دنيا ودين

تفسير «الشعراوي» لـ«وقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا»

12-2-2021 | 18:50

الامام الشعراوى رحمه الله

يقول الامام الشعراوى رحمة الله فى خواطرة قال تعالي: «وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا» (الإسراء 49)،الاستفهام فى الآية استفهام للتعجّب والإنكار لموضوع البعث يوم القيامة بعد أنْ صاروا رُفَاتًا وعظامًا، والرفات: هو الفتات ومسحوق الشيء، وهو التراب أو الحُطَام، وكذلك كل ما جاء على وزن (فُعال، لقد استبعد هؤلاء البعث عن الموت؛ لأنهم غفلوا فى بداية الوجود وبداية خَلْق الإنسان، ولو استعملنا علم الإحصاء الذى استحدثه العلماء لوجدناه يخدم هذه القضية الإيمانية، فلو أحصينا تعداد العالم الآن لوجدناه يتزايد فى الاستقبال ويقلّ فى الماضي، وهكذا إلى أنْ نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل، وهو آدم وحواء، فمن أين أتَيَا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لابد أن يُفكّروا فيها.

ولأنها قضية غيبية فقد تولَّى الحق سبحانه وتعالى بيانها؛ لأن الناس سوف يتخبّطون فيها، فينبهنا الخالق سبحانه بمناعة إيمانية عقدية فى كتابه العزيز، حتى لا ننساق وراء الذين سيتهورون ويَهْرفون بما لا يعلمون، ويقولون بأن أصل الإنسان كان قرداً، وهذه مقولة باطلة يسهُل رَدُّها بأن نقول: ولماذا لم تتحول القرود الباقية إلى إنسان؟ وعلى فرض أن أصل الإنسان قرد، فمن أين أتي؟ إنها نفس القضية تعود بنا من حيث بدأتْ، إنها مجرد شوشرة وتشويه لوجه الحقيقة بدون مبرر.
وكذلك من القضايا التى تخبَّط فيها علماء الجيولوجيا ما ذهبوا إليه من أن السماء والأرض والشمس كانت جميعًا جزءًا واحدًا، ثم انفصلت عن بعضها، وهذه أقوال لا يقوم عليها دليل.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا طرفًا من هذه القضية، حتى لا نُصغِى إلى أقوال المضلِّلين الذين يخوضون فى هذه الأمور على غير هدي، ولتكون لدينا الحصانة من الزَّلَل؛ لأن مثل هذه القضايا لا تخضع للتجارب المعملية، ولا تُؤخَذ إلا عن الخالق سبحانه فهو أعلم بما خلق.
يقول تعالي: ‭{‬ما أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ..‭}‬ [الكهف: 51] أي: لم يكن معى أحد حين خلقتُ السماء والأرض، وخلقتُ الإنسان، ما شهدنى أحد لِيَصِفَ لكم ما حدث ‭{‬وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُدًا‭}‬ [الكهف: 51] أي: ما اتخذت من هؤلاء المضللين مُساعِدًا أو مُعاوِنًا، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: احكموا على كل مَنْ يخوض فى قضية الخَلْق هذه بأنه مُضلّل فلا تستمعوا إليه
ولكى تُريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا لا تُحمِّلوا العقل أكثر مما يحتمل، ولا تعطوه فوق مقومات وظائفه، وجَدْوى العقل حينما ينضبط فى الماديات المعملية، أما إنْ جنح بنا فلا نجنى من ورائه إلا الحُمْق والتخاريف التى لا تُجدى.
فلو أن الفلاسفة وقفوا عند مرحلة التعقُّل فى أن وراء المادة شيئًا، وتركوا لمن وراء المادة أنْ يُظهر لهم عن نفسه لأراحوا واستراحوا، كما أننا لو قُلْنا للطارق: مَنْ؟ لقال: أنا فلان، وجئت لكذا، وانتهتْ المسألة.
ولقد رَدَّ عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: ‭{‬أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا‭}‬ (لإسراء: 49).،بقوله تعالي: ‭{‬قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ فأنى تُؤْفَكُونَ‭}‬ (يونس: 34)،
وبقوله تعالي: ‭{‬يَوْمَ نَطْوِى السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ‭}‬ (الأنبياء: 104)،وبقوله تعالي: ‭{‬وَهُوَ الذى يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ..‭}‬ [الروم: 27] فإعادة الشيء أهون من خَلْقه أَوّلاً

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة