنة بتلك التى تعمل فى مجال التنمية، والنوع الأول هو ما تم اختراقه من قبل تنظيمات وجهات بعينها، ركزت على هذا النوع من النشاط لتحقيق وظيفة تصب فى مصالحها السياسية، ودعمت أكثر هذا التنصيف من جمعيات لكفالة اليتيم والحج والعمرة وصدقات وغيرها، وعلى الرغم من أن بعضا من هذه الجمعيات يقدم خدمات رعاية، فإنها تظل غير متكاملة وغير مستمرة، ومن هنا فإن الدولة منذ عام ٢٠١٦ وبشكل رسمى من خلال منظومة برنامج تكافل وكرامة تعزز وترسخ بشكل مختلف مفهوم المساعدات الاجتماعية.


آليات مشاركة المجتمع المدنى فى التنمية

وحتى تكون الجمعيات والمنظمات الأهلية شريكا فى تنمية المجتمع والنهوض بالمواطن المصري، فلابد من وجود آليات، ففى السابق كانت هناك محاذير عديدة على العمل التطوعى والتجمع وعراقيل كثيرة خلقت عداء بين المجتمع المدنى والدولة، نتج عن ذلك تشوه فى الصورة الذهنية لدى المواطنين تدعم الخوف، ومن هنا فإن تغيير تلك الصورة يقع على عاتق الدولة من خلال صياغة قوانين داعمة للمجتمع المدني، وأن تمد يدها للشراكة، وهذا كان واضحا بشدة فى القانون الـ ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ ولائحته التنفيذية التى صدرت منذ أيام، وهو قانون يذلل كثيرا من العقبات التى واجهت القوانين السابقة، ومن جوانب الإصلاح ما تقوم به وزارة التضامن بإنشاء قاعدة بيانات لحصر جهود المجتمع المدنى وإعلانها أمام الرأى العام، حيث كان غياب تلك القاعدة سببا فى تكريس صورة ذهنية لدى المجتمع، فقد كان يرى عددا كبيرا من الجمعيات تستحوذ على نسبة كبيرة من التبرعات، لكنه لا يستطيع قياس حجم إسهاماتها، فهناك جمعيات كبيرة ينحصر نشاطها فى المجال الرعائى وليس التنموي، حيث تقدم مساعدات ولا تمارس أنشطة، وبالتالى لابد من معايير جودة كما نفعل فى القطاع الخاص والحكومى للجمعيات الأهلية، فتكون لدينا جهة تقيم هذه الجمعيات ومدى فاعليتها، وتراجع أنشطة هذه الجمعيات بما يحقق فائدة للمجتمع، بحيث يتوافر فيها المعايير المؤسسية لتؤدى دورها، وتكون تلك الجهة محايدة تستطيع إعطاء الجودة والاعتماد لتلك المؤسسات، تماما كما يحدث للجامعة والمدرسة والمصنع، وأن تكون هناك شهادة جودة وصلاحية لاستمرار تلك الجمعية من عدمها، والجمعيات التى لا تتوافر فيها معايير الجودة يتم حرمانها من أى مشروعات ممولة أو منح ونعلن للناس عدم التبرع لها.


الجمعيات الأهلية.. نقطة نظام !

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة