تحقيقات

فى دفتر أحوال صحة المصريين.. فتش عن «الأمراض المزمنة» !

5-2-2021 | 11:38

السمنة والتدخين على رأس عوامل الاصابة بالأمراض المزمنة (الصورة من معهد القلب) - تصوير - محمد مصطفى

تحقيق ــ هاجـر صـلاح
  • يطلق عليها الأمراض غير السارية أو غير المعدية لأنها لا تنتقل بالعدوى..ومن يصاب بها يتلقى علاجا مدى الحياة
  • ارتفاع السكر والضغط وأمراض القلب والصدر والأورام أبرزها
  • الصحة: 23 مليون مواطن مصاب بمرض منها أو أكثر.. و85% من وفيات كورونا بسببها
  • د. عادل عبدالعزيز: تكلف الدولة كثيرا فى العلاج .. ولابد من سن تشريع يجرم تداول الزيوت المهدرجة
  • د.تامر حسن: الأسباب الوراثية العامل الرئيسى فى الإصابة بحساسية الصدر.. و31% من الأطفال
  • د.سامح شاهين: أمراض القلب تصيب المصريين مبكرا بنحو عشر سنوات عن متوسط الإصابة عالميا
  • د.احمد البربرى: تجاهل الأعراض الطارئة يؤدى لتفاقم الحالة.. ولا حجة أمام المواطن بعد المبادرات الرئاسية
  • د.مصطفى الصيرفى: دراسة قومية توقعت زيادة مرضى السرطان بسبب ارتفاع متوسط الأعمار وملوثات البيئة
  • ممثل منظمة الصحة العالمية فى مصر: أوصينا بالعمل فى خطين متوازيين.. توفير الرعاية الصحية للمصابين ومنع الإصابة


لم يحظ مصطلح «الأمراض المزمنة» بتداول إعلامى مماثل لما حدث منذ بداية إصابة المصريين بفيروس كورونا المستجد، فهو المصطلح الحاضر دائما فى كل حديث يتعلق بالفيروس، خاصة أنها غالبا ما تكون المتهم الأول فى حالات الوفاة، والتى أقرت وزارة الصحة بارتفاع نسبتها فى مصر لتحتل المركز العاشر على مستوى العالم بنسبة وفيات 5٫5%، وبررتها بمعاناة الضحايا من مرض مزمن (أو أكثر)، الأمر الذى دفع إلى إطلاق البرنامج الرئاسى للكشف على أصحاب الأمراض المزمنة فى يونيو الماضى لمن هم فوق 40 سنة، خاصة بعد توقف الكثيرين عن متابعة حالتهم الصحية خوفا من الإصابة بالفيروس فى حال ذهابهم للمستشفيات.

والأمراض المزمنة (ويطلق عليها أيضا الأمراض غير السارية أو غير المعدية) هى أمراض لا تنتقل بالعدوى، ويصاب بها الشخص على مدى زمنى طويل، ومن يصاب بأحدها، يكون لزاما عليه تلقى العلاج مدى الحياة، وهى عديدة ومتنوعة، لكن على رأسها أربعة أمراض رئيسية: ارتفاع سكر الدم، أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، الأورام السرطانية، والأمراض التنفسية المزمنة، ويضاف إليها أحيانا أمراض الصحة النفسية والعقلية.

ارتفاع نسبة الوفيات بين المصابين بفيروس كورونا، وتبريره بالإصابة بالأمراض المزمنة (مسئولة عن 85% من وفيات كورونا وفقا لوزيرة الصحة د. هالة زايد) دفعنا للبحث عن وضع مصر الحالى فيما يتعلق بمعدلات انتشار تلك الأمراض، وهل تعتبر مصر مقارنة بغيرها من الدول فى الحيز الآمن أم أنها تخطته، ومن ثم وجب على مؤسسات الدولة الانتباه، ووضع خطة للمواجهة؟.

فى تصريح لوزيرة الصحة فى إطار حديثها عن الفئات الأولى بتلقى لقاح كورونا، ذكرت أن هناك 23 مليون مواطن مصابون بأمراض مزمنة، فإذا كانت تقصد المواطنين فوق 40 عاما، (28 مليونا)، إذن؛ فالنسبة تصل إلى 82%، أما إذا كانت تتحدث عن الفئة فوق 18 عاما(60 مليونا) فالنسبة ستكون نحو 40%. فى الحالتين؛ النسب مرتفعة.

ولأننا فى هذا التحقيق سعينا بقدر الإمكان لتقدير حجم الإصابة بأبرز الأمراض المزمنة فى مصر، من خلال الوصول إلى البيانات والإحصاءات المتاحة فى قاعدة بيانات وزارة الصحة والتى تشكلت بناء على نتائج حملة 100 مليون صحة وما تفرع عنها من مبادرات، حصلنا على التصريح «المطلوب» من المكتب الإعلامى، ليتمكن د.أحمد السبعاوى ــ مقرر اللجنة القومية للأمراض غير السارية ــ من إفادتنا بنتائج تتضمن مزيدا من التفاصيل عن تلك التى نشرتها وسائل الإعلام لحملة 100 مليون صحة (استهدفت قياس السكر والضغط والسمنة)، والنتائج «النهائية» لحملة الكشف عن الأمراض المزمنة، لكن فى النهاية كانت الإجابة: لا يمكن كشف البيانات الكاملة قبل أن تعلنها وزارة الصحة بشكل رسمي!.

كل ما تمكنا الحصول عليه من د. أحمد السبعاوى هو عدد إجمالى المفحوصين فى حملة الكشف عن الأمراض المزمنة (قبل انتهاء عام 2020 بأسبوع ) فكان 17 مليونا و400 ألف مواطن (الحملة كانت تستهدف 28 مليون مواطن وفقا لتصريحات د. خالد مجاهد المتحدث الإعلامى لوزارة الصحة)، تلقى العلاج منهم 2 مليون و118 ألف مريض، أى بنسبة 12% من إجمالى المفحوصين.

أما بيانات حملة 100 مليون صحة التى انتهت فى أبريل 2019، والتى شملت ما يقرب من 50 مليون مواطن، فأوضحت نتائجها المنشورة بالفعل، أن متوسط الإصابة بارتفاع ضغط الدم 21% (10 ملايين و413 ألفا)، ــ تصل النسبة إلى 30% فى بعض المحافظات)، و5% متوسط الإصابة بالسكر (2 مليون و 570 ألف) – تتجاوز 6% فى بعض المحافظات ــ أما السمنة، فكانت النتيجة أن ربع المصريين فقط يتمتعون بوزن طبيعى، بينما 75% يعانون وزنا زائدا وصولا إلى مرحلة السمنة، والسمنة المفرطة، وهو مؤشر خطير إذا علمنا أن السمنة سبب رئيسى للإصابة بمعظم الأمراض المزمنة، وعلى رأسها أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكر، وحساسية الصدر، وآلام المفاصل والعمود الفقرى، وبعض أنواع السرطان.

حاولنا من جانب آخر التواصل مع د. هشام الحفناوى ــ رئيس لجنة مكافحة الأمراض غير السارية والتى شكلتها د. هالة زايد فى أكتوبر الماضى ليعلق لنا على البيانات التى هو بالضرورة قد اطلع عليها، لكن التجاهل كان ما تلقيناه من رد على رسائلنا.

«السكر» إلى زيادة

واصلنا بحثنا من خلال الأطباء كل حسب تخصصه. بدأنا مع د. عادل عبدالعزيز ــ رئيس التحالف المصرى لمكافحة الأمراض غير المعدية ــ وبحكم تخصصه الأساسى كأستاذ أمراض الباطنة والسكر، وكمستشار لمنظمة الصحة العالمية لأمراض السكرى، حذر من تقدم مصر فى الإصابة بارتفاع سكر الدم، فبعد أن كانت تحتل المرتبة التاسعة عالميا، تحتل الآن المرتبة الثامنة بـ9 ملايين مريض، ومرشحة لتتقدم إلى المرتبة السابعة.

ويلفت د.عبدالعزيز إلى أن «كوفيد ــ 19» بالفعل كان له دور فى إعادة الانتباه إلى الأمراض المزمنة، ومن المفارقات أنها هى المسئولة الآن عن ارتفاع الوفيات بشكل عام، وليس الأمراض المعدية أو الوبائية، فتلك الأخيرة أصبح لها لقاحات تحمى من الإصابة بها، بعكس الأولى، ومشكلة الأمراض المزمنة أنها تكلف الدولة كثيرا من أجل العلاج (فى تقرير لاتحاد السكر الدولى، تنفق مصر مليار دولار سنويًا فى علاج السكرى).

من هنا يشيد د. عبدالعزيز بالمبادرات الرئاسية لكشف الأمراض المزمنة وعلاج أصحابها بالمجان، خاصة أن المسح شمل أعدادا كبيرة من المواطنين بعكس أى بحوث سابقة، وبالتالى أصبحت الصورة أوضح أمام صانعى السياسات الصحية بعد تكون قاعدة بيانات توضح حجم الإصابة بكل مرض على حدة، واعتبر علاج أكثر من 2 مليون مواطن من فيروس سى إنجازا حقيقيا. حديث د.عادل ذكرنا بتصريح سابق لـ د. هالة زايد أكدت فيه أنه لولا علاج 2٫7 مليون مواطن من فيروس سى، لكانت الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا أكبر بكثير.

نعود لحديث د. عادل عبدالعزيز الذى أشار إلى أربعة عوامل خطيرة تؤدى للإصابة بالأمراض المزمنة الرئيسية الأربعة، وهى التدخين ثم قلة النشاط البدنى، والطعام غير الصحى وأخيرا الكحوليات، وبالنسبة لمجتمعنا فإن العوامل الثلاثة الأولى متوافرة بشكل كبير. ويحذر د. عادل مما وصفه بـ«الحياة الساكنة» التى يقل فيها المجهود الحركى للأفراد، ويصاحبها غذاء غير صحى مشبع بالدهون المهدرجة، لذلك يطالب بسن تشريع يجرم تداول واستخدام الزيوت المهدرجة تماما فى مصر، مثل دول عديدة.

معدلات طبيعية

ولأن مرضى الصدر هم الفئة الأكثر «قلقا» من الإصابة بفيروس يستهدف الجهاز التنفسى مثل كورونا، سألنا د. تامر حسن ــ طبيب الأمراض الصدرية ومدير العيادات الخارجية فى أحد المستشفيات الكبرى - حول نسبة الإصابة بأمراض الصدر المزمنة فى مصر،فأوضح فى البداية أنها تتمثل فى ثلاثة أمراض رئيسية هى السدة الرئوية ،الربو، وسرطان الرئة.

بالنسبة للسدة الرئوية، كشف عن أنها تصيب نحو ٣.٥% من الشعب المصرى، ٨٥% منهم من المدخنين، أما الباقى فمن العاملين فى صناعات ينتج عنها جزيئات دقيقة متطايرة مثل الخشب والجير والشعر والأتربة، لكن خطورتها تتمثل فى أنها ــ فضلا عن التسبب فى الإصابة بسرطان الرئة ــ تدمر أنسجة الرئة والشعب الهوائية مما يضعف من استجابة المريض لموسعات الشعب السريعة المفعول، خاصة مع تراكم الإفرازات المخاطية، الأمر الذى يسهل تراكم والتصاق الميكروبات الهوائية داخل الرئة، وتعتبر السدة الرئوية ثالث مسببات الوفاة فى مصر وفى العالم أيضا. بالنسبة للربو (حساسية الصدر) فيصيب على الأقل ١٠ ملايين مصرى، إما لأسباب وراثية جينية (وهى العامل الغالب) أو لكثرة التعرض لملوثات الجو كعوادم السيارات، ونحو 31% من المصابين بالربو فى مصر من الأطفال. وأخيرا يأتى سرطان الرئة الذى يشكل ١٥% من حالات الإصابة بالسرطان فى مصر، و18% من وفيات المصابين بالأورام. وهو لا يرتبط فقط بالتدخين، وإنما ببعض العوامل البيئية مثل التعرض لمادة الاسبستوس فى الصناعة، وغاز الرادون لعمال المناجم والمحاجر. لكن د. تامر يطمئننا بأن نسب مصر عموما متقاربة مع النسب العالمية، إذ تصيب أمراض الصدر ١٢.٥% من سكان العالم، وهى تقريبا نفس النسبة فى مصر.

أحوال القلوب

وفقا للدكتور سامح شاهين ــ الرئيس السابق للجمعية المصرية لأمراض القلب ــ فإن 500 مصرى من كل 100 ألف يتوفون بسبب أمراض القلب، مشيرًا إلى أن هذا الرقم 5 أضعاف الرقم العالمى، ويحذر من أن أمراض القلب تصيب المصريين مبكرا بنحو عشر سنوات عن متوسط الإصابة عالميا. (جلطات القلب تصيب المصريين فى سن 54 عاما بدلا من 64 عاما فى الخارج).

مع ذلك يؤكد د.أحمد البربرى ــ استشارى أمراض القلب ونائب رئيس شعبة العلاج الدوائى بالجمعية المصرية لأمراض القلب ــ أنها تتزايد على مستوى العالم لا فى مصر فقط بسبب زيادة التوتر والضغوط الحياتية، والتوسع فى مظاهر الحياة الحديثة والمرفهة، التى أدت إلى زيادة الإصابة بارتفاع الكوليسترول فى الدم بسبب الوجبات السريعة وقلة الحركة، وبالطبع فإن التدخين عامل رئيسى للإصابة.

ويوضح البربرى أن السبب الرئيسى فى أمراض القلب هو انسداد الشرايين التاجية المغذية للقلب بالدم المحمل بالأوكسجين، وتبدأ بالذبحة المستقرة - يشعر المريض بألم مع المجهود ويختفى مع الراحة-، لكن كلما زاد الانسداد ،وصل الأمر إلى ذبحة غير مستقرة وزاد احتمال الإصابة بالجلطات ومن ثم السكتات القلبية. ويلفت البريرى هنا إلى مشكلة تجاهل الكثيرين للآلام التى تصيبهم فى منطقة الصدر بمجرد اختفائها مع الراحة، وبالتالى تتفاقم المشكلة، خاصة مع استمرار نمط الحياة غير الصحى.

أما فيما يتعلق بمرض ارتفاع ضغط الدم «القاتل الصامت» فنسبة الإصابة عالميا تتراوح بين 20 و30%، وتجاهل علاجه يؤدى إلى مضاعفات خطيرة تؤثر على الكلى والعيون وعضلة القلب والمخ، ولذلك يجب أن يكون قياس ضغط الدم هو أول ما يفعله الطبيب ــ أيا كان تخصصه ــ عند فحص مريضه. وطبعا تزداد الخطورة عندما يكون مريض الضغط يعانى ارتفاع السكر.

لكن من ناحية أخرى يبشرنا د. أحمد البربرى أن مرض روماتيزم القلب الذى ينتج عنه تلف فى صمامات أو عضلة القلب فى سبيله للتراجع تماما، بفضل المشروع القومى للقضاء على الحمى الروماتيزمية الذى تبنته وزارة الصحة منذ خمس سنوات، والمرض سببه بالأساس إصابات اللوزتين بالالتهابات المتكررة خاصة لدى الأطفال من سن خمس سنوات إلى 15 سنة، وينتشر فى الريف بسبب تراجع معدلات جودة الحياة. ولم يخل حديثنا مع د.البربرى أيضا من الإشادة بمبادرات الرئاسة للكشف عن الأمراض غير السارية، وإتاحة العلاج بالمجان، فإذا كان المواطن يتحجج بإمكاناته المحدودة التى تمنعه من الذهاب إلى الطبيب، فلا حجة أمامه الآن.


إنفوجراف ــ خالد على



الأورام.. لا تراجع

تأتى الأورام السرطانية لتحتل أهمية خاصة بين الأمراض المزمنة لما يترتب عليها من آثار صحية ونفسية، وكما يخبرنا أ.د.مصطفى الصيرفى ــ رئيس الجمعية المصرية لأمراض السرطان وأستاذ طب الأورام بالمعهد القومى للأورام ــ فإن الدولة أولت اهتمامها بهذا النوع من الأمراض منذ ستينيات القرن الماضى، حينما أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارا جمهوريا بإنشاء أول مستشفى متخصص فى الشرق الأوسط لعلاج الأورام، وهو ما يعرف حاليا بالمعهد القومى للأورام، وتبع ذلك إنشاء عدد من المراكز المتخصصة التابعة لوزارة الصحة والجامعات الحكومية، فلم تعد تخلو محافظة فى مصر من معهد أو أكثر لعلاج المواطنين بالمجان.

ويكشف لنا د. مصطفى أن مصر من البلاد التى تتميز بنسبة «متوسطة» للإصابة، تبلغ ١٦٦٫٦ حالة لكل مائة الف مواطن (أى لدينا فى مصر 166 ألف إصابة بالسرطان تقريبا) بينما تبلغ هذه النسبة ٢٦٨٫٣ لكل مائة ألف فى البلاد الأوروبية والأمريكية، وتقل النسبة فى البلاد ذات الدخل المنخفض فتبلغ ١٤٧٫٧ لكل مائة ألف مواطن، وبالطبع تختلف أنواع الأورام الأكثر شيوعا من بلد لآخر، ففى مصر يعتبر سرطان الكبد والمثانة البولية الأكثر شيوعا بين الذكور، وقد تراجع الأخير بعد اهتمام الدولة بالقضاء على البلهارسيا ؛ المسبب الرئيسى لسرطان المثانة، بينما يأتى سرطان الثدى فى المرتبة الأولى للسيدات. ويتوقع الصيرفى أنه بعد الحملة القومية للقضاء على فيروس الكبد (سي) المسئول الأول عن تليف الكبد، والذى يزيد بدوره من فرص ظهور الأورام الخبيثة بها، سوف تنخفض نسب الإصابة خلال السنوات المقبلة بالتخلص النهائى من التهاب الكبد الفيروسى، أما بالنسبة للأطفال فلا تزيد على 3% من إجمالى حالات الإصابة بالسرطان ولا يتوقع زيادتها.

ومن خلال أول إحصاء علمى دقيق أجرته وزارة الصحة بالتعاون مع مراكز علاج الأورام والجامعات المصرية على ثلاث عينات من المواطنين فى شمال ووسط وجنوب الوادى فى عام 2014، تبين ــ كما يشير د.الصيرفى ــ أن حالات سرطان الكبد ينخفض حدوثها كلما اتجهنا للجنوب، حيث تبلغ ٥٦٫٨ لكل مائة ألف مواطن فى شمال ومنتصف الجمهورية، بينما تصل النسبة إلى ١٣ فى جنوب الوادى. لكن الإحصائيات نفسها أفصحت عن أمر مهم لمتخذى قرارات الرعاية الصحية، ألا وهو توقع زيادة أعداد مرضى السرطان فى مصر خلال الأعوام المقبلة، بسبب الزيادة السكانية وتزايد الملوثات فى البيئة بكل أنواعها، وارتفاع متوسط الأعمار (65% من الأورام تحدث بعد سن الـ ٥٥).

يتابع الصيرفى: «فى عام ٢٠١٣ بلغت حالات الأورام نحو 114,985 حالة، ويتوقع زيادتها إلى 331٫168 فى عام ٢٠٥٠ أى بزيادة تبلغ 290% (ثلاثة أضعاف تقريبا)، وهو ما يتطلب التوسع فى المراكز العلاجية الحالية، وإنشاء مراكز جديدة، كما يجب توطين صناعة العقاقير والأجهزة المستخدمة من أجل خفض تكاليف العلاج التى تتحمل الدولة النصيب الأكبر منها.

ويوصى أستاذ طب الأورام أيضا بتفعيل المجلس الأعلى لمكافحة السرطان، لتوجيه استثمارات الدولة نحو هذا المجال، وتحديث بروتوكولات العلاج، والكشف على المواطنين الأكثر عرضة للإصابة بهذا المرض، كما يطالب بتبنى حملة قومية لمكافحة التدخين ،خاصة لدى صغار السن، كونه العامل الرئيسى وراء ظهور الأورام فى أكثر من نصف الحالات، وفى مختلف أعضاء الجسم .

تتزايد باطراد

لمزيد من المعلومات بشأن موقع مصر عالميا فيما يتعلق بهذا الملف، تواصلنا مع د. نعيمة القصير ممثلة منظمة الصحة العالمية فى مصر، التى أكدت لنا أن وزارة الصحة شاركت المنظمة بيانات حملة ١٠٠ مليون صحة، حيث تعملان معا لرصد حجم مشكلة الأمراض غير السارية ووضع الحلول المناسبة لها فى ظل الإمكانات الحالية، وقد قامت المنظمة بتحليل تلك البيانات، وستصدر بها قريبا، تقريرا نهائيا يعرض الاستنتاجات والتوصيات.

ممثلة المنظمة كشفت عن أن لديهم بيانات عن معدل انتشار بعض الأمراض غير السارية فى مصر وعوامل الخطورة الخاصة بها من خلال المسح المتدرج للمنظمة، الذى تم تنفيذه فى عام 2017 على المستوى القومى، بالتعاون مع وزارة الصحة والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، كما قامت منظمة الصحة بتقديم الدعم للحفاظ على استمرار العمل بالسجل الوطنى للسرطان بمصر،الذى يعد من أقدم السجلات الوطنية فى إقليم شرق المتوسط.

(المسح الذى شمل 6680 أسرة، بياناته يوضحها الإنفوجراف) سألناها عن ترتيب مصر دوليا فيما يتعلق بنسب الإصابة بالأمراض المزمنة الرئيسية (كل على حدة)، فأجابت بأنه لا توجد بيانات عن ترتيب مصر، لكن من المؤكد أن عبء الأمراض غير السارية يتزايد بإطراد، حيث تشير التوقعات المستقبلية إلى أنه ستكون هناك زيادة مقلقة فى انتشار الأمراض غير السارية الأربعة الرئيسية التى قد تؤدى إلى ما يقرب من 2٫4 مليون حالة وفاة فى عام 2025، وكما ترى «القصير»، فإنه ليس من المهم معرفة الترتيب على مستوى العالم لكل مرض، ولكن يكفى الدولة معرفة معدل انتشار تلك الأمراض لديها وما تسببه من عبء على النظام الصحى والاقتصاد، لكن بشكل عام فإن الأمراض غير السارية مسئولة عن أكبر نسبة للوفيات فى مصر التى وصلت إلى 84% من إجمالى الوفيات، وهى تعد من أعلى المعدلات إقليميا وعالميا .

توصيات المنظمة فى هذا الشأن، يمكن تلخيصها فى ضرورة العمل فى خطين متوازيين على كل من المنع والسيطرة، فقد أثبتت الدراسات الصحية أنه٠ يجب ألا ينصب اهتمام الدول على علاج الأمراض فقط بل أيضا يجب الاهتمام بمنع حدوثها من خلال خفض معدلات التعرض لعوامل الخطورة، وقد وقعت مصر على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ فى عام 2005 التى تقوم على تقليل الطلب على التبغ بفرض الضرائب على منتجاته، وتوفير أماكن خالية من الدخان ودعم الإقلاع عن تعاطيه.

على جانب آخر، يجب اتخاذ إجراءات لتحسين نوعية الغذاء ليصبح منخفض الملح والسكر وخاليا من الدهون المهدرجة ويحتوى على الخضراوات والفاكهة، بالإضافة إلى التحفيز على النشاط البدنى، مع العمل على خفض التلوث البيئى بجميع صوره.

تضيف د. نعيمة القصير: «استجابت مصر لتوصياتنا بضرورة تطبيق نظام التغطية الصحية الشاملة الذى يجعل من حق كل مواطن الحصول على الخدمة الصحية ذات الجودة العالية فى أى مكان ووقت دون معاناة مادية، وذلك من خلال تطبيق نظام التأمين الصحى الشامل».

فيما يتعلق بزيادة أعداد الوفيات بين مصابى كوفيد 19، وربطها بالإصابة بالأمراض المزمنة، أكدت القصير أن الغالبية العظمى من وفيات كوفيد ــ 19 لديها أمراض مصاحبة وعلى رأسها الأمراض المزمنة التى تضعف من مناعة المصابين وقدرتهم على مواجهة الفيروس، خاصة إذا لم يكن هذا المرض المزمن تحت السيطرة الكاملة. وبما أن معدلات انتشار الأمراض غير السارية مرتفعة بمصر، فمن المتوقع أن تكون نسبة كبيرة من مصابى كوفيد لديهم واحد أو أكثر من الأمراض المزمنة، مما يترتب عليه ارتفاع نسبة الوفيات بينهم، ومن هنا جاءت أهمية تنفيذ المبادرات الرئاسية الخاصة بالاكتشاف المبكر وعلاج الأمراض غير السارية الرئيسية.

بعد هذا العرض؛ يتضح أن هناك مواضع تستدعى التحرك بصورة عاجلة، من خلال تكثيف التوعية فيما يتعلق بالعادات والسلوكيات التى من شأنها زيادة فرص الإصابة، وكلما توافرت أمام المواطن سبل الكشف والعلاج بسهولة ويسر، زادت الفرصة فى الوقاية والسيطرة، وهو ما تحقق فعلا بفضل المبادرات الرئاسية، انتظارا لتعميم نظام التأمين الصحى الشامل. وأخيرا؛ إذا كان تعداد سكان مصر يشير إلى أننا من الشعوب «الشابة»، فمن المهم أن نكون من الشعوب «العفية» أيضا..

 

نقلاً عن الأهرام اليومي

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة