آراء

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

9-2-2021 | 12:38

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع وصف النقدية على النزعة الثالثة، والمادية على النزعة الثانية، أما الأولى التى نتوقف عندها اليوم فيحتفظ وصفها باسمها مختصرا، أى المثالية. ترى المثالية الوجود كله من منظور روحى ومن ثم تنطوى جوهريا على شتى أنظمة الفكر التأملى الميتافيزيقى وتتصالح تماما مع الإيمان الديني. انتشرت المثالية فى عموم الفكر الأوروبى بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر لكنها راجت إلى حد الهيمنة على الفكر الألمانى فى محاولة منه لتجسير الهوة ورأب الصدع بين المسيحية والتنوير.

لم تكن المثالية مذهبا مغلقا على أحد بل تيار واسع تراكمت تقاليده عبر أجيال مختلفة وتوزع رموزه على حقول معرفية شتى كالتاريخ والفلسفة والأدب والهرمينوطيقا، لكن نقطة الاتفاق الأساسية بين أنصارها والتى عبر عنها كل منهم بطريقته المميزة هى أن مسار الألوهية فى التاريخ نحو التوحيد لا يتناقض مع صيرورة ارتقاء العقل البشرى نحو التنوير.

أصاب جوتولد ليسنج كبد هذا الفهم بتأكيد أن مسار الألوهية ليس إلا محاولات متوالية لخلق تصورات عن المقدس أكثر ملاءمة للحظة المعيشة وتوافقا مع العقل الإنساني، وعلى أن متعة الإنسان لا تنحصر فى امتلاكه للحقيقة، وإنما فى الجهد الذى يبذله فى البحث عنها، لأن امتلاك الإنسان للشيء يميل به إلى الركود والتكاسل والغرور، ومن ثم يعلن بوضوح: لو أن الله وضع الحقائق كلها فى يميني، ووضع فى يسارى شوقى المستمر إليها، وإن أخطأتها دائما, ثم خيرني، لسارعت إلى اختيار ما فى يسارى، قائلا له: رحماك يا الله، فإن الحق الخالص لك أنت وحدك!. وفى كتابه (تربية الجنس البشري) طبق ليسنج فهمه على الدين التوحيدى الذى نظر إليه كوحي، وكشف متقدم فى آن، يزداد العقل تفهما له واستنارة به بمرور الزمان كما يزداد الفرد معرفة بتدرجه فى مراحل التعليم، حيث اعتقد ليسنج فى وجود ثلاث مراحل مرت بها التربية الدينية للجنس البشري. فى المرحلة الأولي، أى الطفولة ارتفع اليهود إلى مستوى التصور التوحيدي، حيث استهوتهم فى هذه المرحلة المعانى الحسية لقدرة الله (يهوه) على العقاب والثواب ولكن دون إيمان بالبعث والحياة الأخروية. ولأن هذا التصور بما يحتوى عليه من تناقض لا يتناسب إلا مع عقل بدائي، أو إنسانية فى سن معينة، فقد تجاوز البشر تصورات العهد القديم، وتهيئوا لاستقبال المرحلة الثانية، أى الصبا، حيث دعت المسيحية إلى إله عالمى وإلى نقاء الإنسان من الداخل كمنهج إعدادى لخلود الشخصية، أى البعث والحساب. وفى الخطوة الثالثة قُدِّر للبشرية أن تبلغ مرحلة النضج وتدرك عقلانيا ما كانت تتقبله كوحي، ومن ثم تطور من تصوراتها عن الله والسلوك البشري. نلاحظ هنا مدى إيمان ليسنج بمفهوم العناية الإلهية للتاريخ، الذى رآه خاضعا لتوجيه الله من البداية إلى النهاية. ولما كان من العسير تحقيق كل شيء دفعة واحدة، حيث لا يُعقل تعليم الفرد كل شيء وهو لا يزال فى طفولته، ولا أن تبلغ الإنسانية فى مرحلة بداوتها ذروة فهمها للألوهية، فقد رعى الله فى وحيه اتباع نسق متدرج من الرسالات، مثلما رعت نظم التعليم الحديثة مستويات متدرجة لتعليم الطلبة، ومن ثم تتوافق الخطة الألهية لتعليم البشرية مع الخطة المدنية لتعليم أفرادها.

تلقت المثالية دعما من مفكرين كثيرين مثل فيخته وفيتشه وشليجل ودلتاي، خصوصا من فر. شلاير ماخر فى كتابه التأسيسى خطاب حول الدين 1799م، الذى دعا إلى تفهم الأديان كلها وليس التوحيدية فقط انطلاقا من جوهرها الحي، والتسامح مع الأشكال المختلفة التى تجسد صورة مركز القداسة فيها، بل رأى فى تعدد واختلاف أنماط تصور الله ميزة حاسمة وهى إبقاء الدين شعورا متقدا، وعدم تحوله إلى مجرد مظهر خارجى جامد. غير أن الدعم الأبرز للمثالية جاء من هيجل الذى مثل نقطة ذروتها بقدر ما كان رحيله علامة على أفولها. لديه يعيش الإنسان فى عملية كشف متوالية لا تتوقف عند وعيه بالله، بل تمتد إلى وعيه بذاته والوجود حوله عبر أنساق الحقيقة الكلية: الفن والدين والفلسفة، التى تتعاضد جميعها فى الكشف عن (الروح المطلق) ليس بوصفه حقيقة واقعية تماما يكشف عنها العلم، أو داخلية صرفا يكفى لإدراكها الفن، أو حتى مفارقة تماما ينقلها إلينا الوحي، ولكن بوصفها حقيقة شاملة باطنية وعقلية وغيبية فى آن، تتكامل الملكات الإنسانية مع الوحى الإلهى فى كشف كنهها، والعيش بداخلها. لكن هيجل فى مرحلة عمرية متأخرة تنازل عن مفهوم المطلق، وتصالح ضمنيا فى رسالته عن روح المسيحية ومصيرها مع صورة الإله المسيحى المؤنسن، الذى قرر الهبوط إلى الأرض والحلول فى يسوع تكفيرا عن الخطيئة، بعد أن كان يرفض هذه الفكرة فى شبابه.

أفرط هيجل فى مثاليته فأتى مذهبه فضفاضا مليئا بالثقوب، قابلا للتأويل فى أكثر من اتجاه، بل إنه تورط فى نزعات عنصرية ضد الأفارقة السود والشرق المسلم حتى بات أحد روافد المركزية الأوروبية، كما غذَّت فلسفته السياسية الأفكار الشمولية. نعم تحدث الرجل عن الحرية كروح التاريخ ولكن ليس باعتبارها حرية فردية بل حرية دولة / أمة يذوى فيها الفرد فوضع البذور التى نبتت منها النازية. ولذا أزعم هنا أن الأثر الخالد لهيجل فى تاريخ الفلسفة لا يتمثل فى مذهبه النظرى بل فى مفهومه الأثير عن الجدل المثالي، القائم على الصراع بين فكرتين نقيضتين لبلورة ثالثة أرقى تنطوى على الأفضل من الفكرتين السابقتين عليها، كونه منح الفكر الحديث حيويته الدافقة وجوهره الديناميكى وأنهى سطوة المنطق الأرسطى الصورى (الساكن) على الفكر البشرى طيلة ألفى عام.

نقلاً عن

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة