عرب وعالم

كيف كان شكسبير سيكتب عن محاكمة الرئيس السابق؟

10-2-2021 | 14:31

كيف كان شكسبير سيكتب عن محاكمة الرئيس السابق؟

منال لطفى

من جديد تعود أنظار أوروبا للمسرح السياسي الأمريكي. فقد بدأت جلسات محاكمة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بتهمة تحريض أنصاره علي اقتحام الكونجرس، لمنع التصديق علي نتائج الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها الرئيس الأمريكي  جو بايدن.

جلسات المحاكمة التي من المتوقع أن تستمر على مدى اسبوع، لا تعني أمريكا وحدها. فالعالم كله يراقب، خاصة أوروبا التي تعكس صحفها اليومية اهتماماً كبيراً بالمحاكمة. فالرئيس الأمريكي السابق، يظل قوياً ونافذاً في الحزب الجمهوري، ويظل الأكثر شعبية وسط القواعد الشعبية للحزب الجمهوري.

صحيفة «الجارديان» البريطانية، اعتبرت أن محاكمة ترامب الثانية وما سيترتب عليها، ستعكس حال الديمقراطية الأمريكية، فسلوك ترامب يوم 6 يناير الماضي «لم يعرض حياة كل عضو في الكونجرس للخطر فحسب، بل عرّض الانتقال السلمي للسلطة للخطر أيضاً». صحيفة «ديلي ميرور» اعتبرت أن أمريكا في «مفترق طرق»، فإذا أفلت ترامب من المحاسبة، سيفتح هذا الباب لعودته خلال أربع سنوات. صحيفة «الاندبندنت» رأت أن أمريكا وما تمثله وسمعتها ومستقبل قيادتها للعالم، علي المحك. المسألة بالنسبة لأوروبا إذن ليست شأنا داخليا أمريكيا، بل اختبار لفكرة الديمقراطية في زمن الشعبوية.

لم تمر أمريكا في تاريخها سوي بأربع إجراءات لعزل الرئيس، اثنين من الأربعة من نصيب ترامب. ففي محاكمته الأولي، اتُهم ترامب بإساءة استخدام السلطة، بدعوي أنه ضغط علي رئيس أوكرانيا لفتح تحقيق ضد جو بايدن وابنه هانتر بتهم فساد. لم ُيدان ترامب، لأن الأعضاء الجمهوريين في الشيوخ رفضوا التصويت ضده. المحاكمة الثانية التي بدأت هذا الأسبوع مختلفة بشكل جذري عن الأولي، فمسرح الجريمة ليس بلدا أجنبيا، بل الكونجرس الأمريكي نفسه الذي اقتحمه الآلاف من أنصار ترامب، في محاولة لوقف إجراءات التصديق علي انتخاب بايدن. لكن ترامب خارج السلطة بالفعل، ما يجعل إجراءات العزل الثانية أكثر إثارة للجدل، ولهذا لن يترأس جلسات المحاكمة القاضي جون روبرتس، رئيس المحكمة العليا، ولكن، باتريك ليهي، أطول أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين خدمة في الكونجرس.

 ما قاله ترامب وما لم يقله

وفي أوراق الادعاء ضد ترامب، تتلخص التهم الموجهة للرئيس السابق، في أنه «استدعي حشدا من الغوغاء إلي واشنطن،  وحثهم علي التمرد، ووجههم مثل مدفع محشو في شارع بنسلفانيا»، حيث مقر الكونجرس الذي تم اقتحامه، بينما النواب داخله يقومون بدورهم في التصديق علي نتائج الانتخابات.   وجوهر الاتهامات هي أن ترامب حرض ودفع مؤيديه للانخراط في تمرد ضد المؤسسات الديمقراطية، وهو علي دراية بأن تلك الأفعال هدفها التأثير علي مسار عمل الكونجرس، وكان علي دراية بأن الأشخاص الذين اقتحموا الكونجرس لم تكن نيتهم مجرد مقاطعة الإجراءات مؤقتا، ولكن منع إعلان بايدن رئيساً من قبل مجلسي النواب والشيوخ، وتغيير نتيجة المجمع الانتخابي، لإبقاء ترامب في منصب الرئاسة.

ولدحض التهم الموجهة ضده، جادل محامو ترامب، بأنه لم ينخرط في تمرد، وأن جلسات محاكمته في مجلس الشيوخ، أمر غير دستوري لأنه «رئيس سابق» ولا يمكن عزله أصلاً. واستخدم الدفاع تعبيرات «الرئيس يرفض» و»الرئيس ينفي» نحو 29 مرة، في مذكرة دفاعهم، للتأكيد علي أنه لا يمكن إلقاء اللوم علي ترامب، لأنه لم يحرض أي شخص علي «الانخراط في سلوك هدام»، موضحين أن الأشخاص المسئولين بالفعل عن الهجوم، يتم التحقيق معهم ومحاكمتهم. وسيحاجج فريق الدفاع عن ترامب، أن الاقتباسات التي نُقلت عنه أُخُذت خارج سياقها، وأنه عندما قال «لابد من إظهار القوة ولا شيء يتحقق من خلال الضعف» كان يتحدث مجازياً، قاصداً القوة السياسية وليس العنف. وأن هدف ترامب من دعوة انصاره للتظاهر أمام الكونجرس، لم يكن تغيير نتيجة الانتخابات، لكن ضمان الشفافية في العملية الانتخابية الآن وفي المستقبل. وأخيراً، أن ما قاله ترامب منذ 5 نوفمبر الماضي عن تزوير الانتخابات وحدوث مخالفات «حقه المكفول دستوريا بحرية الرأي والتعبير».

ومقابل استراتيجية فريق الدفاع، سيركز الادعاء علي الأدلة الكثيرة الموجودة، ومن بينها المئات من أشرطة الفيديو لعملية اقتحام الكونجرس، وتصريحات ترامب صباح 6 يناير الماضي، التي سبقت الاعتداء علي الكونجرس، الذي أدي إلي 5 قتلي. ففي تجمع حاشد قبل اقتحام الكونجرس، قال ترامب أمام عشرات الآلاف من أنصاره: «لن نتحمل هذا بعد الآن» (في إشارة إلي مزاعم سرقة الانتخابات) و«لن نستعيد بلدنا أبداً إذا كنا ضعفاء»، و«لقد انُتخبت بأغلبية ساحقة وعلينا أن نقاتل». وإضافة إلي تصريحات ترامب وتغريداته، سيتم التدقيق في تصرفاته منذ 5 نوفمبر وحتي 6 يناير، ومن بينها محاولة الضغط علي المسئولين في ولاية جورجيا الامريكية، لتغيير نتيجة الولاية، والتدقيق في صحة تقارير أنه تباطئ في الدفاع عن مبني الكونجرس، وتلكأ في الموافقة علي إرسال الحرس الوطني، ووقف يشاهد الهجوم علي الكونجرس مع مساعديه، دون أن يفعل شيئا لوقفه، بل ربما حتي عمل علي تأجيج التمرد. فخلال اقتحام الكونجرس، غرد ترامب منتقداً نائبه مايك بنس، لفشله في وقف التصديق علي نتائج المجمع الانتخابي. وكتب ترامب: «مايك بنس لم يكن لديه الشجاعة لفعل ما كان يجب القيام به». ونُشرت التغريدة بعد حوالي 10 دقائق من بدء الهجوم، بينما كان رجال الحراسة يصطحبون بنس وأسرته للاختباء في مكان آمن، وأنصار ترامب يرددون:»الشنق لمايك بنس».

ليز تشيني، ثالث أهم عضو جمهوري في مجلس النواب، وفي دفاعها عن ضرورة إجراء تحقيق جنائي مع ترامب، أشارت إلي تغريدته ضد بنس، موضحة» : سيرغب الناس في معرفة ماذا كان يفعل الرئيس خلال الهجوم.. سيرغبون في معرفة ما إذا كانت التغريدة التي كتبها، والتي وصف فيها نائب الرئيس مايك بنس بالجبن أثناء الهجوم، كانت محاولة متعمدة منه لإثارة العنف».

لكن السيناتور الجمهوري راند بول، قال إن محاكمة ترامب «محاولة لتجريم الخطاب السياسي»، موضحاً: «هل سنعزل الناس ونحاكمهم جنائياً بسبب الخطاب السياسي عندما يقولون: انهض وقاتل من أجل بلدك أو أجعل صوتك مسموعاً».كما سيتم النظر فيما إذا كان ترامب قد أظهر لاحقاً أي ندم واعتذر بشكل لا لبس فيه، خاصة وأن ترامب بعد ساعات من اقتحام الكونجرس، خرج ليحث أنصاره علي العودة لمنازلهم قائلاً:«نحن نحبكم. وأنتم أشخاص أعزاء للغاية». بعبارة آخرى، سيتم تحليل كل كلمة قالها الرئيس السابق، لمعرفة دورها والمقصود منها وتأثيرها في سياق الأحداث الجسام التي شهدتها أمريكا.

 سؤال حول النيات

إذن ستكون مهمة مجلس الشيوخ الصعبة، هي ربط ما قاله دونالد ترامب، بأفعال وتصرفات أنصاره، الذين اقتحموا الكونجرس. أو بعبارة أخري إيجاد «علاقة سببية» بين خطاب ترامب وغيره من تصريحاته العلنية منذ 5 نوفمبر، وبين سلوك أنصاره في 6 يناير الماضي. فكيف يمكن إثبات ان «نية» ترامب كانت فعلاً التحريض علي اقتحام الكونجرس واستخدام العنف؟. «سؤال النية» أحد الأسباب التي دفعت‪ ‬البروفسور فيرنون بوجدانور، أستاذ نظم الحكم في جامعة «كينجز كوليدج» في لندن، للقول في مقالة في صحيفة «فاينشيال تايمز» البريطانية، إن الكونجرس ليس المكان المثالي لمحاكمة ترامب. فالكونجرس ليس محكمة ونوابه ليسوا قضاة أو محلفين، وحكمه ليس قانونيا ولكن سياسي. ويتفق نواه فيلدمان، أستاذ القانون الدستوري البارز في جامعة هارفادر الأمريكية، والذي كان الخبير القانوني الأول الذي استدعاه الديمقراطيون، في جلسات عزل ترامب الأولي، أن محاكمة الكونجرس «ليست جنائية» وإنما سياسية، لكن هذا لا يقلل من أهميتها أو جدواها. فترامب، كما يقول فيلدمان، ارتكب «جريمة سياسية» بتشجيعه انصاره علي التمرد، وبالتالي الإدانة السياسية ممكنة، إذا استخلص غالبية نواب مجلس الشيوخ، أن مجمل ما قاله وقام به ترامب منذ 5 نوفمبر الماضي وحتي 6 يناير الماضي، قاد إلي جريمة اقتحام الكونجرس. وانه سواء أمكن إثبات التعمد والنية، أو لم يتم اثباتها، فهذا شأن ثانوي، لأن الرئيس أخفق فى القيام بوظيفته في حماية المؤسسات الديمقراطية في البلاد، ودعم، عن عمد أو دون عمد، تمرد ضد الديمقراطية، وبهذا المعني هو ارتكب جريمة سياسية، يستحق عليها المنع من ممارسة السياسية مستقبلاً.

ويقول فيلدمان، إن التحريض السياسي لا يكون بالضرورة عبر دعوة مباشرة للناس للتصرف بشكل معين. فالتحريض السياسي يستخدم عادة لغة أكثر حصافة، ويحرك الناس بـ«اللغز» أي الدفع والايماءات والإيحاءات. وهذا بالضبط ما فعله ترامب.

ويستحضر فيلدمان الكاتب المسرحي الانجليزي ويليام شكسبير، في مسرحيته «يوليوس قيصر» التي تضمنت أشهر مقطع للتحريض السياسي في تاريخ الأدب العالمى، فالمسرحية التي كتبها شكسبير عام ‪ ‬1599مستلهماً إياها من أحداث حقيقية جسيمة، حدثت في روما وسجلها مؤرخون كبار، مثل بلوتارخ، تدور حول مقتل يوليوس قيصر عام 44 قبل الميلاد، علي يد عدد من النبلاء في روما، تخوفوا من صعود قيصر، وتأثيره علي نفوذهم ومكانتهم.

مارك انطونيو، صديق قيصر المقرب، والذي هالته الجريمة، اعتبر أن قتل قيصر ليس له ما يبرره، سوي الحسد والحقد علي قائد عظيم.

وفي غمرة الخوف من رد فعل أهالي روما علي مقتل قيصر، سمح بروتس والمتآمرون الآخرون لأنطونيو، بإلقاء خطبة جنازة لقيصر، بشرط ألا يلومهم علي فعلتهم. وبعدما بدأ خطاب أنطونيو ظاهريا بتبرير تصرفات بروتس وباقي المتورطين معه قائلا: «جئت لأدفن قيصر وليس لأثني عليه»، إلا أنه سرعان ما استخدم الخطبة  لتحريض أهالي روما علي التمرد والثورةا بدون أن يقول لهم ذلك بشكل مباشر. فعلي مدار الخطبة، فند انطونيو بحصافة وبطريقة غير مباشرة كل الحجج التي استخدمها بروتس ورفاقه لقتل قيصر. ثم وقف يتأمل جثمان قيصر، تاركاً مساحة زمنية كافية للناس للتفكير  والتعاطف والغضب والثورة، ثم يقول:«اصبروا معي فقلبي الآن في التابوت مع قيصر... ويجب أن أتوقف قليلاً حتي يعود إليّ».  وتبدأ شكوك الجمهور في أن قيصر قُتل ظلماً، ويدرك انطونيو ان الوقت حان للعب علي مشاعرهم أكثر عبر «وصية قيصر» الأخيرة.

وينفي أنطونيو أنه يحاول التأثير علي أهالي روما بالوصية «لم آتِ، أيها الأصدقاء، لسرقة قلوبكم... صبراً أيها الأصدقاء الكرام. ليس من الصواب أن أقرأها. إذ ليس من المناسب أن تعرفوا قدر الحب الذي كان قيصر يكنه لكم. فما أنتم من خشب ولا أنتم من حجارة. وأنما انتم بشر، وإن سمعتم وصية قيصر هاجت مشاعركم وجن جنونكم. فمن الخير أن تبقوا جاهلين، بأنه جعلكم ورثة ما يملكه». ويواصل شكسبير في سطوره التاريخية، حول التأجيج السياسي:«أصدقائي الكرام لا تدعوني أثير فيكم هذا الفيض المفاجئ من التمرد...لقد أوصي قيصر لكل مواطن في روما بـ75 دراخمة. وقد ترك لكم بخلاف ذلك حدائقه ودياره الريفية وبساتينه. تركها لكم ولورثتكم من بعدكم…هكذا كان قيصر، فمتي عسانا أن نري مثله؟». فيرد أهالي روما: «لن نري مثله أبداً. ما كان أنبلك يا قيصر. سننتقم لموته ونحرق بالمشاعل منازل الخونة».

وهكذا أندلعت الحرب الأهلية في روما، بين انطونيو وأوكتافيوس وحلفائهم من ناحية، وبين بروتس وكاسيوس وسينا وحلفائهم من ناحية ثانية، والتي انتهت بانهيار جمهورية روما. فعل انطونيو هذا بدون أن يبدو كمن يحرض أو يحفز أو يحض عن عمد. وكتب شكسبير الخطبة التي تعد سطورها من أشهر ما كتبه في حياته، ومن أشهر النماذج التي تدرس في كليات الحقوق، ومدارس القانون، حول «التحريض السياسي». ويقول نواه فيلدمان، إنه علي غرار مارك انطونيو، لم يقل ترامب لأنصاره كلمات مباشرة مثل: هيا يا رفاق قوموا باقتحام الكونجرس وأمنعوا التصديق علي انتخاب بايدن بالقوة. ومع ذلك فإن التحريض السياسي واضح ولا شك فيه.

إذن ستتحول أنظار العالم من جديد للمسرح السياسي الأمريكي، في فصل جديد من فصول محاكمة ترامب، لكنه من غير المرجح أن يكون الفصل الأخير. فكل الترجيحات أنه بسبب تركيبة الكونجرس واستمرار سطوة ترامب علي الحزب الجمهوري، سيكون من الصعب إدانته في مجلس الشيوخ، لكن الأدلة التي ستظهر بكثافة علي مدار الأسبوعين المقبلين، قد تفتح الطريق لمحاكمة جنائية في المحاكم الفيدرالية، وإذا أدين ترامب، ساعتها يمكن تحقيق الهدف الأول للديمقراطيين من المحاكمة، وهو منعه من الترشح مجدداً في أي انتخابات، وإنهاء دوره في الحياة السياسية الأمريكية. 

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة