اقتصاد

مع استمرار انتشار «كورونا» وتحوره.. العالم على أعتاب «الكساد الكبير الثانى»!

13-2-2021 | 22:28

صورة أرشيفية

سلوى سيد

منذ نحو 90 عاما، شهد العالم أسوأ أزمة اقتصادية فى تاريخه الحديث، تلك التى وقعت فى أكتوبر من عام 1929، وعرفت لاحقا باسم «الكساد الكبير»، وقد سبقت هذه الأزمة إرهاصات وملابسات تشبه إلى حدٍ كبير تلك التى نشهدها حاليا مع استمرار انتشار «كورونا».

نعم هناك تشابه واضح ، فالكساد الكبير سبقه بنحو 10 سنوات انتشار فيروس الأنفلونزا الإسبانية، واليوم يشهد العالم حالة من تراجع النمو وحركة التجارة العالمية والإغلاق بسبب استمرار بسبب أزمة كورونا، كما أن كثيرا من المعالجات الاقتصادية التى تم اتخاذها لتفادى تداعيات الكساد الكبير، تشبه إلى حد كبير تلك التى تم اتخاذها لاحتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية التى خلفها فيروس كورونا!

مع تشابه الظروف بين الأنفلونزا الإسبانية وفيروس كورونا، اللذين حصدا أرواح الملايين حول العالم، نجد أنفسنا أمام سؤال غاية فى الأهمية، وهو: هل مع استمرار انتشار «كورونا» وتحوره، سيشهد العالم ثانى أسوأ أزمة اقتصادية فى تاريخه الحديث؟ أو بمعنى آخر: هل يقف العالم على أعتاب «الكساد الكبير الثانى»؟

لا شىء مؤكد فى عالم الأرقام والإحصاء هذه المرة، فالمعادلة بيد أطراف دولية كبيرة، ولاعبين من مجالات مختلفة، طبية واقتصادية، وتغير رقم فى المعادلة من أى جهة يغير جميع النتائج والحسابات، لكن المؤكد أن أزمة الكساد الكبير كان قد سبقها بنحو 10 سنوات انتشار الأنفلونزا الإسبانية التى حصدت أرواح الملايين حول العالم. ووقع العالم فى قبضة مأساة صحية لم تفرق بين كبير أو صغير، وغنى أو فقير، وبين دول متقدمة وأخرى نامية، الجميع فى قبضة الفيروس.

خسائر الاقتصاد العالمى

اليوم وبرغم ظهور العديد من اللقاحات لفيروس كورونا إلا أن السيطرة عليه تبدو بعيدة المنال فى الوقت القريب، وبدأ العالم فى نزيف خسائر مستمرة منذ ما يقرب من عام بسبب فيروس كورونا، وأسفر عن خسائر فى الاقتصاد العالمى اليوم قدرها صندوق النقد الدولى بنحو 28 تريليون دولار، نتيجة الإغلاق العام حول العالم بما فى ذلك القطاعان الصناعى والخدمى، وحالة الذعر لدى المستهلكين وقيود السفر والسياحة، فضلاً عن القفزة فى الإنفاق الحكومى على خدمات الرعاية الصحية.

وكان مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية قد توقع أن تخسر أغلب اقتصادات العالم حوالى 2.4% من ناتجها المحلى، وانكماش الاقتصاد بنسبة 4% هذا العام، وتراجع حجم التجارة العالمى بنسبة 20%، وانخفاض حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 40%، وتراجع التحويلات بمقدار 100 مليار دولار، وذلك خلال العام 2020.

الأضرار شديدة بالفعل، ففى غضون الأسابيع الخمسة الممتدة بين منتصف فبراير ومنتصف مارس 2020 فقدت أسواق الأسهم فى مجموعة الدول السبع الكبرى 33% من قيمتها، وذلك بالمقارنة مع انخفاض قدره 19% فقط خلال الأسابيع الأربعة التالية لانهيار بنك الاستثمار الأمريكى “ليمان براذرز” فى 15 سبتمبر 2008، إبان الأزمة الاقتصادية التى وقعت فى هذا العام وعرفت باسم أزمة الرهن العقارى.

حتى إن اقتصاديات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية - الأكثر تضرراً اقتصادياً بفعل الجائحة - شهدت ارتفاع مستويات ديونها عما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية، وهو ما يجعلها أكثر عرضةً للضغوط المالية.

عودة إلى السؤال السابق، هل يمكن أن يتسبب فيروس كورونا فى أزمة اقتصادية تكون الأسوأ على الاقتصاد العالمى بعد الكساد الكبير؟ الإجابة من منطلق الاستنتاج والمقارنة تقول: إنه مع استمرار تحور فيروس كورونا وانتشاره، سيصبح العالم على أعتاب أزمة اقتصادية يمكننا أن نطلق عليها “الكساد الكبير الثانى”.

ومن منطلق الاستدلال دعونا نعود إلى تفاصيل وتداعيات أزمة الكساد الكبير فى 1929، فحقا “التاريخ يعيد نفسه”، فقط علينا أن نركز فى التفاصيل لنتعلم منه، حتى نتفادى ما يلوح فى الأفق من أزمة اقتصادية كبيرة.

الكساد الكبير

فى 24 أكتوبر عام 1929 الذى عرف لاحقًا بـ “الخميس الأسود”، كان بداية تفجير الأزمة، حين طرح المستثمرون 13 مليون سهم للبيع دون أن يجدوا مشترين مهتمين، ما تسبب فى إفلاس الآلاف وفقدان مؤشر “داو جونز” الأمريكى 89% من قيمته. اتسعت أصداء الخسائر خارج نطاق البورصة ومستثمريها، لتجتاح حالة الكساد كافة جوانب المجتمع والاقتصاد الأمريكي، بخسائر قدرت وقتها بنحو 30 مليار دولار، فأُغلقت المصانع وسرح العمال وتوقف الإنتاج.

كما ارتفع معدل البطالة من 3.2% إلى 25% من إجمالى القوى العاملة فى البلاد فى عام 1933، تبع ذلك انخفاض فى الأجور بنسبة 42%، وهبوط فى الناتج المحلى الإجمالى من 103 مليارات دولار إلى 55 ملياراً فقط.

خفض سعر الفائدة
يرى المؤرخون وخبراء الاقتصاد أن سبب استمرار الأزمة كان السياسات الخاطئة التى انتهجها مجلس الاحتياطى الفيدرالى فيما يتعلق بإدارة إمدادات النقود والائتمان قبل وبعد الأزمة، حيث شهدت الولايات المتحدة نمواً فى إجمالى المعروض النقدى بنحو 61.8% بين عامى 1921 و1928، وارتفعت الودائع المصرفية بنسبة 51.1%، وزادت المدخرات بنسبة 224.3%، وقفز صافى احتياطيات التأمين على الحياة بنسبة 113.8%. كما أبقى فى الوقت نفسه على أسعار فائدة منخفضة، اضطرت أصحاب الأموال إلى توجيه استثماراتهم فى الأسهم والعقارات بدلاً من الاحتفاظ بها فى المصارف بدون أى فرصة للربح، وهو ما يفسر ما حدث من انهيار البورصة الأمريكية.

فى فترة التعافى بعد الأزمة، أيضاً أساء الفيدرالى التصرف بخفضه المعروض النقدى بمقدار الثلث، ليحدث أزمة سيولة حادة لدى العديد من البنوك الصغيرة وتقويض جهود التعافى السريع. وأقرت الولايات المتحدة مجموعة من الإجراءات والقوانين التى تمنع المصارف من التعامل بالأوراق المالية، وتعيد فتح المصارف غير المفلسة وتمنع التلاعب بالأوراق المالية. وبدأ تعافى الاقتصاد الأمريكى تدريجياً بعد 10 سنوات، حتى تلاشت تبعاته تماماً فى الفترة ما بين 1941 و1942، بالتزامن مع دخولها الحرب العالمية الثانية.

على الصعيد العالمي، تأثرت جميع دول العالم بالأزمة، الفقيرة منها والغنية، التجارة العالمية لم تفلت هى الأخرى من الكساد العظيم، حيث تراجعت بنسبة 65% بحسب قيمتها الدولارية فى ذلك الوقت. كما تضرر القطاعان الصناعى والزراعي، وانخفض متوسط دخل الفرد، فيما ارتفعت الضرائب، ولم تجد البنوك الأمريكية أمامها سوى السحب من بنوك فى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، ما أدى إلى انتقال الأزمة إلى أوروبا لتصبح الأزمة العالمية.

التاريخ يعيد نفسه
من الملاحظ أن كثيرا من السيناريوهات التى تم اتخاذها لمواجهة الكساد الكبير تتبعها الكثير من الدول، ويجعل المثل القائل بأن “التاريخ يعيد نفسه” عالقا فى الأذهان، خوفا من وقوع “الكساد الكبير الثانى” ربما سيطل بوجهه قريبا نظرا لتشابه سيناريوهات احتواء أزمة الكساد الكبير بنظيرتها فى أزمة انتشار فيروس كورونا.

وتشير توقعات البنك الدولى إلى أن الأضرار طويلة الأجل لجائحة كورونا ستكون شديدة للغاية على الاقتصادات التى تعانى أزمات مالية، وفى البلدان المصدرة لمنتجات الطاقة بسبب انهيار أسعار النفط. وفى المتوسط أيضا فى فئة اقتصاديات الدول ذات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، وقد تؤدى تلك الأضرار إلى كساد كبير تصاحبه أزمة مالية وانخفاض الناتج المحتمل نحو 8%، أما فى البلدان المصدرة للطاقة من بين هذه الفئة، ففى المتوسط قد يؤدى كساد يصاحبه انهيار أسعار النفط إلى انخفاض الناتج المحتمل بنسبة 11%.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤدى الجائحة إلى خنق معدل نمو الإنتاجية الذى كان ضعيفا خلال العشرة أعوام الماضية، وبالعودة إلى ما حدث فى الأوبئة السابقة، نجد أنه صاحبها انخفاضاً فى معدل إنتاجية الأيدى العاملة بنسبة 6%، وتراجع معدلات الاستثمار بنسبة 11% بعد مرور 5 أعوام فى البلدان المتضررة.

سيناريوهان متناقضان

حسبما يرى المحللون يتبقى أمام العالم سيناريوهان، الأول فى حالة السيطرة على عملية تحور الفيروس بفضل اللقاحات الجديدة التى بدأ تطعيم الناس بها فى عدد من دول العالم، وبذلك ستكون عملية تعافى الاقتصاد أسرع مع توقعات صندوق النقد بنمو الاقتصاد العالمى خلال 2021 بنحو 5%، وما سيتبع ذلك من ارتفاع فى الطلب الاستهلاكى نتيجة انفتاح شهية المشترين بعد عام من التقشف والإغلاقات.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر قتامة، فيتمثل فى مواجهة صعوبات فى القدرة على السيطرة على كورونا وظهور مزيد من السلالات، وسيعنى ذلك انضمام دول جديدة إلى الإغلاق العام والعودة إلى ذروة تفشى الفيروس العام الماضى، ويتأكد حدوث أزمة الكساد الكبير الثانى، خاصة وأن الاقتصاد العالمى بالفعل أصبح منهكاً جراء عام كامل من الخسائر المتواصلة فى جميع القطاعات.
فهل يمكن للمعالجات الاقتصادية المختلفة للأزمة الحالية أن تمنع التاريخ من أن يعيد نفسه؟ ربما!

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة