آراء

نحو «مجلس خاص» للبعثات العلمية

13-2-2021 | 16:25

تشهد الدولة حاليًا طفرة علمية وتعليمية غير مسبوقة، وتعد البعثات الخارجية للباحثين المصريين أحد عناصر هذا البناء العلمي للدولة الذي توليه القيادة السياسية اهتمامًا بالغًا. وتسلك مصر هذا الاتجاه منذ بناء الدولة الحديثة في عصر محمد علي باشا، حيث أرسل مهندسين إلى فرنسا لبناء مصر الحديثة وكذلك نظريون من أمثال رفاعة الطهطاوي لنقل الثقافة الغربية لمصر، وكانت متابعة المبتعثين تتم من قبل الوالي نفسه.

ولا تزال الدولة تنحو نفس التوجه فنجد زيادة فى عدد المبعوثين المصريين الذى ارتفع من 553عام 2014 إلى 950عام 2017 ثم إلى 1150 مبعوثًا فى 2019 فى تخصصات تتعلق بخدمة التنمية المستدامة لمصر (الطاقة الجديدة والمتجددة، الطاقة النووية، تحلية المياه، الزراعة، الهندسة، الطب) كما أن هناك بعثات مصرية فى العلوم الاجتماعية والإنسانية والتربوية. وتجاوزت ميزانية البعثات فى 2019 المليار جنيه بخلاف تمويل البنوك «الأهلى ومصر» اللذين يوفران 600 مليون جنيه على مدي 3 سنوات. ومن مظاهر اهتمام الدولة بالبعثات، صدر القانون رقم 149 لسنة 2020 بشأن تنظيم البعثات والمنح والإجازات الدراسية.

وبالرغم من كل هذا الاهتمام بالبعثات الا أن الفائدة التى تعود على الدولة من هؤلاء المبتعثين تحتاج إلى مزيدمن التعظيم. يرجع ذلك الى حقيقة وواقع لا يلمسه إلا أمثالى من الذين استفادوا من هذه البعثات نفسها. وهى أن مصير معظم المبتعثين للخارج بعد إنهائهم المدة المقررة للبعثة هو واحد من ثلاثة أمور، أولاً هو بقاء المبتعث فى دولة البعثة بأوروبا أو أمريكا مثلا نظراً لإبداع المصرى واجتهاده أثناء بعثته، وسعى الجامعة الأجنبية التى درس بها إلى الإبقاء عليه والاستفادة منه، وفى نفس الوقت رغبة المبتعث للعمل فى مناخ علمى ومادى ونفسى ملائم، والأمثلة على هذا مليئة بعلماء مصريين بالخارج على رأسهم د.أحمد زويل رحمه الله. وثانى احتمال هو عودة المبتعث مؤقتا لمصر، ثم سفره للعمل فى إحدى الدول العربية الشقيقة التى يجد فيه هذا الباحث الشاب وسيلة لتحقيق طموحه، وبناء مستقبله.

وفى كلا المصيرين السابقين يتحايل المبتعث على قانون إلزامه بالعودة للعمل فى جامعته باستخدام كارت (مرافق زوجة) أو يضرب عرض الحائط بفصله من جامعته ، أو يترك القضاء يأخذ مجراه فى الزامه بالتعويض. أما المصير الثالث فهو عودة المبتعث إلى مصر واصطدامه بنقص الإمكانيات والمعامل التى تعلم فيها بالخارج ويحتاجها لتطبيق ما تعلمه، وبالروتين واللوائح العقيمة التى تضيع كثيرا من وقت المبتعث ومجهوده، وعجزه عن تنفيذ مشروعاته التى تحتاج لجهات تنفيذية ووزارات أخرى وقرارات من مسئولين فى مجالات شتى يصعب عليه الاتصال بهم لإقناعهم بأهمية تطبيق مشروعه أو ابتكاراته على أرض الواقع، مما يدفعه لجعل ما تعلمه حبيس الأدراج، وعودته للحياة الروتينية كزملائه. فى كل تلك الأحوال لا يتم الاستفادة المرجوة من هذه البعثات، ومن هذه الأموال التى أنفقت عليها، حيث تكلف بعثة الدكتوراه الواحدة الدولة المصرية 4 ملايين جنيه، و2 مليون لبعثات الإشراف المشترك ومليون جنيه للمهمة العلمية والماجستير وجمع المادة العلمية. هذا لا يمنع من تمكن عدد من المبتعثين من المثابرة لتنفيذ ما يرنون إليه من مشروعات.

إذا ما الحل لتعظيم الاستفادة من هذا المصدر الخصب للخبرات والعلوم؟ وضعا فى الاعتبار أن المبتعث لا يعود بعلم فى مجاله فقط، بل بخبرات فى شتى نواحى الحياة التى يعيشها بنظامها الطبي، والتعليمي، والمروري...الخ

لا بد أن نعود لنموذج الدولة الحديثة فى عهد محمد على باشا. أقترح إنشاء مجلس خاص للمبتعثين، لا يتبع أى وزارة ولكن يتبع مؤسسةالرئاسة مباشرة، ويضم فريقاً من قدامى وحديثى المبتعثين فى مجالات مختلفة من الأساتذة ومن الشباب على حد سواء، يكون للمجلس دوران أساسيان، أولهما هو احتواء أعضاء البعثات بعد عودتهم لضمان الدعم النفسى والأدبى والمادى عن طريق تنفيذ مشروعاتهم التى تؤهلهم لممارسة ما تعلمونه، بل وتدريب غيرهم من الباحثين المصريين. وبحسبة بسيطة، فإن إيفاد اثنين من الباحثين فى الكيمياء مثلا بتكلفة 8 ملايين جنيه ، ثم تجهيز معمل لهما بعد عودتهما بتكلفة 10 ملايين جنيه ليقوما بتدريب 10 من زملائهما الباحثين، بل وإمكانية تحقيق مصدر ذاتى للإنفاق من خلال المنتجات أو المخرجات المصنعة فى هذا المعمل، ذلك أفضل بكثير من إيفاد 10 باحثين بتكلفة 40 مليون جنيه لا نضمن الاستفادة من علمهم لعدم وجود معمل مناسب. والدور الثانى للمجلس هو أن يمثل حلقة وصل بين أعضاء البعثات العائدين من ناحية، ومؤسسات ووزارات الدولة المعنية بالتخصص والدراسة التى سافر أولئك الباحثون من أجلها من ناحية أخري. قس على هذا كل المجالات العلمية والحياتية التى يتم إرسال الباحثين من أجلها.

لذلك أعتقد أن هذا المجلس يجب ألا يتبع وزارة بعينها ليظل مستقلا فى قراراته وليستمد قوة أدبية من تبعيته لمؤسسة الرئاسة.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة